إعداد: محمد ياسين
إيماناً منه بأهمية القوات المسلحة وضرورة توحيدها لصيانة مكتسبات الاتحاد، وتعزيز بنيانه، أوعز المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، بالإسراع ببناء قوة عسكرية اتحادية، وتزويدها بأحدث الأسلحة والعتاد ومن مصادر مختلفة.
في يوم السادس من مايو 1976، عقد مجلس الدفاع الأعلى لدولة الإمارات العربية المتحدة اجتماعاً برئاسة الشيخ زايد، بحضور أخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمهما الله، حيث أسفر الاجتماع عن الموافقة على دمج القوات المسلحة للإمارات، تحت قيادة مركزية واحدة وعلم واحد.
وفي ذلك اليوم وبعد إعلان دمج القوات المسلحة قال الشيخ زايد إن هذه الخطوة تعطي القوات المسلحة بالإمارات دفعة جديدة، في سبل وحدتها ومنعتها، كما أن عملية دمج القوات تعطي لدولة الإمارات ثقلاً كانت تفتقر إليه.
بعد الاتفاق على هذه الخطوة، باشر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، بصفته نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في ذلك الحين، بإجراءات توحيد التدريب، والتنظيم والتجهيز، والقيادة.

الاستقرار الإقليمي والعالمي

ولم يبخل الشيخ زايد على القوات المسلحة بمختلف الإمكانات والطاقات، وتزويدها بأحدث المعدات، حيث زودت القوات المسلحة بعدد من أقوى أنظمة التسلح وأكثرها تطوراً تم شراؤها من دول مختلفة، فيما تم تأهيل وابتعاث عدد كبير من أبناء الدولة للدراسة في أكاديميات عالمية وجامعات عسكرية متميزة من دول عدة بأنحاء العالم.
وشكل توحيد القوات المسلحة سياجاً وطنياً منيعاً لحماية مكتسبات الدولة ومقدساتها وتعزيز الأمن والاستقرار في ربوعها.. إضافة إلى تحقيق رسالة الإمارات ودورها في دعم وترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي.
ووسط المناخ الديمقراطي الذي أشاعه زايد فإن سعيه الحثيث وجهوده لم تتوقف لحظة منذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة لبناء جيش وطني قوي ومتعدد المهام، تحسباً لأي طارئ، وليكون هذا الجيش سنداً للأمة العربية.
إنشاء كلية عسكرية

لعل من أبرز المراسيم التي أصدرها الشيخ زايد خلال عملية بناء قوة دفاع أبوظبي المرسوم الذي صدر في عام 1969م، بتعيين سمو ولي العهد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيساً لدائرة الدفاع التي أصبحت فيما بعد وزارة للدفاع في أبوظبي، والحق أن سمو ولي العهد في حينه كان حريصاً على تنفيذ توجيهات الوالد القائد الأعلى لقوة دفاع أبوظبي، فعمل على توفير العناصر القيادية القادرة على تحمل مسؤوليتها لتكوين الجيش، وخلق كوادر عسكرية من أبناء البلاد، تتولى أعباء الرسالة التي يقوم بها الجيش.
وأشرف على إنشاء كلية زايد بن سلطان الثاني العسكرية في مدينة العين، لقبول أبناء الإمارات، وتخريج الضباط المؤهلين للعمل في صفوف الجيش، وهي تدار طبقاً لأحدث النظم التي تدار بها أكبر الكليات العسكرية في العالم.
وقال الشيخ زايد عن توحيد القوات المسلحة «إن الحق والقوة هما جناحا طائر واحد، فلا القوة وحدها يكتب لها الحياة، ولا الحق وحده دون القوة يكتب له البقاء، إننا دولة تسعى إلى السلام، وتحترم حق الجوار، وترعى الصديق، لكن حاجتنا إلى الجيش القوي القادر الذي يحمي البلاد تبقى قائمة ومستقرة، ونحن نبني الجيش لا عن رغبة في غزو أو قتال دولة أخرى، وليس استعداداً للتحرك في الوقت المناسب بهدف التوسع وإنما نهدف إلى الدفاع عن أنفسنا، فلم يكن العدوان يوماً من طبيعة الإنسان على أرض الإمارات، خاصةً وأننا محاطون بأشقاء تجري في عروقهم نفس الدماء، ويحملون نفس الآمال، ويواجهون نفس التحديات».
وحظيت القوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة بعد رحيل المؤسس الشيخ زايد طيب الله ثراه بمتابعة ودعم من القيادة الرشيدة للدولة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
مراحل التأسيس

