يمثل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، شخصية استثنائية بكافة الأعراف والمقاييس؛ فقد كان قائداً وأباً وصاحب رؤية أثمرت تأسيس دولة الإمارات وترسيخ مكانتها في المنطقة والعالم.
عمد منذ توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في 6 أغسطس 1966 إلى قيادة مسيرة وطننا الحبيب، وإرساء دعائم الاتحاد معلناً نهج الوحدة وتكريس العطاء كقيم محورية في العمل الوطني والقومي.
لمس أهمية الإنسان ودوره في دعم مسيرة التنمية، فأولى اهتماماً كبيراً بالتعليم والثقافة، ورأى أنهما ثروة حقيقية تعمل على بناء المستقبل على أسس علمية.
ترك لنا الشيخ زايد إرثاً عظيماً ومسؤوليات كبيرة في متابعة المسيرة التي بدأها، والتي جعلت دولة الإمارات العربية المتحدة تتبوأ مكانة مرموقة على مستوى المنطقة والعالم.
19 رمضان 1425ه، الموافق 2/11/ 2004 م تاريخ لا يُنسى، فقدت دولة الإمارات العربية المتحدة فيه قائدها وباني اتحادها بعد مسيرة عطاء طويلة استمرت قرابة أربعة عقود، وحزن عليه الصغير والكبير. وكان الخبر صادماً لكل أبناء الإمارات.
ونعت الدول العربية والأجنبية الشيخ زايد، وحزنت لفقده كثير من شعوب العالم، وأصدر رؤساء الحكومات رسائل رثاء مليئة بعبارات الأسى لشخص يكنّ له كل العالم التقدير والاحترام، واعتبر كثيرون رحيله خسارة كبيرة نظراً لإنجازاته التي لا يمكن حصرها.
كان عزاء أهل الإمارات في أبناء زايد الذين تعلّموا وترعرعوا بالقرب من والدهم الذي يعتبر أعظم مدرسة في القيادة والحكم العادل؛ فكان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله خيرَ خَلَفٍ لخير سَلَفٍ، تولّى الحكم بعد والده بموافقة ومباركة من جميع شيوخ الإمارات والشعب كافة.
ولادة قائد
ولد الشيخ زايد في أبوظبي عام 1918 والده الشيخ سلطان بن زايد كان حاكماً لإمارة أبوظبي من (1922-1926م)، وكان الشيخ زايد الابن الأصغر من بين أربعة أشقاء، وسُمِّي باسم جدِّه زايد بن خليفة المعروف ب «زايد الأول» الذي حكم الإمارة من (1885-1909م).
أظهر شغفاً متزايداً بكل ما يمتّ إلى العربي الأصيل، كالصيد بالصقور، وركوب الهجن العربية الأصيلة والخيل، وإتقان الرماية، وتشكَّلت شخصيته في فجر شبابه عندما كان في مدينة العين، واستمد الكثير من صفائها ورحابتها، واكتسب صفات الزعامة والقيادة السياسية التي اتسمت بها شخصيته الفذة.
عُين الشيخ زايد عام 1946 ممثلاً لشقيقه الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي في المنطقة الشرقية، وامتدت فترة ولايته فيها عشرين عاماً. واشتهر بشخصيته القيادية بين سكان المنطقة، وحظي بسمعة طيبة، وكان نموذجاً يُحتذى في إدارة الحكم.
وتمثَّلت مبادئ القيادة لديه في بناء الروابط القوية بينه وبين أفراد شعبه، والمحافظة على تلك الروابط. وكان يحرص على الإشراف بنفسه على تنفيذ الإصلاحات، وكان مجلسه مفتوحاً للجميع.
كان الشيخ زايد يتخذ قراراته بموافقة القبائل المختلفة وإجماعها، ويسافر إلى جميع المناطق القريبة والنائية؛ للاطمئنان على الناس، وتفقد أحوالهم، والسؤال عن حاجاتهم، ومشاورتهم، والاستماع إليهم قبل اتخاذ أي قرار، حتى ذاع صيته، وحظي بحب الشعب واحترامه، وكأنه فرد منه.
رب أسرة كبيرة
سجّل ولفرد ثيسيجر الرحالة البريطاني الشهير الذي قطع صحراء الربع الخالي ووثّق رحلته الشهيرة تلك في كتابه «الرمال العربية» بعض الانطباعات في كتابه عن لقائه الشيخ زايد فقال: «إن زايد رجل قوي البنية، لحيته بنية اللون، ووجهه ينمُّ عن ذكاء حادّ، وعيناه ثاقبتان قويتا الملاحظة، وهو يتميز بسلوك هادئ وشخصية قوية»، ويضيف: «لقد كنت متشوقاً للقاء زايد؛ فله شهرة واسعة في أوساط البدو الذين أحبوه لسلاسة أسلوبه غير الرسمي في معاملته لهم، ولعلاقاته الودية معهم، واحترموا فيه نفاذ شخصيته وذكاءه وقوته البدنية، وكانوا يعبرون عن إعجابهم به فيقولون: زايد بدوي مثلنا؛ فهو يعرف الكثير عن الهجن، ويركبها مثلنا، وهو ماهر في الرماية، ويجيد القتال».
