الشارقة: عثمان حسن

هو من دون شك، من الأسماء الكبيرة ضمن توصيف «شعراء المقاومة» وصاحب تجربة ثرية، لا يمكن إغفال تفاصيلها في مراحل الصراع العربي - «الإسرائيلي»، وبشكل خاص النضال الفلسطيني، وهو فضلاً عن شعريته المتوهجة، مفكر وأكاديمي وناقد لامع، إنه الشاعر الدكتور عز الدين المناصرة، وقد ارتبط اسمه على وجه التحديد بقائمة «شعراء المقاومة في المنفى» التي تضم كذلك (معين بسيسو ومريد البرغوثي وأحمد دحبور).
يصفه الإعلامي عادل سالم بقوله: «ملأ سماء الساحة الفلسطينية في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، عندما علا صوته كأحد شعراء المقاومة المركزيين الذين حملوا راية الشعر على كف، والبندقية في الكف الأخرى، فكان ما يكتبه نابعاً من الجرح، والروح معاً، انتشرت قصائده خصوصاً قصيدة «جفرا» بين الشباب الفلسطيني في الوطن المحتل وخارجه».
ارتبطت شعرية المناصرة بالمقاومة، قولاً وفعلاً، حيث كان له مشاركة فعلية في المقاومة ضد العدو «الإسرائيلي» في ثلاث معارك، هي: (كفرشوبا، المتحف، المطاحن).
والمناصرة، كشاعر، صاحب تجربة متميزة، ارتبطت بالحداثة الشعرية العربية، فهو كان مخلصاً للتجديد الشعري، وقد برز ذلك جلياً في ديوانه «جفرا أُمّي إنْ غابت أمي» 1981، وهو ديوان شعري فلسطيني بنكهة فولكلورية، فيها قدر كبير من الخيال والعناية الفائقة على مستوى الدلالة والرمز.
وقد تحدث المناصرة عن قصة «جفرا»، التي صارت رمزاً وحكاية، لنستدل أن الاسم يعود لفتاة فلسطينية تعرّف إليها الشاعر في بيروت عام 1976، اسمها جفرا إسماعيل النابلسي، وكان يريد الزواج منها، ولكن طائرة «إسرائيلية» آنذاك قصفت بيروت، وكانت جفرا من بين الشهداء، فكتب المناصرة قصيدته «جفرا أمي» أو «جفرا الوطن المسبي»، والتقطها الفنان اللبناني خالد الهبر وغنّاها، فانتشرت وحفظها الشباب آنذاك، كما غنّاها فيما بعد مارسيل خليفة، وغنتها كذلك المطربة التونسية أمل المثلوثي، والمطرب الفلسطيني محمد عبد القادر الفار، وتُرجمت القصيدة إلى عشرين لغة، كما تحوّلت إلى فيلم سينمائي يوغسلافي عن لبنان وفلسطين، عرض في مهرجان السينما الدولي في موسكو عام 1980، لتصبح بعد ذلك «جفرا» راسخة في الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية.
في دراسة للدكتور عمر عبد الهادي عتيق، عن هذه التجربة المهمة «جفرا» في إطار ما أنجزه المناصرة على أهميته، ويعد بعشرات الكتب ما بين الشعر والنقد والنثر، يقول: «جفرا ظاهرة عشق أزلي، تضرب جذورها في نخاع الأرض، فنسمع مناغاة بين «جفرا» وذرات التراب، وتغدو الأرض والإنسان كياناً منصهراً في علاقة عشق لا تنتهي، وتنبثق من جذورها سنديانة الثورة، فتنشأ بين جفرا والثورة علاقة مصاهرة تنجب أجيالاً لا تعرف سوى عشق الوطن وحب التحرر».
ويضيف: «ويتفرع من السنديانة أغصان قزحية؛ خضراء أنثوية بلون العشق، وحمراء دموية بلون الشهادة، وبيضاء ناصعة بنكهة السلام والسكينة، وسوداء حالكة كحنظل القهر والنفي، وفيها ألوان أخرى تثير شهوة المتلقي فيشكل منها الوشاح الذي يعشقه، أو يرى فيها النسيج الذي يخنقه».
صارت «جفرا» أنشودة زجلية شعبية فلسطينية، يرددها الكثيرون، وأصبحت شعاراً ورمزاً وأيقونة تتجسد بها إنسانية الإنسان وطموحاته وأحلامه، وأكثر من ذلك، فقد غدت لغة تتجاوز العرق والجغرافيا والفولكلور، وشيفرة لكل المعذبين في الأرض.
