إعداد:عثمان حسن

بين التاريخ والأسطورة فصل لتعدد الرواية، وتصادم الرأي والاعتقاد، فالتاريخ والأسطورة ضلعان متجاوران، قائمان ما قام الزمان، والحقيقة وترهما.
هذا فيثاغورس، قمة من قمم العلم الخالدة، صاحب النظرية الذائعة الصيت، والسيرة العجيبة الغنية، رغم الاختلاط في نقلها، فلا يمكن الجزم بصحة الكثير مما احتوته سيرته، وتناقلته ألسن الكتب عنه من بعده بقرون.. لذا اقتضى التنويه!
استقر المقام بفيثاغورس في كروتوني، جنوب إيطاليا، وهناك التقى «ميلان»، أحد أبطال الألعاب الأولمبية، والأعلام ذوي الشهرة والثراء في البلاد.

مدرسة فيثاغورس

من حظ فيثاغورس أن ميلان كان إلى جانب اهتمامه بالرياضة، محباً للرياضيات والفلسفة، مولعاً بهما، فكان أن تهيأت الصداقة بين الرجلين، وأمكن لفيثاغورس أن ينتفع بقسم من بيت ميلان كان كافياً لتأسيس مدرسته نحو عام 529 قبل الميلاد.
كانت لفيثاغورس مكانته العظيمة بين أتباعه، الذين اعتبره بعضهم «نصف إله». وبعض الدارسين يصف مدرسته بأنها كانت أقرب إلى «فرقة دينية»، مشيرين إلى تلك «الطقوس» التي ألزم فيثاغورس مريديه (تلامذته) بها، ومن ذلك أنه كان يحظر عليهم أكل اللحوم أو الفول، أو أن يكسروا الخبز، أو أن يقلبوا النار بقضيب من الحديد، أو يلتقطوا ما وقع على الأرض. كما أجبرهم على ارتداء الملابس البيضاء، والتأمل في أوقات محددة.
وكان أعضاء هذه المدرسة (الفرقة) يتعارفون بإشارة سرية، ويشتركون في تملك جميع الأشياء، ويتعاهدون على أن يعاون بعضهم بعضاً.
أما موضوعات الدراسة فكانت درجات الحكمة الأربع: الحساب، والهندسة، والموسيقى، والفلك، إلى جانب واجبات الإنسان نحو الآخرين. وكانت الفضائل الإغريقية المثالية هي الغاية التي ينبغي على هؤلاء التلاميذ أن يتحلوا بها، من التقوى والإخلاص إلى المروءة والشجاعة.
ضمت اهتمامات فيثاغورس العلمية مجالات الرياضيات والهندسة والموسيقى والأديان. وكانت الفلسفة حاضرة في كل هذه الأبواب، بل إن الفضل يعزى إليه في تعريف كلمة الفلسفة (فيلو سوفيا)، وأنه أول من قال إنها «محبة الحكمة»، «فيلو: محبة، سوفيا: الحكمة».
في الرياضيات كان لفيثاغورس الباع الأشهر. فإلى جانب نظريته المعروفة، كان له اهتمام خاص بالأرقام، وأنه كان يضع الرقم عشرة موضع التقديس، باعتباره الغاية والكمال والتمام.
كما كان يعتقد أن كل شيء مرتبط بالعدد والحساب، وأن ذلك يعني إمكان التنبؤ بكل شيء وقياسه بشكل «حلقات إيقاعية». وكان يعتقد أيضاً أن العدد هو أصل العالم الذي هو أحكم ما في الوجود.
أما في الموسيقى، فكان فيثاغورس يرى أن الكون يتألف من التمازج بين العدد والنغم، وله في ذلك فلسفة لافتة تشير إلى أن جميع الموجودات تصدر عنها أصوات هي عبارة عن «نغم موسيقي» يملأ العالم، لكننا لا ندرك هذا النغم بأسماعنا لسبب بسيط، هو أن السمع لا يدرك النغم إلا عندما يسبقه أو يتبعه سكون، وهذا النغم الموجود في العالم هو نغم مستمر، وما من إنسان على هذه الأرض قد أدرك السكون السابق على هذا النغم.
وكان فيثاغورس من أوائل من قرروا أن الأرض مستديرة، وكذلك الكون، ومن المعتقدات الرئيسية لديه المبدأ المعروف ب «تناسخ الأرواح»، والذي يعني أن روح الإنسان تنتقل عند موته إلى جسم آخر، قد يكون بشرياً أو حيوانياً. وكان يرى حياة التقشف عنواناً للحياة النقية، التي يمكن للروح من خلالها أن تتحرر من الجسد وتفوز بالخلود.

