المجتمع يقوم بأفراده، يصلح بصلاحهم، فينهض ويستقيم، ويمرض بمرضهم، فينحدر ويتأخر. والفرد لا يصلح حاله إلا بالأخلاق، وهي في غايتها فوق القوانين والأنظمة، بها يساس المجتمع على الطريقة المثلى، والمذهب القويم، مذهب كونفوشيوس العظيم.
لنحو خمسة وعشرين قرناً، ظلت تعاليمه تدرس كفلسفة أخلاقية سياسية، تعلي من شأن الفضيلة، وتؤكد على دور الحاكم القدوة في حسن سياسة المجتمع وترسيخ معاني الشرف والاحترام، بتحقيق الردع من خلال الالتزام الذاتي، بعيداً عن الترهيب بسوط العقوبة.
ولأن التناغم مع الكون يستلزم تناغماً مع النفس أولاً، وانسجاماً داخلياً مطمئناً، كانت الموسيقى والشعر والغناء سلاحاً من أسلحة كونفوشيوس البيضاء، التي عبر بها إلى قلوب الناس وعقولهم من أقصر الطرق وأبلغها أثرا.
اعتبره البعض - لا سيما من الصينيين - نبياً مرسلاً، واتبعوا تعاليمه ديناً وعقيدة، وهو ما بقي في التاريخ الصيني حتى أوائل القرن العشرين، حين وقعت ثورة شعبية حولت البلاد إلى النظام الجمهوري، وفصلت تأثير الكونفوشية عن الدين والسياسة، وحصرت الأمر بالفلسفة والأخلاق والقيم الإنسانية.
إدراكات وضلالات
طلب العلم قيمة كبرى في فكر كونفوشيوس، فلا معنى عنده للقيم بغير تعلم حثيث يوصل المرء إلى إدراك محكم يضع القيم في حدودها الواضحة، ويمنع من الوقوع في الضلالات.
هذه الإدراكات والضلالات الستة أخبر بها كونفوشيوس أحد تلاميذه، فحذره من أن يحب الإنسانية دون تعلم، فيقع في ضلالة الحماقة، كما يوقع طلب الحكمة دون تعلم في ضلالة التسلية، ويؤدي طلب الإخلاص دون تعلم إلى ضلالة التذرع، ويؤدي حب الشجاعة من غير علم بصاحبه إلى التهور، كما ينزلق صاحب العزيمة بغير تعلم في مهوى الفوضى. وأخيراً فإن المعلم الحكيم يحذر من طلب الحق دون تعلم، فضلالة ذلك وخيمة، وهي التعصب.
الكونفوشية
يتجسد الفكر الكونفوشيوسي في مجموعتين أساسيتين من المؤلفات، إلى جانب الشروح والتعليقات والتلخيصات.
تضم المجموعة الأولى ما يسمى بالكتب الخمسة، التي قام كونفوشيوس بنقلها عن كتب الأقدمين وهي: كتاب الأغاني أو الشعر، كتاب التاريخ، كتاب التغييرات الذي يحكي حوادث التاريخ ويدرس سلوك البشر، كتاب الربيع والخريف الذي يؤرخ لنحو 200 سنة سبقت عصره، كتاب الطقوس الدينية القديمة للصين.
أما المجموعة الثانية، التي تسمى بالكتب الأربعة فتضم الكتب التي ألفها كونفوشيوس وأتباعه الذين دونوا أقوال معلمهم، مفسرين ومعلقين. وهذه الكتب الأربعة تقدم فلسفة كونفوشيوس وهي: كتاب الأخلاق والسياسة، كتاب الانسجام المركزي، كتاب المنتجات (المسمى إنجيل كونفوشيوس)، كتاب منسيوس.
ومنسيوس هذا هو تلميذ كونفوشيوس، ومن المحتمل أن يكون هو مؤلف الكتاب الرابع، الذي يحوي بدوره سبعة كتب.
ورغم ما ينشر أحياناً باعتبار كونفوشيوس أحد مؤسسي الديانات، فإنه لا يظهر أنه كان نبياً، أو أنه زعم ذلك في نفسه، إلا أنه كان مداوماً على إقامة الشعائر والطقوس الدينية، وقد كان يعبد الإله الأعظم وآلهة أخرى.
«المدينة الفاضلة» كانت هاجساً سعى كونفوشيوس وراءه، لكنها مدينة واقعية ممكنة التحقق. وفكر كونفوشيوس يقوم على إصلاح حياة البشر في الدنيا، وجعلها تلك الحياة المثالية الفاضلة.
وتبقى الأخلاق هي أساس المبادئ التي تدعو إليها الكونفوشية، بل هي المحور الذي تدور حوله فلسفة كونفوشيوس ومعتقداته. وهو هنا يشدد على الوازع الذاتي الداخلي أساساً للتقويم والانسجام مع المحيط الاجتماعي.