يقول المناصرة في قصيدته:
أرسلتْ لي داليةً وحجارةً كريمة
مَنْ لم يعرفْ جفرا فليدفن رأْسَهْ
من لم يعشق جفرا فليشنق نَفْسَهْ
فليشرب كأس السُمِّ العاري يذوي، يهوي ويموتْ
جفرا جاءت لزيارة بيروت ْ
هل قتلوا جفرا عند الحاجز، هل صلبوها في تابوت؟؟
جفرا أخبرني البلبلُ لّما نَقَّر حبَّاتِ الرمّانْ
لّما وَتْوَتَ في أذني القمرُ الحاني في تشرينْ
هاجتْ تحت الماء طيورُ المرجانْ
شجرٌ قمريٌّ ذهبيٌّ يتدلّى في عاصفة الألونْ
جفرا عنبُ قلادتها ياقوتْ
هل قتلوا جفرا.. قرب الحاجز هل صلبوها في التابوت؟؟
تتصاعدُ أُغنيتي عَبْر سُهوب زرقاءْ
تتشابه أيام المنفى، كدتُ أقول
تتشابه غابات الذبح هنا وهناك
تتصاعد أغنيتي خضراء وحمراءْ
الأخضر يولد من الشهداء على الأحياء
الواحةُ تولد من نزف الجرحى
الفجرُ من الصبح إذا شَهَقَتْ حبّاتُ ندى الصبح المبوحْ
ترسلني جفرا للموت، ومن أجلك يا جفرا
تتصاعدُ أغنيتي الكُحليّة
منديلُكِ في جيبي تذكارْ
لم أرفع صاريةً إلاَّ قلتُ: فِدى جفرا
في تعريفه لمفهوم المقاومة يقول المناصرة: «المقاومة عندي فكرة مقدّسة، وهي فكرة ذهبية، لا تفقد حداثتها، وهي تجدد آلياتها باستمرار، أما المقاومة الشعرية، فهي أمر مختلف، حيث يجب فهم جوهر الشاعرية، وفهم جوهر المقاومة الشعرية معاً، انطلاقاً من مفهوم الحداثة والتحديث، فالمقاومة ليست حالة تاريخية عابرة، هي حالة أبدية لتصحيح أخطاء العالم، لكن أهم أولوياتها هي مقاومة الاحتلال، والتخلف، والعنصرية، والانغلاق».
كثيرة هي الدراسات التي تناولت شعرية المناصرة بالنقد والتحليل ومن ذلك دراسة سيميائية في شعره للباحث حسين الدباغ، يتوقف فيها عند مفهوم الغربة عند المناصرة من خلال قصيدة «أضاعوني»، وهي كلمة أوصلت الدلالة والمعنى المباشر لمفهوم الغربة، ويقول الدباغ: «هذا يعتبر شكلاً من أشكال التعبير عن الوطن، فهو عبارة عن ثوب تجسدت فيه العناصر القصصية التي يضيفها المناصرة بين السطور، وهو سرد ووصف لحال ذلك الشاعر المنفي والمشرد الذي بكته جدته وأعمامه وجده، لينتقل إلى استخدام أسلوب آخر في قوله: أضاعوني وأي فتى أضاعوا؟ فالشاعر هنا استخدم أسلوب الاستفهام للسؤال عن أي فتى أضاعوا، وجاء النداء للتعبير عن تجربة ذاتية، وما تحمله في نفسية الشاعر من مشاعر وأحاسيس، ثم ينتقل إلى وصف حاله، فهو يستغيث بتلك المدائن ومن شدة الألم يصرخ، وذلك كي يذكر حال أهله الذين خذلوه وهو في أمس الحاجة لهم من أجل استرداد وطنه المسلوب».
ويتناول الدباغ قصيدة «قفا نبك» للمناصرة، التي تتناص مع قصيدة امرؤ القيس، واصفاً حالة الحزن التي تسيطر عليه في فترة الوقوف على الأطلال، والمتأمل في سيميائية القصيدة، يجد الوطن يسكن الشاعر، فهو لم يغب عن ذهنه ووجدانه ولو للحظة، ولكن الغربة التي قضى بها حياته طالت كثيراً عليه، ويتضح ذلك من خلال قصائده التي تتحدث عن الغربة، ما جعل المناصرة يتوحد مع الملك الضليل، بأن سرد قوته لكي يستطيع العودة والدفاع عن وطنه الذي أبعد عنه، وهو يقدّم صورة جميلة في القصيدة حين يصف خياله وذاكرته وكأنها إنسان ضيع تلك «الرسمة الفنية» التي كان يحملها أينما ذهب، وإن كانت تحمل وجعاً وألماً غائراً في قلبه، بسبب مرارة الغربة، حيث يقول:
وحين تدق المسامير في النعش
لا تزعجوا الشعراء
يا ساكنا سقط اللوى
قرب اليمامة بيته
الخير ينتظم البلاد: (بلاد كنعان) السخية
من بعد أعوام عجاف.