ولد وليم شكسبير في «ستراتفورد ابون أفون»، وارويكشاير، بإنجلترا، وتزوج من «آن هاثاواي» وهو في الثامنة عشرة من العمر، وأنجب منها ثلاثة أطفال، قيل إن أولهم كان ابناً لغيره، وإنه تزوج آن وهي حامل في الشهر الثالث، وقد كانت تكبره بفارق من العمر، كما يذكر المؤرخون أنه هجر عائلته بعد أعوام قليلة.
عمل شكسبير كممثل وكاتب، وانتقل إلى ستراتفورد عام 1613 في عمر التاسعة والأربعين، وتوفي فيها.
ماذا فعل بنا شكسبير حتى جعلنا نتقمص شخصياته بكل هذه الثقة؟ وأي أثر هذا الذي لا يمحى من الذاكرة الإنسانية منذ أربعمئة عام؟ ثم كيف لفرد واحد أن يكون شاعراً ومسرحياً، تأليفاً وتمثيلاً، ومجدداً لغوياً، ومفكراً فيلسوفاً، وعيناً ناقدة على حركة المجتمع والتاريخ؟.
نعم، لقد كثر الجدل، وتعددت الاتهامات، وبسطت الأدلة والحجج بين أطراف النزاع، لكنه رغم كل شيء، ما زال «وليم شكسبير»، في قمة الأسماء استحضاراً لدى استعراض سجل الأدب الإنجليزي، والعالمي.
لغز الاسم
شكسبير Shakespeare هو الاسم المتداول والمعروف لعائلة وليم، لكن المفاجأة أن هذا اللفظ وهذه التهجئة ليسا أمراً مؤكداً!.
المصادر التاريخية أوردت نحو ثمانين صيغة مختلفة لاسم شكسبير، يفاجأ الناظر فيها من شدة الاختلاف بين بعضها نطقاً وكتابة.
المهتمون بهذا الشأن ذكروا مما تم توثيقه من صيغ اسم Shakespeare الألفاظ التالية: Shappere، Shaxberd، Shakspere، Shaksper، Shaxxper، Shaxpur، Shappere، وغير ذلك الكثير.
ومن الطريف أن هناك من يجادل بأن شكسبير من أصل عربي خالص، ويستدلون هنا على أن لفظ شكسبير إنما هو منحوت من (شيخ زبير). ومن القائلين بهذا الرأي نقاد وأكاديميون، ردوا أصل شكسبير تارة إلى البصرة في العراق، وأخرى إلى قرية في سوريا أو لبنان، وغيرهما.
شكسبير في لوحات الرسامين
أصلع، لحية كثيفة، وقرط ذهبي في إحدى الأذنين!.. هذه بعض الملامح التي يبدو بها شكسبير من خلال ما رسم له من لوحات خلال حياته، إلاّ أن الجزم بصحتها غير ممكن، لأنه من غير المعروف إلى أي حد من الدقة التزم هؤلاء الرسامون بتصوير شكل شكسبير الحقيقي، كما لا يمكن الجزم بأن شكسبير كان أصلاً قد وقف أمام هذا الرسام أو ذاك عند إنجاز لوحته.
ورغم ذلك، فإن الشكل العام الذي يبدو به متوافق مع عصره، بما في ذلك الحلق الذهبي في الأذن، الذي كان من أشكال الزينة التي عرفها الرجال في ذلك العصر.
لغز السنوات 1585 - 1592
انطلاقاً من مكانة شكسبير الأدبية، كان طبيعياً أن تحظى سيرته بالكثير من البحث والدراسة العلمية التاريخية عبر القرون، حتى لم يترك الدارسون شيئاً من التفاصيل التي يمكن التوصل إليها عبر البحث والتحري، لكن الغريب أن كل ذلك الجهد البحثي من قبل المؤرخين وكتاب التراجم كان يقف دائماً أمام هذه المدة الزمنية في عمر شكسبير من العام 1585 إلى العام 1592.
