وبدأنا العد العكسي لإكسبو 2020 دبي

 
عادي

ثقافة النخبة

03:56 صباحا
قراءة دقيقتين
عثمان حسن

برز مصطلح النخبة بكثرة في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا، وأصبح أكثر استخداماً في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، في أوائل القرن العشرين، ويعود أصل هذا المصطلح لعالم الاجتماع والاقتصاد الفرنسي «باريتو»، صاحب مبدأ «باريتو» في علم الإدارة، ففي عام 1902 طوّر باريتو نظرية «تداول النخب» في إطار تحليله للماركسية واعتبارها الشكل الحديث للعلمانية.
ما يهمنا من الأمر، هو الإشارة إلى ما بات يتكرر في الأدبيات الثقافية، تحت عناوين «النخبة الثقافية» على وجه الخصوص، حيث النخبة هنا، هي مجموعة الأفراد المؤثرين، أو الذين قدّموا إنجازات مهمة، على صعيد النظرية والفكر والرؤية، وكان لهم دور بارز في سيرورة العمل الثقافي برمته.
غير أن الوقوف عند تداعيات هذا المصطلح، وتفكيكه من الداخل، يكشف عن كثير من سوء الفهم، لجهة اعتبار «النخبة» هي فقط، من تستحق الريادة الثقافية والفكرية، وهنا، فإن مجرد التفكير في مجاراتها، يعتبر تجاوزاً لا يمكن تقدير نتائجه وعواقبه.
الأخطر من ذلك، اعتبار منافسة النخبة، من قبل المراتب الدنيا في التصنيف الثقافي، هو مغامرة غير محسوبة، فهم في نظر «النخبة» ذاتها، الدرجة الأدنى، والأقل حظاً، ويجب ألا يتجاوزوا، كونهم مجرد تلاميذ «نجباء» وفي أحسن الأحوال «مجتهدين»، ويحتاجون إلى سنوات طويلة، للوصول إلى المكانة التي احتلتها النخبة، كون الأخيرة صاحبة الامتياز الفكري والجمالي، ولا أحد يستطيع تجاوزها أو مضاهاة ما قدّمته على أرض الواقع.
هنا، تسقط «النخبوية» بوصفها النموذج الأكثر لمعاناً وهيبة، لتصبح حالة رثّة بائسة، ومعطلة لحركة الإنتاج وكل ما يطوّر من فعل الممارسة الثقافية والفكرية، سيما مع تعاليها على تطلعات وأحلام شرائح المجتمع المختلفة، والأصل أن تستمر النخبة، وعينها على مصالح مجتمعها، وبعكس ذلك يصبح «التعالي» على الواقع هو الأصل، وهذا مرض حقيقي له أكلاف ثقافية وفكرية باهظة.
هل نتحدث عن سقوط النخبة الثقافية، لتصبح رهينة ما أحرزته من مكاسب اجتماعية، غيّرت من خياراتها ومواقعها؟ إذا صح ذلك، تصير الثقافة هنا مجرد «لباس» اجتماعي فارغ يكشف عن ضحالة فكرية وتأخر وتراجع.
قد تمر السنون، ويصير ما أنجزته «النخبة» الثقافية، ليس أكثر من «أثر» تجاوزه الزمن الحاضر، والتفكير الإنساني كافة، وتصبح نخباً تقليدية محافظة، بل إنها في أحيان كثيرة، معادية لقيم التطور والمعاصرة، وما يتفرّع عنها من قيم حقوقية، للأفراد تُكفل حريتهم في ممارسة كافة نشاطاتهم الثقافية.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"