يعدّ اتحاد الإمارات الذي أرسى قواعده المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، أول فيدرالية عربية حديثة تواكب العالمية، ويعدّ تاريخاً مشرقاً سطرت صفحاته إنجازات الوطن.
ولا شك في أن الاتحاد يشكل الركيزة الأساسية لمسيرة النهضة والتنمية المستدامة التي تشهدها الدولة في المجالات كافة، إذ بات إرث أجيال الحاضر والمستقبل، وجسد في مضمونه عادات وتقاليد وتراث الماضي التي تحاكي الحاضر بتحولاته كافة، وتسابقت مع المستقبل، لتجابه تحدياته في مختلف الاتجاهات.
ويأخذنا «قيام الاتحاد» الذي يعدّ إنجازاً تاريخياً يتناوله العالم حتى الآن، إلى إنجازات الشيخ زايد، ودوره الفاعل في بناء الصرح الإماراتي، لتظل روحه خالدة في وجدان الوطن، والمواطنين، وقلوب العرب والعالم، لاسيما وأن تاريخه حافل بالبذل والعطاء، إذ نذر نفسه، وكرّس جهوده، وتفانى بإخلاص لخدمة وطنه، وشعبه، وأمته.
وكان صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، خير خلف لخير سلف، إذ سار على نهج الوالد المؤسس، رحمه الله، لتظل مسيرة التنمية والارتقاء بالوطن، وترتقي الدولة إلى مصاف الدول المتقدمة عالمياً، وجعلها وجهة دولية لكثير من المشاريع الحضارية والعلمية، لتشهد الإمارات مسارات التقدم والتنمية في المجالات كافة.
واليوم نقف مع أبرز محطات المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في قيام اتحاد الإمارات، وما آلت إليه الدولة بسبب هذا الإنجاز التاريخي.
صف واحد
في وقت أعلنت الحكومة البريطانية في الثاني من يناير/ كانون الثاني 1968، أنها ستنسحب من المنطقة، وعلى الرغم من أن القرار كان مفاجئاً للحكام، فإنهم أدركوا، وبسرعة، أن عليهم أن يقفوا صفاً واحداً لخدمة شعوبهم؛ لتبدأ الخطوات نحو وضع إطار سياسي جديد للمنطقة، لكن هذه المحاولات كانت تصطدم بتأثيرات الاحتلال البريطاني الذي امتد أكثر من قرنين من الزمان.
كانت الخطوة الأولى والحاسمة على طريق الاتحاد تتمثل في توافق الرؤى بين الشيخ زايد، حاكم أبوظبي آنذاك، والشيخ راشد، حاكم دبي؛ إذ عقدت اتفاقية ثنائية مبدئية بين الحاكمين في فبراير 1968، تدعو إلى إقامة اتحاد بين أبوظبي ودبي.
وفتحت هذه الاتفاقية الباب مشرعاً أمام إقامة اتحاد أوسع وأشمل؛ يمتد إلى بقية الإمارات الأخرى، فدعا الأب المؤسس الشيخ زايد، والشيخ راشد، حكام الإمارات الخمس في الساحل المتصالح، إلى الانضمام لهذا الاتحاد، ولقيت هذه الدعوة تأييداً كبيراً، ووقع حكام الإمارات التسع في 27 فبراير/ شباط 1968، اتفاقية تختص بالتعاون على إقامة اتحاد يجمع بينهم، غير أن هذا الاتفاق كان في أضيق حدوده.
واستمرت النقاشات نحو ثلاث سنوات على مستويات مختلفة، وأخذت تشكل هذه المباحثات الأولوية القصوى لدى الشيخ زايد في الأشهر الستة الأخيرة، التي سبقت انسحاب القوات البريطانية، وتفهم، بأفقه الواسع، الظروف التي دعت البحرين إلى اختيار الاستقلال، وعدم الانضمام إلى الاتحاد، وأصبح ينظر إلى الاتحاد المحدود بين الإمارات السبع على أنه الخيار الواقعي الوحيد.