أين قضى شكسبير هذه المدة؟ ولماذا اختفى هكذا عن ذاكرة التاريخ؟ وكيف لم يهتد أحد إلى هذه التفاصيل رغم تأكيد الدارسين أن شهرة شكسبير كانت قد ترسخت خلال هذه السنوات، وربما قبلها؟
لقد عجز الدارسون عن أن يقدموا ما هو أكثر من التخمينات حول حياة شكسبير في هذه الأعوام، مثل القول إنه ربما عمل معلماً في مدرسة ما خلال هذه المدة، أو أنه قضاها مسافراً مع فرقة مسرحية، فضلاً عن تلك الرواية التي تتحدث عن تورطه في سرقة غزال من منزل أحد رجال الشرطة واضطراره بالتالي إلى الهرب والاختفاء مدة من الزمن!.
المجدد اللغوي
ظهر تأثير وليم شكسبير جلياً في اللغة الإنجليزية، وعلى نحو باهر، ويعتقد أنه أكثر من أثر في اللغة على امتداد تاريخها، ومن ذلك أن نصوص مسرحياته الشهيرة قدمت عدداً من التعبيرات اللغوية التي وجدت طريقها إلى مخزون اللغة الإنجليزية، لتصبح من بعد جزءاً منها، بل إنه قدم للغة كلمات جديدة بالكلية، فضلاً عن دوره في «الترويج» لتعبيرات لغوية أخرى ربما كانت ستطوى في غياهب التاريخ لولا أن أتت مسرحياته على ذكرها، وأن وظفها في سياق نصه الأدبي الراقي.
ومما يذكر هنا أيضاً أن الأسماء الشائعة التالية: «جيسيكا، أوليفيا، كورديليا، ميراندا»، هي جميعاً اختراع شكسبيري خالص، إذ لم تكن هذه الأسماء معروفة أو متداولة قبل أن تتسمى بها بعض الشخصيات في مسرحياته.
إرث شكسبير
«لو خيرونا بين التخلي عن كل مستعمراتنا، وبين مؤلفات شكسبير، لاحتفظنا بما تركه شكسبير».. مقولة لرئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل.
مات شكسبير عام 1616 بعد أن عاش 52 عاماً، ألف فيها الكثير من الأعمال الأدبية، وصلنا منها ثمان وثلاثون مسرحية، ومئة وأربع وخمسون «سوناتا»، إضافة إلى قصيدتين روائيتين طويلتين.
والسوناتات مقاطع شعرية اشتهر بها وليم شكسبير، وكتبها في مواضيع مختلفة من الحب إلى السياسة، ويستعار لها أحياناً مصطلح الموشحات.
أما مسرحياته فقد ترجمت إلى معظم اللغات المعروفة، ووجدت أعماله طريقها إلى المسارح وشاشات السينما والتلفزيون مرات ومرات، وعرفت قراءات نقدية وفلسفية، بما قل أن تشهد مثله أعمال أديب آخر.
وقد قسمت مسرحيات شكسبير إلى: أعمال تراجيدية (مثل: روميو وجولييت، ماكبث، الملك لير، هاملت، عطيل، يوليوس قيصر، أنطونيو وكليوباترا)، وكوميدية (مثل: حلم ليلة صيف، الأمور بخواتمها، تاجر البندقية، جعجعة بلا طحن، ترويض النمرة، كوميديا الأخطاء، العاصفة)، وتاريخية (مثل: الملك جون، ريتشارد الثاني، هنري الرابع).
ويذكر الدارسون مما لم يصل إلينا من أعمال شكسبير: إدوارد الثالث، سير توماس مور، كاردينيو، الحب مجهود رابح.