نظرية فيثاغورس

نالت نظرية فيثاغورس الرياضية شهرة واسعة، حتى لا يكاد يعرف إلا بها لدى الكثيرين، وهي تقول التالي:
«في المثلث القائم الزاوية، مربع طول الوتر يساوي مجموع مربعي طولي الضلعين القائمين اللذين يحصران الزاوية القائمة».
وهناك نص النظرية المعكوسة الذي يقول:
«في أي مثلث، إذا كان مربع طول أطول ضلع يساوي مجموع مربعي طولي الضلعين الباقيين، فإن هذا المثلث قائم الزاوية، وتكون الزاوية القائمة هي الزاوية المقابلة لأطول ضلع (الوتر)».
ولنظرية فيثاغورس هذه، التي تعد إحدى أهم النظريات القديمة، تطبيقات كثيرة إلى اليوم في علم الرياضيات، لكن استخداماتها لا تنحصر في علوم الرياضيات التجريدية والهندسة والمثلثات، فهي ذات تطبيقات تمتد إلى علوم الفيزياء والكيمياء، كما أن لها دوراً كبيراً في علوم الفضاء والملاحة البحرية والرسوم البيانية والإنشاءات الهندسية، ما يجعلها نظرية شديدة الأهمية وواسعة الأثر.
ورغم شهرة النظرية ونسبتها إلى فيثاغورس، فإن هناك من يجادل بأن فيثاغورس ليس مبتدع النظرية، وإنما هو صاحب الفضل في إثباتها بشكل تجريبي وتعميمها على جميع المثلثات القائمة ذات الأطوال الصحيحة. ويقول أصحاب هذا الرأي: إن هناك من الوثائق التاريخية ما يشير إلى استخدام مثلثات قائمة بأضلاع أطوالها أعداد صحيحة في العصور الحجرية، كما تأكد استخدامها لدى البابليين، وذلك قبل فيثاغورس بأكثر من ألف عام.
ويذكرون أيضاً أن المصريين القدماء كانوا يستخدمون في أعمال البناء وتقسيم الأراضي حبالاً ذات عقد بأبعاد محددة، تسمح بإنشاء مثلث قائم، يحددون أطوال أضلاعه من خلال المسافات بين هذه العقد، ومن ثم يمكن الاعتماد على نظرية الوتر والضلعين من أجل حساب الأطوال والمسافات المطلوبة.
ومما يذكر بشأن نظرية فيثاغورس أيضاً أنها تعد ذات أكبر عدد في طرق الإثبات، إذ استمر العلماء في ابتكار طرق جديدة وعديدة لإثبات صحتها، ورغم ذلك فإن هناك من العلماء من تحدث عن اكتشاف عيوب في النظرية، وإن لم يتم الإعلان عن ذلك بشكل رسمي. وهذا ما جعل بعض المهتمين يتساءل ما إذا كانت نظرية فيثاغورس الشهيرة يمكن أن تلقى المصير نفسه الذي واجهته قوانين نيوتن في الميكانيكا، والتي أثبت آينشتاين في نظريته النسبية من بعد عدم دقتها.

غرائب

ورد ذكر فيثاغورس في الكتاب الموسوعي «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لمؤلفه ابن أبي أصيبعة، وتالياً بعض من غريب ما ينسب إلى فيثاغورس، كما جاء في هذا الكتاب:
أخذ فيثاغورس الحكمة عن أصحاب سليمان بن داود عليهما السلام بمصر حين دخلوا إليها من بلاد الشام، وكان قد أخذ الهندسة قبلهم عن المصريين، ثم رجع إلى بلاد اليونان وأدخل عندهم علم الهندسة وعلم الطبيعة وعلم الدين.
كان فيثاغورس قد ألزم نفسه عادة موزونة، فلم يكن مرة صحيحًا ومرة سقيماً، ولا كان مرة يسمن ومرة يهزل، وكانت نفسه لطيفة جدًّا، ولم يكن يفرح بإفراط ولا يحزن بإفراط، ولا رآه أحد قط ضاحكًا ولا باكياً.
كان يحافظ على صحة الأصحاء، ويبرئ المسقومي الأبدان، وكان يبرئ النفوس المتألمة، منها بالتكهن، ومنها بالألحان الإلهية التي كان يحيي بها آلام البدن.
رحل فيثاغورس إلى إيطاليا وسار منها إلى قروطونيا ودخلها، فرأى أهلها حسن منظره ومنطقه ونبله، وسعة علمه، وصحة سيرته، مع كثرة يساره وتكامله في جميع خصاله، واجتماع الفضائل كلها فيه، فانقاد له أهل قروطونيا انقياد الطاعة العلمية، فألزمهم عصمة القدماء، وهدى نفوسهم، ووعظهم بالصالحات.
ذكروا أنه صنف مئتين وثمانين كتاباً، وخلف من التلاميذ خلقًا كثيراً، وكان نقش خاتمه «شر لا يدوم خير من خير لا يدوم».

