عادي

هنري برجسون.. فيلسوف التجارب اللاشعورية

01:19 صباحا
قراءة 3 دقائق
القاهرة: «الخليج»

نال الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (18591941) اهتمام الكتاب العرب، فقد كتب عنه نجيب محفوظ دراسة مبكرة في الثلاثينيات من القرن الماضي، ضمن مقالاته الفلسفية، وكتب عنه زكريا إبراهيم كتاباً، وترجم له د. محمد محمود قاسم كتاب «التطور الخالق»، وهو من الكتب المهمة التي توضح فلسفة برجسون بشكل عام، وهنا يقدم د. رمضان بسطاويسي لهذا الكتاب بنبذة مختصرة عن أعماله وفلسفته، تجيب عن التساؤل: لماذا اهتم الفكر العربي المعاصر بفلسفة برجسون، وحرص على تقديمها؟
حصل برجسون على جائزة نوبل في الآداب عام 1927، وهو فيلسوف مثالي، كان المفهوم الرئيسي في مثاليته هو «الديمومة الخالصة»، أي اللامادية، وهي أساس وأصل جميع الأشياء، والمادة والزمان والحركة هي أشكال مختلفة فيها نتصور «الديمومة»، ولا يمكن إحراز المعرفة بالديمومة إلا بالحدس مفهوماً على أنه «إدراك» صوفي، أو «معرفة» صوفية فيها يتطابق فعل المعرفة مع الفصل الذي يخلق الواقع.
والحدس كما يعرفه برجسون في «المدخل إلى الميتافيزيقا»، هو ذلك الجهد الذي به ننفذ إلى باطن الموضوع لكي نعرفه من الداخل، أما في «التطور الخالق»، فالحدس هو ضرب من التعاطف العقلي الذي يمتزج فيه العقل بالغريزة، وعلى هذا يكون الحدس عند برجسون عملية ذهنية عسيرة، أقرب إلى «التفكير» منه إلى «العاطفة»، ولذلك فالحدس ليس وليد الغريزة، بل هو وليد التفكير العقلي المتواصل والتأمل الفكري المستمر، ويمتاز الحدس عن العقل والغزيرة بأن الحدس هو التجربة الميتافيزيقية التي فيها تكشف لنا ذواتنا، فندرك «المطلق» في صميم نفوسنا.
ويرى برجسون أن الذاكرة ليست ظاهرة فسيولوجية، بل ظاهرة نفسية تعبر عن صميم حياتنا الشعورية، فيميز نوعين من الذاكرة: الذاكرة العادة والذاكرة المحضة، فالذاكرة العادة مكتسبة بالتكرار، ولها جهاز محرك في الجهاز العصبي، وتلك هي الذاكرة التي تنصب على الفعل، وهي تستعيد الماضي بطريقة آلية بحتة، وهذه الذاكرة هي التي تعيد شعراً، أو نثراً محفوظاً عن ظهر قلب.
أما الذاكرة المحضة، فهي تختزن الماضي كله، وتحيا في ديمومة مستمرة، إنها «الأنا العميق»، ذاكرة النفس، وهي تصور حادثة انطبعت في الذهن دفعة واحدة، واحتفظت بخصائصها وتاريخها، ولأن الجسم «مركز عمل»، وأداة الوصل بين الأشياء المؤثرة فينا، وما نؤثر فيه من أشياء، فليس بوسعه أن يحفظ صوراً، ولا أن يبعث صوراً، لكنه يوفر للصور الوسيلة كي تصير مادية، وتعود إلى الشعور، ففي حالة فقدان الذاكرة ليست الذاكرة هي المعطلة، بل الدماغ، وليس هناك محو للذكريات، بل اضطراب في الأجهزة المحركة.
ويرى بسطاويسي أن فلسفة برجسون تعبير عن اللا عقلانية، فقد وضع مقابل الجدل مذهبه في «التطور الخالق»، القائم على كلية المفاهيم المستمدة من المثالية البيولوجية، فهو يرى أن تطور الحياة يسير في اتجاهات متعددة ومتباينة، لكنها متكاملة، لذلك فهو يفرق بين نوعين أساسيين من الاتجاهات: الأول يفصل عالم النبات عن عالم الحيوان، والثاني يقسم عالم الحيوان إلى نوعين هما: الحيوان غير الناطق والإنسان.
ويرى برجسون في التطور الخالق أن النبات ينزع إلى الجمود والركود، وهو لا يتصف بالوعي أو الشعور عموماً، أما الحيوان فينعم بالحركة والقدرة على التحرك، وتبلغ الغريزة أوجها لدى النمل والنحل، أما العقل فيبلغ أوجه لدى الإنسان، والفارق بين الغريزة والعقل هو فارق في الطبيعة.
يتناول برجسون بعض الأفكار السياسية الرئيسية، فنراه يشيد بالديمقراطية، لأنها بين كل النظم السياسية هي التي تعلو على ظروف المجتمع المغلق، ويرى أن السلام محاولة لتجاوز حالة الطبيعة الموجودة في المجتمع المغلق، إذ الأصل في الحروب هو الملكية، سواء كانت فردية أو جماعية، وهو يشيد بقيام «عصبية الأمم»، لكنه يرى أن منظمة دولية تهدف إلى القضاء على الحروب، يجب أن تعمل للقضاء على الأسباب المؤدية للحروب، تلك الأسباب هي تضخم السكان، وعدم توزيع الثروة توزيعاً عادلاً.
حظي برجسون إبان حياته بشهرة منقطعة النظير، لم تتوافر لأي فيلسوف من قبل، حتى صارت فلسفته واسعة الانتشار ومؤثرة في دوائر مختلفة: دينية وأدبية وفلسفية، وحدث انصراف شبه تام عن فلسفته، ابتداء من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.
تمتع برجسون بأسلوب أهّله لأن يكون من أهم كتاب الفرنسية، ومن أجل هذا الأسلوب منح جائزة نوبل في الآداب، وكان نجيب محفوظ قد أشار إليه بشكل مباشر في رواية «قصر الشوق»، وهو يشرح الأبعاد الفلسفية لأزمة كمال عبد الجواد الفكرية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"