وتتمرأى أخلاق الكونفوشية في مستويات الأفراد والحكام والعلاقات بينهم، وجميعها تدور حول الاحترام والإخلاص وطاعة الأدنى للأعلى (الابن للأب والصغير للكبير والمحكوم للحاكم)، والعطف والتواضع والمودة.
والكونفوشية منهج محافظ، يحترم التقاليد الموروثة، كما يحترم الملكية الفردية في إطار إصلاحي يقوم على علاقة المحبة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع.
ورغم إقرار الطبقية في المجتمع الكونفوشيوسي، فإن انتقال الشخص من طبقة إلى أخرى أمر متاح، بنظام مفتوح، بشرط توافره على الإمكانات والمؤهلات الذاتية اللازمة.
أساطير
تحضر الأسطورة بقوة عند دراسة كونفوشيوس، فالقداسة التي أحيطت بها شخصيته على مر التاريخ الصيني، والحكايات المتداخلة بشأنه، تفرض صعوبة في تحليل الكثير من معالم شخصيته وآثاره الفكرية، حيث يثور الجدل مثلاً في أصالة مؤلفاته، ونسبتها جميعاً إليه، لا سيما أن هناك من يكاد يجعل جميع منجز الفكر الصيني حكراً على كونفوشيوس دون غيره.
وتبعاً لحالة القداسة هذه، فقد أقيمت الهياكل لكونفوشيوس بعد موته، وكان يُعبد فيها، على عادة الصينيين في تقديس أرواح الأجداد من الصالحين وأصحاب التعاليم.
ورغم انطواء عهد توجه الصينيون بالتعبد لكونفوشيوس، مطلع القرن العشرين، فإن التوقير والإجلال والاحترام لإرثه وفكره وفلسفته، حاضرة لدى الصينيين إلى اليوم، وكذلك الحال لدى غيرهم من الشعوب، ممن أجلّوا رسالته الأخلاقية وفلسفته الإنسانية.
بين الشرق والغرب
باستحواذه على الفكر الصيني لمئات القرون، أثار كونفوشيوس انتباه الكثير من الدارسين في الشرق والغرب، الذين اهتموا بفلسفته، وتعمقوا في تحليل مبادئه وتعاليمه المتوارثة عبر الأجيال، والتي طالت جوانب فلسفية ومعرفية وأخلاقية إنسانية الطابع.
وقد أبرزت هذه الدراسات، بشكل خاص، تلك الطبيعة الإنسانية في فلسفة كونفوشيوس، التي نقلتها إلى آفاق تخطت حدود الجغرافيا لتصبح إرثاً إنسانياً عالمياً، لا سيما في جانب الحث على الفضيلة والأخلاق الحميدة، ونبذ التعصب، على اختلاف في التحليل لبعض جوانب الفلسفة الكونفوشية، نعرض له من خلال مثالين لدراستين عربية وغربية.
من بين الدارسين العرب لفلسفة كونفوشيوس صلاح بسيوني رسلان الذي أصدر كتاباً عنوانه «كونفوشيوس رائد الفكر الإنساني»، اعتبر فيه أن كونفوشيوس أقر بخيرية الطبيعة الإنسانية، أي أن الإنسان خير بطبعه.
يوضح رسلان في كتابه هذه المعاني في فكر كونفوشيوس من خلال فكرة أن الاختلاف في سلوك الأفراد وطبائعهم وصفاتهم وأخلاقهم إنما يتحقق بالاكتساب والتربية والممارسة، ذلك أنهم يولدون أصلاً على طبيعة واحدة، قبل أن تتفرق طبائعهم هذه بحكم ما يتعرض له كل من منهم من تجارب وخبرات ويكتسبه من عادات وأفكار، وهو يشير إلى اعتبار كونفوشيوس أن استقامة الإنسان هي أصل سعادته، تأكيداً على ذلك «القانون الأخلاقي الإلهي» الذي تتحقق به هذه السعادة ويتجسد به صلاح الأمة أفراداً وجماعات.
يوكونفوشيوس - وفق ما ذكره رسلان - يرى أن الفضيلة، باعتبارها تجسيداً للإنسانية السليمة، هدف صعب، في حاجة ماسة إلى قدرة غير عادية، يصعب أن يتوافر عليها فرد من الأفراد على نحو كامل، وهو بالتالي يقرر أن الفضيلة إنما تتحقق بالقرب من هذا المستوى من الكمال، أي أن الفرد يكون فاضلاً إذا ما كان أكثر قرباً إلى الفضيلة من غيره.