ساموس

هي الجزيرة اليونانية، التي اشتهرت بكونها موطن فيثاغورس، في الصورة بيت بخصائص معمارية حديثة، إلى جانب منزل بطراز معماري قديم، قريبا من الساحة المركزية التي سميت باسم فيثاغورس، وكلاهما محاط بحديقة خلابة وإطلالة على البحر، وهناك فسحة للتأمل في قلب بلدة ساموس، الزوار يستمتعون بمشاهدة تعود بهم آلاف السنين إلى الوراء، حيث التاريخ المزدهر بالعلم والفلسفة والحكمة والأسطورة كذلك.

في بطون الكتب

كثيرة هي الكتب التي تم تأليفها من قبل باحثين ومؤرخين أجانب عن هذه الشخصية العلمية المؤثرة، بينها «حياته والإرث العقلاني الكوني» لكيتي فيرجوسون.
الذي يلقي الضوء على نظرية فيثاغورس في الرياضيات، وتأثيرها في العلوم المختلفة.
هناك أيضا الكتاب المهم بعنوان «الفلسفة والطقوس في العصور القديمة المتأخرة» لألجيس أوزدفينيز، رئيس قسم العلوم الإنسانية في أكاديمية فيلنيوس للفنون الجميلة في كلية كاوناس، ليتوانيا، والكتاب يعيد القارئ إلى الأفلاطونية التي نسيها الغرب منذ فترة طويلة، يبحث مؤلفه في جولة شاقة من البحث العلمي والبصيرة النافذة في موضوع الفلسفة التي كانت طقساً للمعلمين الأفلاطونيين الكبار، وهو يربط بين هذه الفلسفة والحكمة المصرية القديمة التي اعترف بها الأفلاطونيون كمصدر أساسي لهم، كما يستخلص أوجه الشبه بينها وبين «التانترا» الهندية، ويقود القارئ في سياق جديد وواسع، بما يؤكد أن الفلسفة اليونانية لم تكن منعزلة عن غيرها، بل كانت تعيد تفسير الموضوعات الدائمة والمشتركة في الديانات القديمة في الشرق الأدنى وبلاد ما بين النهرين والهند ومصر.وهناك «كاهن الرياضيات والأساطير» لألبيرتو مارتنيز، و«اللغز الرياضي.. الثأر الفيثاغوري» لأرتورو سانغالي، و«الموسيقى والرياضيات.. من فيثاغورس إلى فراكتالس» من تحرير جون فوفيل ووريموند فلود وروبين ولسون.

عن السيرة

يعتقد أن فيثاغورس ولد عام 570 قبل الميلاد، في جزيرة ساموس اليونانية، التي عاش فيها حتى سن الشباب، ثم قرر أن يقوم برحلة طاف فيها إلى بلاد ما بين النهرين، المعروفة الآن بالعراق وسوريا، كما أقام مدة في مصر.استغرقت رحلة فيثاغورس هذه نحو عشرين عاماً، نهل فيها من علوم حضارات ذلك الزمان، وكان أكثر اهتماماً بالرياضيات.
بعد انتهاء رحلته الحافلة، عاد فيثاغورس إلى مسقط رأسه، حيث كانت ساموس تحت حكم بوليكراتس، الحاكم الديكتاتور، الذي يوصف ب «طاغية ساموس». وحين اصطدم فيثاغورس مع بوليكراتس وعارض سياسته، وجد نفسه مضطراً للرحيل مجدداً.

من أقواله

* استراح من لا عقل له

* كن سعيداً كلما كثر حسادك، فهم الشهادة لك على نجاحك

* الحكمة التي يتم تعلمها بعمق لا تنسى أبداً

* إذا اختبرت إنساناً فوجدته لا يصلح أن يكون صديقاً، فاحذر من أن تجعله عدواً

* ليس حراً من لا يستطيع السيطرة على نفسه

* القوة بالقرب من الحاجة

* لا تقل القليل بكلمات كثيرة، بل الكثير بكلمات قليلة

* النية فكرة في طور التكوين

* ما دمتُ موجوداً فلا موت، وإذا جاء الموت فلا وجود لي، فلا داعي إذن للتفكير في أمر ليس لي به شأن وأنا حي

* قوة العقل تكمن في الرصانة، لأنها تُبقي عقلك بعيداً عن تشويش العاطفة

* يبدأ الغضب بالحماقة وينتهي بالندم

* المنطق سرمدي، أما كل شيء آخر ففانٍ

* عندما تصبح القوانين ضرورية للبشر، فهم عندئذ غير صالحين لأن يكونوا أحراراً