وصف الرحالة أسلوب زايد في إدارة دقة الحكم فقال: «زايد رب أسرة كبيرة، يجلس دائماً للإنصات لمشاكل الناس ويحلها؛ فيخرج المتخاصمون من عنده بهدوء، وكلهم رضى عن أحكامه التي تتميز بالذكاء والحكمة والعدل».
قدراته السياسية فائقة
وكتب الممثل السياسي البريطاني في أبوظبي العقيد هيو بوستيد بعد زيارة له إلى العين: «تدهشني الجموع التي تحتشد دوماً حوله وتحيطه باحترام واهتمام»، كان لطيف الكلام دائماً مع الجميع، وكان سخيًّا جدًّا بماله، ودهشت على الفور من كل ما عمله في بلدته العين وفي المنطقة لمنفعة الشعب؛ فقد شق الأفلاج لزيادة المياه لري البساتين، وحفر الآبار، وشيد الحمامات الحديثة في الأفلاج. إن من يزور العين يلاحظ سعادة أهل المنطقة.
زار الباحث البريطاني كلارنس مان المنطقة الشرقية، وحضر مجالس الشيخ زايد، وألف كتاباً عن إمارة أبوظبي بعنوان «أبوظبي: ولادة مشيخة نفطية»، تنبأ فيه عام ١٩٦٤ بأن يكون الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هو الحاكم القادم للإمارة؛ إذ قال: «إن الشيخ زايد بن سلطان هو الرجل القوي في منطقة العين وضواحيها، ومن هنا امتد نفوذه إلى بقاع الظفرة، وهو يلقى احترام رجال البدو، وقد كرَّس المال القليل الذي توفّر لديه للقيام بإصلاحات في منطقة العين ويرجع إليه فضل بسط نفوذ أبوظبي على البادية، فضلاً عن عدالته، وروحه الإصلاحية، وقدراته السياسية الفائقة، بأن يكون رجل البلاد المنتظر في إمارة أبوظبي».
عصر النفط
مع اكتشاف النفط في إمارة أبوظبي في أواخر خمسينات القرن العشرين بدأ عصر جديد من التطور في منطقة الخليج العربي قلَبَ المشهد الاقتصادي برمته، وعندما صَدَّرت أبوظبي أول شحنة نفط عام 1962 باتت الأمور جليّة والتحديات واضحة للمرحلة الجديدة من تاريخ أبوظبي على جميع الصُّعُد: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. وكانت السياسية أبرزها، إذ كان البلد في أمسِّ الحاجة إلى رؤية جديدة للحكم لتتصدى لتلك التحديات، والتخطيط الناجح للاستغلال الأمثل لعوائد النفط، فجاء اختيار عائلة آل نهيان للشيخ زايد ليكون حاكماً لإمارة أبوظبي في 6 أغسطس 1966 مواكباً تلك المرحلة الجديدة من تاريخ أبوظبي.
بدأ الشيخ زايد بتحقيق إصلاحات واسعة في البلاد، فشرع يطور التعليم والصحة، ويخطط لتطوير المدن وقضايا الإسكان لأفراد الشعب، ووضع برنامجاً ضخماً لعملية الإنماء، وبدأ يدفع أبناء شعبه إلى المشاركة بكل طاقاتهم في هذه العملية، ودعا الكفاءات الأجنبية لدعم هذه المسيرة بالخبرات. ولم تمضِ أيام على تسلمه مقاليد الحكم حتى أعلن إقامة حكومة رسمية حديثة بالإدارات والدوائر، وأوكل إليها المهام اللازمة لتسيير أمور الدولة.
أبوظبي ورشة عمل
كان من ضمن أولوياته: شقّ الطرقات، وبناء جسر يربط جزيرة أبوظبي باليابسة، وإقامة المدارس والمساكن والخدمات الطبية، وإنشاء ميناء ومطار. وتغير وجه أبوظبي فغدت ورشة عمل في كل اتجاه، وأصبح صوت الآلات في كل حدب وصوب، وانتقل آلاف السكان من سكن «العشيش» إلى المنازل الحديثة، وامتدت الطرق الحديثة فوق رمال الصحراء، ودخلت المياه العذبة والكهرباء إلى كل بيت، وانتقل التعليم من نظام «المطاوعة» إلى النظام الحديث في التعليم، وانتشرت المدارس على اختلاف مراحلها في كل بقعة من البلاد، وفتحت عشرات الفصول الجديدة لنظام محو أمية لمن فاتهم قطار التعليم، وبدأت العيادات تقديم خدماتها الطبية للبدو في الصحراء بعد أن حرموا الرعاية الصحية طويلاً، ونجحت المسيرة في تعويض قرون من التخلف والجمود.