أما على صعيد الدراسات الغربية التي وقفت على فكر كونفوشيوس وفلسفته الأخلاقية، فهناك البحث الذي أعده الكاتب الأمريكي روبرت واكسمان، ودرس فيه بشكل تحليلي المكونات الأساسية الستة لفكر كونفوشيوس، والرموز الصينية (تشي، زي، لي، يي، وين، رن)، متناولاً طبيعة الصلة التي تربط بين الجانبين. كما يعقد واكسمان مقارنة بين إرث كونفوشيوس وما قدمه فلاسفة آخرون عبر التاريخ من أفلاطون إلى جان جاك روسو وميكافيلي، وغيرهم، إلى جانب دراسة التقارب والتباعد بين فكر كونفوشيوس وأديان ومذاهب أخلاقية أخرى.
يقف واكسمان طويلاً عند فكرتي الخير والشر، ومدى أصالتهما لدى الإنسان، بحسب تحليله لفلسفة كونفوشيوس، فيرى أن كونفوشيوس كان يؤمن بضرورة تعلم الإنسان اختيار الطريق الأخلاقي القويم، واكتساب ذلك بالممارسة، أي أنه ليس مكوناً أصيلاً في طبيعته.
وهنا يوضح واكسمان مفهوم «تشي» لدى كونفوشيوس، حيث يشير إلى القدرات الطبيعية للتعلم، في إطار العلاقة بصفات الإنسان الفطرية.
ويخلص إلى أن «تشي» تمثل نقطة انطلاق نحو تعلم الفضيلة. وهذا التعلم بالتالي هو المقياس أو المعيار في الحكم على الفضيلة، إلى جانب الممارسة الذاتية من قبل الفرد.
التعلم والممارسة هما أيضاً المعززان لمفهوم «زي» الذي يمثل المادة الطبيعية التي يصنع من أجلها الإنسان، بحسب ما يوضحه واكسمان، مشيراً إلى أن هذه الطبيعة ليست سمة فطرية في الإنسان، ما يعني أن «زي» مادة أساسية تسهم في بناء السمات الشخصية، يتولى الفرد تنميتها بالممارسة. من كل ذلك يخلص واكسمان إلى أن فلسفة كونفوشيوس لا ترى أن نوازع الخير والشر فطرية لدى الإنسان، وإنما هو الدافع الذاتي الذي يحدد الشخصية الأخلاقية للفرد.
من حكم كونفوشيوس
* ليست العظمة في ألا تسقط أبداً.. العظمة أن تنهض كلما سقطت
* كي تصبح حكيماً هناك ثلاث طرق: التفكير، وهذه أنبل الطرق، التقليد، وهذه أسهل الطرق، التجربة، وهذه أكثر الطرق مذاقاً.
* خير لك أن تضيء شمعة من أن تلعن الظلام.
* لا تتردد أبداً في أن تسأل من هو دونك.
* من يرتكب خطأ ولا يحاول إصلاحه، فقد ارتكب خطأ آخر.
* العظيم يكون مطمئناً، متحرراً من القلق، بينما ضيق الأفق عادة ما يكون متوتراً.
* اختر وظيفة تحبها، ولن تضطر إلى العمل يوماً واحداً طوال حياتك.
* الغني الذي يكنز التحف تحت الأرض، ليس أفضل من الفقير.
* لكي تتقي حقد الناس، كن قاسياً على نفسك، كريماً معهم.
* الحكم يعني الاستقامة، ومن يجرؤ على الانحراف إذا كان الحاكم مستقيماً؟
* من يرى الصواب ولا يفعله، فهو جبان.
عن السيرة
«كونفوشيوس» لفظ لاتيني لاسم «كونج فوتسو» الذي يعني «الملك الفيلسوف».
ورغم ما يحيط بتفاصيل الحياة الشخصية لكونفوشيوس من غموض، وينسج حوله من أساطير، فإن المعلومات التاريخية تشير إلى أنه كان حاد الذكاء منذ طفولته. كما كان الطفل «كونج» يوصف بأنه دميم الخلقة، بأذنين مسطحتين، وأنف أفطس، وأسنان بارزة.
ولد «كونج» عام 551 ق.م في مدينة «تسو»، إحدى مدن مقاطعة «لو». وهو من أسرة عريقة، كان والده ضابطاً حربياً، وجده واليا.
عرف كونفوشيوس اليتم مبكراً، حين توفي والده وله من العمر ثلاث سنوات، وتزوج قبل أن يبلغ العشرين، وأنجب ولداً وبنتاً، قبل أن يطلق زوجته بعد سنتين فقط. كما مات ابنه شاباً بعد أن أنجب الحفيد الوحيد لكونفوشيوس.
توفي كونفوشيوس سنة 479 ق.م، مخلفاً إرثاً عظيماً، ترسخ في الثقافة الصينية قروناً طويلة، كما له تأثيره في الحضارة الإنسانية إلى اليوم.