وما إن عُهد إلى الشيخ زايد بمهمة تشكيل كيان سياسي جديد وقوي في منتصف 1971، حتى اتخذ زمام المبادرة، ودعا الحكام الستة إلى الاجتماع والتباحث في أبوظبي، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال في أحد جوانبها.
وفي 10 يوليو/ تموز 1971، عقد الاجتماع الذي حضره جميع الأعضاء، وكان من الواضح فيه أن معظم الإمارات تفضل ترتيبات تعطيها استقلالية واسعة، ففي 13 يوليو/ تموز 1971، وبعد مناقشات غير مثمرة طرح الشيخ زايد، وبشكل مباشر، مسألة الاتحاد، ما دعا حكام الإمارات الست الأخرى إلى أن يتخذوا قراراً واضحاً؛ وأبدوا رغبتهم في الاتحاد، وفي 18 يوليو/ تموز 1971، توصلوا إلى اتفاق، ووقّعوا اتفاقاً مشتركاً، كما اتفقوا على دستور مؤقت يركز بشكل أساسي على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للاتحاد.
دار الاتحاد
وفي الثاني من ديسمبر/ كانون الأول عام 1971، عقد اجتماع في قصر الجميرا في دبي، وأصبح يسمى «دار الاتحاد»؛ حيث أعلن رسمياً، عن تأسيس دولة مستقلة ذات سيادة هي دولة الإمارات العربية المتحدة، تتكون من: «أبوظبي، ودبي، والشارقة وعجمان، وأم القيوين والفجيرة». كما رفع للمرة الأولى علم الدولة الجديد بألوانه: الأحمر والأخضر والأسود والأبيض، مع العلم أن إمارة رأس الخيمة تأخرت في الانضمام إلى الاتحاد، حيث انضمت في 10 فبراير/ شباط 1972 إلى بقية الإمارات؛ ليكتمل عقد الاتحاد بين الإمارات السبع.
عُرفت الدولة الحديثة باسم دولة الإمارات العربية المتحدة، واتفقوا على وضع دستور مؤقت، انطلاقاً من التسمية المعدلة للدستور السابق، لإمارات الخليج السبع، كما حددت المصلحة العامة للدولة، وهي الهدف الأعلى لها، وقد حدد الدستور خمس سلطات للدولة الاتحادية، تتمثل في «المجلس الأعلى للاتحاد» ويتكون من الحكام السبعة، وهو أعلى المؤسسات في الدولة، وله القوة الشرعية والتنفيذية، و«رئيس الدولة ونائبه»، و«مجلس الوزراء»، و«المجلس الوطني الاتحادي»، وهو مجلس استشاري، و«السلطة التشريعية أو القضائية» التي تتكون من عدد من المحاكم، على رأسها المحكمة الاتحادية.
الدستور المؤقت
انتخب المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد، حاكم أبوظبي، أول رئيس للدولة، وحاكم دبي الشيخ راشد بن سعيد، نائباً للرئيس. وفي عام 1995، وافق المجلس الأعلى للاتحاد على نص معدل؛ لجعل الدستور المؤقت دستوراً دائماً لدولة الإمارات، وأصبحت أبوظبي عاصمة للدولة.
ويكمن نجاح النظام السياسي في دولة الإمارات، في أنّها تمثّل مزيجاً فريداً من القديم والحديث، مع التزام فطري بالإجماع والمناقشة والديمقراطية المباشرة، وكانت تضحيات ومنجزات الآباء أسهمت في بروز الدولة الحديثة.
وكانت حماية سيادة البلاد واستقلال مواطنيها ضمن الهيكل الأوسع لأمن الخليج حجر الزاوية التي ترتكز عليها سياسة الإمارات الخارجية، وهنا نركز على دَور المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد، مؤسس الدولة، وباني نهضتها، وبصورة خاصة منزلته على الصعيد الدولي التي واكبت وضع الدولة في الساحة العالمية؛ فقد برز وسيطاً مصلحاً في الأحداث في دول مجلس التعاون الخليجي، وأقطار العالم العربي، والدول النامية.