عندما أعلنت بريطانيا عام 1968 نيتها سحب قواعدها من شرق السويس، أصبح لزاماً على الإمارات أن تخطو خطوة تغير بها وجه التاريخ بالمنطقة، لاسيما أن منطقة الخليج العربي تُعَدّ لقمة سائغة للطامعين. قام الشيخ زايد مع أخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي آنذاك ببادرة كان لها عظيم الأثر في ما جاء بعدها من أحداث؛ فكانت اتفاقية السميح التي وقّعا عليها في ال 18 من فبراير عام 1968، التي فتحت الباب لخطوات كبيرة تلتها؛ فَجَرتْ مباحثات الاتحاد التساعي بين الإمارات السبع وبين شقيقتيها: البحرين، وقطر، وآلت الأمور في النهاية إلى قيام اتحاد الإمارات باسم «دولة الإمارات العربية المتحدة» بعد أن أعلنت البحرين وقطر استقلالهما.
اتحاد الإمارات
قام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971، وانتخب الشيخ زايد بإجماع حكام الإمارات أول رئيس للدولة الفتية لمدة خمس سنوات، وجَدَّد المجلس الأعلى ثقته فيه بانتخابه عدة مرات، فكان هو الرئيس، وهو الباني، وهو الوالد الحاني على أبناء أمته، وانتخب المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائباً له.
أخذ الشيخ زايد يتابع شؤون دولته الوليدة الآخذة في النمو، ووزّع عوائد الثروة النفطية على جميع القطاعات بالدولة، لاسيما التي كانت بحاجة إلى التطوير. واهتم بالاقتصاد والتعليم، والتراث والثقافة، وحافظ على سمعة دولته بين أخواتها العربيات وبين دول العالم بفضل نظرته المستقبلية وأفقه الواسع، بل زادت سمعة الدولة بفضل الأمن والاستقرار اللذين حظيت بهما.
واتفق حكام الإمارات أعضاء المجلس الأعلى على وضع دستور اتحادي مؤقت من أجل حكم فعّال ونظام تُحدّد فيه سلطات المؤسسات الاتحادية في دولة تأخذ بأساليب الإدارة الحديثة، وتسعى في الوقت نفسه إلى المحافظة على الشكل التقليدي الذي يتصف بصفة الديمقراطية المباشرة.
تأسيس مجلس التعاون
طالما تمثّلت رؤية الشيخ زايد في توحيد جميع دول الخليج، التي تجمعها عوامل مشتركة كالتاريخ والعادات، والتقاليد والاقتصاد، والتقارب الأسري الذي يجمع بين شعوب المنطقة؛ إذ كانت لديه - رحمه الله - قناعة عميقة بفوائد الاتحاد الجمة للإمارات السبع، وجميع دول الخليج أيضاً، وأسفرت رؤيته ورؤية إخوانه في دول الخليج العربية الست عن تكوين تجمع إقليمي وسياسي رسمي؛ إذ وقّع رؤساء هذه الدول (البحرين والكويت، وعُمان وقطر، والسعودية والإمارات) وثيقة تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتاريخ 25 مايو1981 في قمتهم الأولى بأبوظبي.
أدرك الشيخ زايد أن النفط مصدر محدود وناضب؛ فغدت لديه رؤية واضحة في تطوير القطاع الصناعي بدولة الإمارات، وتركّز اهتمامه في تطوير قطاع التصنيع، الذي شهد نهضة كبيرة في عهده، لاسيما في سبعينيات القرن الماضي.
كان من أهم أولويات الشيخ زايد تطوير البنية التحتية للدولة؛ فأدرك منذ بدايات سني حكمه أهمية إنشاء الطرق الحديثة، ومدّ خطوط الهاتف، وتأسيس إعلام وطني لربط جميع الإمارات السبع، وبالفعل أثبتت الأيام بعد نظرته وسعة أفقه، فكانت الطرق الجديدة، والمطارات الدولية، والموانئ البحرية، وشبكات الخطوط الهاتفية المتطورة التي أبرزت دولة الإمارات ودورها المهم في العالم الصناعي الحديث، واحتلالها مكانة مرموقة بين أكثر دول العالم الصناعية تقدماً.