ارتبط اسم الشاعر علي بن الجهم بحي الرصافة؛ وذلك لذكره له في قصيدته المشهورة، التي لاقت رواجاً واستحساناً بين أهل الأدب، التي أولها «عيون المها بين الرصافة والجسر»، وتشير علاقة ابن الجهم بالرصافة في هذه القصيدة إلى شيء أعمق من مجرد الذكر، فقد اتخذت علامة على تغير رؤيته الشعرية، وإعادة صياغة أسلوبه الفني بتأثير حواضر الحكم العباسية، وارتياده القصور في تلك الحواضر؛ حيث تأثر بجمال أبنية الحي ومناخه المدني الحضري، ما غير رؤاه ومذهبه في صناعة الشعر.
الرصافة هو أحد قسمي مدينة بغداد قديماً، يقع على الجانب الشرقي لنهر دجلة، ويقابله على الجانب الغربي القسم الثاني حي «الكرخ»، ويربط بينهما جسر وهو الذي ذكره ابن الجهم أيضاً في القصيدة، ويمتد تاريخ الرصافة إلى تاريخ تأسيس بغداد ذاتها، وقد انتقل إليه الخليفة أبو جعفر المنصور من الأنبار عام 149ه، فأمر ابنه المهدي أن يعسكر بالجيش على الجانب الشرقي من النهر وأن يبني به الدور هناك، ثم التحق به الناس وعمروا المكان، فأصبح الرصافة مركزاً للحكم، وكان على مر العصور جزءاً حيوياً من مدينة بغداد.
أما الشاعر علي بن الجهم (188- 249 ه) فهو من أصول قرشية، ولد بخراسان، وانتقلت أسرته إلى بغداد وهو صغير، تربى في بيت علم وأدب، ويبدو أن حرص أسرته على تعليمه فصاحة العرب الأقحاح، أثر في تكوينه، ما أكسبه جزالة لغوية أحاطت موهبته الشعرية بالرازنة والقوة، وحمتها من تأثير لسان أهل المدن، فتربى تربية شاعر قوي بدوي الطبع والتصوير، وظل على تلك الحال حتى اتصل بالأمراء العباسيين، ودخل قصورهم ومدحهم، فتهذب شعره، فأثر، جمال تلك القصور وما حولها من بساتين غناءة، وبرك جميلة، وما وجده فيها من أساليب حضرية في التعامل، في نفس الشاعر المرهفة، التي يسترقها الجمال، فبدأ يتخلى عن أساليب الأقدمين في نظم الشعر، لغة وتصويراً، ويستريح إلى الكلمة الشعرية القريبة العذبة الرقيقة، والصورة الحديثة المنتزعة من تلك البيئات التي عايشها في هذه المدن التي كانت تشكل يومها قمة التحضر في العالم، وكانت مركزاً لقيادته، فرق شعره وحسن.
يروي بعض من مؤرخي الأدب في شأن هذا التحول الشعري عند ابن الجهم حادثة طريفة، لكنها لا تستقيم مع تاريخ حياة الشاعر، فيقولون إن أول اتصال مباشر لعلي بن الجهم بخلفاء بني العباس كان في عهد المتوكل على الله بن المعتصم (205-247 ه)، وكان أول ما مدحه به أبياتاً فيها من جفاء الطبع والبعد عن الكياسة ما يظهر الشاعر كأنه متوحش، لم يعش مع البشر، وكأنه قد قدم لتوه من قطيعه، ويقول فيها:
أَنتَ كَالكَلبِ في حِفاظِكَ لِلوُدْ
وَكَالتَيسِ في قِراعِ الخُطوبِ
أَنتَ كَالدَلوِ لا عَدِمناكَ دَلواً
مِن كِبارِ الدِلا كَثيرَ الذَّنوبِ
ففهم المتوكل حسن مقصده، وعلم أنه صاحب موهبة شعرية قوية، رغم خشونة لفظه، فأمر له بدار حسنة في الرصافة على شاطئ دجلة، يوجد فيها بستان حسن، وكان الجسر قريباً منه، وأمر أن يُتعاهد بالغذاء اللطيف، فكان ابن الجهم يرى حركة الناس ولطافة الحضر، فأقام ستة أشهر على ذلك، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده، فحضر وأنشده قصيدة «عيون المها»، التي أظهر فيها من حسن الوصف ورقة الطبع الشيء الكثير، فاستحسنها المتوكل، وقال له: «لقد خشيت عليه أن يذوب رقة ولطافة».
ورغم صعوبة تصديق هذه القصة، وعدم اليقين بنسبة الأبيات إلى ابن الجهم، فإنها تبقى تشير إلى أن ابن الجهم بعد اتصاله بالمتوكل وسكنى الرصافة قد اكتسى شعره حلة جديدة جميلة في ألفاظه وأوصافه، وهذا واضح من هذه القصيدة التي بدأها بالغزل والشكوى من صدود الحبيبة وبخلها حتى بالسلام رغم لوعة الشاعر وعشقه لها، وإظهاره لها التذلل، وأبدع في وصف ذلك، واستعان بشكل لطيف بالحوار الدرامي على طريقة عمر بن أبي ربيعة، وأسهب في ذلك، ثم انتقل إلى مدح المتوكل فأجاد في وصفه، وجاء بمعان بديعة، يقول ابن الجهم:
عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ
جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن
سَلَوتُ، وَلكِن زِدنَ جَمراً عَلى جَمرِ
سَلِمنَ وَأَسلَمنَ القُلوبَ كَأَنَّما
تُشَكُّ بِأَطرافِ المُثَقَّفَةِ السُمرِ
وَقُلنَ لَنا نَحنُ الأَهِلَّةُ إِنَّما
تُضيءُ لِمَن يَسري بِلَيلٍ وَلا تَقري
فَلا بَذلَ إِلّا ما تَزَوَّدَ ناظِرٌ
وَلا وَصلَ إِلّا بِالخَيالِ الَّذي يَسري
أحينَ أزحنَ القَلبَ عَن مُستَقَرِّهِ
وَأَلهَبنَ ما بَينَ الجَوانِحِ وَالصَدرِ
{{{{
ألا قَبلَ أَن يَبدو المَشيبُ بَدَأنَني
بِيَأسٍ مُبينٍ أَو جَنَحنَ إِلى الغَدرِ
صِلي وَاِسأَلي مَن شِئتِ يُخبِركِ أَنَّني
عَلى كُلِّ حالٍ نِعمَ مُستَودَعُ السِرِّ
وَما أَنا مِمَّن سارَ بِالشِعرِ ذِكرُهُ
وَلكِنَّ أَشعاري يُسَيِّرُها ذِكري
وَما الشِعرُ مِمّا أَستَظِلُّ بِظِلِّهِ
وَلا زادَني قَدراً وَلا حَطَّ مِن قَدري
وَلِلشِّعرِ أَتباعٌ كَثيرٌ وَلَم أَكُن
لَهُ تابِعاً في حالِ عُسرٍ وَلا يُسرِ
وَما كُلُّ مَن قادَ الجِيادَ يَسوسُها
وَلا كُلُّ مَن أَجرى يُقالُ لَهُ مُجري
وَلكِنَّ إِحسانَ الخَليفَةِ جَعفَرٍ
دَعاني إِلى ما قُلتُ فيهِ مِنَ الشِعرِ
فَسارَ مَسيرَ الشَمسِ في كُلِّ بَلدَةٍ
وَهَبَّ هُبوبَ الريحِ في البَرِّ وَالبَحرِ