تعويذة النص الأخير
من غريب أمر شكسبير أنه استمر في التأليف حتى أيامه الأخيرة، بل إنه كتب مقطعاً شعرياً بعد أن أدرك أن منيته قد حانت، حين تدهورت صحته سريعاً بعد أن سقط متأثراً بالشرب في إحدى الليالي، فيما قيل إنه مات بعد أن عانى من «حُمّى تيفية».
وقد كان لهذه الكلمات غاية مهمة، إذ أراد شكسبير أن يحمي بها قبره من النبش والنهب، كما كان شائعاً في تلك العصور، ويبدو أن ما كتبه شكسبير ونقش على شاهد قبره قد أتى بالنتيجة المرجوة!..
«مبارك هو من يحفظ لي حجارة قبري، ملعون هو من يعبث بعظامي».
على الهامش
- رغم كونه أيقونة في اللغة والأدب، فإن من المرجح أن أبناء وليم شكسبير ووالديه كذلك كانوا جميعاً أميين لا يقرؤون ولا يكتبون.
- يوجين شيفلين عالم طيور أمريكي، قرر إحضار مجموعة من كل ما ذكره شكسبير في أعماله من أنواع الطيور وأطلقها في مدينة نيويورك، وكان طائر الزرزور أكثرها قدرة على التكيف، فتكاثر بسرعة حتى أصبح هناك نحو مئتي مليون طائر زرزور تعيش في قارة أمريكا الشمالية، بفضل شكسبير!
- وقف بعض الدارسين بكثير من الشك أمام سيرة شكسبير، متسائلين كيف تمكن رجل من عامة الناس من أن يصل إلى هذه المكانة الأدبية والاجتماعية الراقية، وأن يملأ أعماله بتلك الثقافة المعرفية والفلسفية الرفيعة، كل ذلك في مجتمع طبقي كان بالكاد يتيح لأمثاله فرصة تعلم القراءة!
- الفترة بين عامي 1589 و1613 شهدت ولادة معظم أعمال شكسبير، وكان موضوعا الكوميديا والتاريخ، محوري أعماله المسرحية الأولى.
- تأخر اهتمام الدارسين بسيرة شكسبير نحو نصف قرن، ولعل ذلك من الأسباب التي تفسر غموض الكثير من تفاصيل حياته.
مسرح جلوب
هو مسرح شهير في لندن، أنشئ 1599، وهو المسرح الذي كان يحتفي دائماً بالعروض الأولى لمعظم أعمال شكسبير، أحرق في عام 1613، وبني من جديد عام 1614، وقد هدمه البيوريتان عام 1644، عندما أغلقت المسارح في بريطانيا، وقد أعيد تجديده عام 1997 على بعد نحو 230 متراً من موقعه الأصلي تحت اسم «جلوب ثييتر».
رسالة ريتشارد كويني إلى شكسبير
في أكتوبر عام 1598 عثر من بين آلاف الرسائل على واحدة بقلم ريتشارد كويني، موجهة إلى شكسبير، يطلب فيها مساعدته في الحصول على قرض بقيمة 30 جنيهاً استرلينياً، كان كويني الذي ارتبط بعلاقة قديمة مع شكسبير، كما كان أبواهما على علاقة وثيقة، قد سافر من ستراتفورد إلى لندن، والرسالة تطلب مساعدة شكسبير في الحصول على القرض، لتسوية الأزمة المالية التي كان كويني يعيشها في ذلك الوقت، كما تشير إلى شكسبير بوصفها كان جديراً بما يكفي كضامن مالي ويتمتع بسمعة طيبة تؤهله لكفالة صديقه.
أصبحت الرسالة جزءاً من أرشيف الذاكرة المتعلق بشكسبير، ويذكر أنه قد تم العثور عليها في خريف 1793 وطبعت في العام 1821 أي بعد نحو 30 عاماً من اكتشافها، حيث يذكر المؤرخون أنها الرسالة الوحيدة المتبقية من سلسلة الرسائل المتبادلة بين شكسبير وغيره من الأفراد.