تتكون «الأرض الخراب» من خمس حركات هي «دفن الموتى» و«مباراة شطرنج» و«عظة النار» و«الموت غرقاً» و«ما قاله الرعد» ويقول ناقد إنجليزي عنها: «لإليوت عمل أدبي عميق هو قصيدة الأرض الخراب، تلك الكومة من الصورة المكسورة التي استجمع فيها الحياة في أوروبا بعد الحرب، وندد بها، وقد تكون طريقته ثقيلة أول الأمر، لأنها تعتمد على إشارات متعددة لكتاب غيره، لكنها حتى إذا استعصت على الفهم، لا بد مستحوذة على الخيال، وقد عرض إليوت في هذه القصيدة لحضارة لا تعتمد على العقيدة وإنما تعتمد على ماضيها فقط، مبدياً من جانبه رأيه في أن العقيدة ضرورة لازمة».
يتسنى للقارئ العربي إدراك القوة النفسية الكامنة وراء كتابة هذه القصيدة، ودوافع إليوت إلى إنشائها، في مقدمة ترجمة الناقد د. ماهر شفيق فريد لقصائد ت. س. إليوت والذي يستند إلى رأي الناقد الأمريكي فان ديك بروكس: «مارس ت. س. إليوت أسطورة فريدة على عقول كتاب عصره، وهو شاعر الأرض الخراب، أو المشهد الفسيح والفوضى التي هي التاريخ المعاصر، كما قال مرة من المرات، حيث كان إليوت يحس أنه يعيش في حضارة تموت، ورغم ذلك فقد كان له مكانه المتميز وشخصيته الإيجابية في ذلك الوقت من الفوضى والتردد والهرب والشك، بما له من لهجة عالمية واهتمام أنثروبولوجي وحب للبحث».
وهكذا نرى أن إليوت في قصيدة «الأرض الخراب» إنما يعبر في صورة رمزية كثيفة عن الخراب الروحي لأوروبا، والقصيدة مهداة إلى الشاعر الأمريكي إزرا باوند أستاذ إليوت الذي أعانه على تنقيحها واختصارها، والقصيدة يمكن اعتبارها مثل رواية «جيمس جويس» عوليس التي ظهرت في نفس العام، وكانت ملحمة القرن العشرين، وإليوت يبدأ قصيدته بقوله: أبريل أقسى الشهور «لأنه يعذبنا بذكرياته التي لن تعود، إن أقصى ألوان العذاب في أرض يباب إنما تكون عند بعث الحياة حينما لا يستطيع المرء أن يرى الربيع إلا في مخيلته، وقد حف الجدب بالأرض، والشتاء الذي يرتبط بالبرودة والوحدة خير من الربيع في عالمنا اليباب، فالشتاء على الأقل لا يعدنا بالآمال البراقة التي لا تتحقق».
في القصيدة نرى أنفسنا في وسط أوروبا بين جمع من الكسالى الذين لا وطن لهم، فهم يجلسون في ضوء الشمس، ويحتسون القهوة ويثرثرون، والفتاة ماري التي تتكلم في أحد أجزاء القصيدة تروي لنا خبرة صغيرة بين الجبال، وتحسم هدف الإنسان من الانزلاق، كما أنها تمثل توقه أيضا إلى التحرر من أغلال حضارته الخانقة، ورغبته في الالتقاء بالطبيعة العذراء فوق الجبال.
كتب إليوت أيضا قصيدة «الرجال الجوف» أولئك الرجال الذين فقدوا الإيمان الروحي والإنساني والعقلي وانفصلوا عن باقي المؤمنين بقوة إلهية عليا، فعاشوا في سراديبهم المهجورة مع الخواء والفراغ والشقاء.
بعد ذلك أصدر إليوت قصيدة «أربعاء الرماد» عام 1930 وفيها يستعرض تجربته الدينية العميقة، حتى ينتهي إلى الرجوع إلى حظيرة الكنيسة الأنجلو كاثوليكية، جاعلا من الخبرة الدينية مغامرة روحية وإنسانية صوفية باهرة، وبذلك يتوج سلسلة مراثيه البليغة لانهيار الحضارة الغربية، وتصدع القيم الروحية في نفوس أبنائها، ومع ذلك يبدو إليوت في القصيدة وكأنه لم يعثر على الحقيقة كاملة.
في مارس/آذار 1933 قال إليوت في محاضرة له بجامعة هارفارد: «إن المزية الأساسية للشاعر ليست العثور على عالم جميل يتعامل معه، وإنما هي القدرة على أن يرى ما وراء الجمال والقبح على السواء، إنها القدرة على رؤية الملل والبشاعة والمجد»، نتاج إليوت الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب عام 1948، متكامل كأوضح ما يكون التكامل، وقد تواكبت خطاه شاعرا وناقدا منذ البداية، ثم أتبعها بجهوده المسرحية، بعد أن كتب العديد من المقالات والمراجعات عن الشعراء المسرحيين الذين أحبهم، ولإليوت مكانة في النقد تناظر مكانته الشعرية، بل إن كثيراً من القراء يحبون نقده أكثر مما يحبون شعره.
صدرت رائعة ت.س. إليوت «1888 1965» «الأرض الخراب» لأول مرة عام 1922 بالولايات المتحدة الأمريكية، وفيها يعبر إليوت عن محنة أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ويجد القارئ فيها خصائص إليوت الفنية واضحة: الإبهام، قوة الصورة، سخريته من الحضارة، ليبصر الأجيال القادمة بالحياة الخاوية التي تنقصها القيم الروحية والإنسانية.
ظل نوبل
توماس إليوت المبشر بموت الحضارة الأوروبية
24 يونيو 2017 04:29 صباحًا
|
آخر تحديث:
24 يونيو 04:29 2017
شارك
القاهرة: «الخليج»