بدأت المرحلة الأولى من تأسيس القوات المسلحة الإماراتية بقيام قوة ساحل الإمارات المتصالحة في 11 مايو عام 1951 وأطلق عليها «قوة ساحل عمان» والتي أصبحت تعرف بعد ذلك ب «كشافة الإمارات المتصالحة» وكانت القوة تتكون من خمس سرايا مشاة وسرية إسناد وسرية لاسلكي وسرية تدريب وسرية المشاغل والسرية الطبية والموسيقى العسكرية ومدرسة تعليم الصغار.
وتمركزت قيادة القوة في بداية تأسيسها في معسكر القاسمية بإمارة الشارقة ثم انتقلت إلى معسكر المرقاب لاحقاً، واتخذت من منطقة المنامة التابعة لإمارة عجمان مركزاً للتدريب وفي عام 1956 تغير اسم القوة إلى «كشافة ساحل الإمارات المتصالحة».
وبفضل دعم وتوجيهات القائد المؤسس الشيخ زايد اتسم أداء القوات المسلحة بالتضحية والفداء منذ البدايات الأولى. ففي عام 1971 صعدت روح الشهيد سالم بن سهيل بن خميس إلى بارئها ليسجل اسمه في التاريخ كأول شهيد إماراتي وذلك بعدما لقي وجه ربه على يد القوات الغازية عندما هاجمت جزيرة طنب الكبرى في محاولة لاحتلالها، وكان الشهيد في ذلك الوقت جندياً يؤدي واجب الحراسة في مركز شرطة جزيرة طنب الكبرى التي تتبع لإمارة رأس الخيمة.
ومع خطوات الاتحاد الأولى حظيت القوات المسلحة باهتمام خاص من قبل القائد المؤسس رحمه الله وهو يواكب جميع مراحل التطور والتقدم الذي شهدته الإمارات منذ قيامها في الثاني من ديسمبر عام 1971.

السياج الحصين

لقد كان تطور القوات المسلحة تجسيداً للنظرة الثاقبة للقائد المؤسس الشيخ زايد وواصلت التطور والتقدم والارتقاء بدعم ومتابعة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لتكون الذراع القوية والدرع الواقية والسياج الحصين لمسيرة الاتحاد ومكتسبات وإنجازات شعب الإمارات والأجيال القادمة لتحقيق المزيد من التقدم والازدهار.
وإن قرار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الخاص بتوحيد القوات المسلحة أرسى دعائم الاتحاد وعزز من مسيرته وكان بمثابة الأساس المتين الذي يعتمد عليه وكان له الدور الكبير في تطوير هذا الرافد المهم.
وفي يوم مشهود توحدت القوات المسلحة تحت علم واحد وقيادة واحدة وذلك في السادس من مايو عام 1976 فسخر لها المغفور له الشيخ زايد كل الإمكانات اللازمة والطاقات البشرية المطلوبة لتأسيسها وتحديثها وتطويرها على مدى سنوات طوال.
وكان الهدف الأسمى الذي لم تتوان قيادة الدولة عن تحقيقه، تأسيس هذه القوات على قواعد متينة قوية من خلال متابعة كل ما هو جديد من تقنيات وصناعات عسكرية رفعت مستوى القوات المسلحة إلى أعلى المراتب فحرصت القيادة الرشيدة كل الحرص على توفيرها وتسخيرها.

تغير المسميات تاريخياً

في 21 ديسمبر عام 1971 تغير المسمى من «كشافة ساحل الإمارات المتصالحة» إلى «قوة دفاع الاتحاد» التي تشكلت في 27 ديسمبر عام 1971 بقرار من المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأنيطت قيادتها والإشراف عليها لوزير الدفاع.
وفي عام 1974 وبقرار من وزير الدفاع تم تغيير مسمى قوة دفاع الاتحاد إلى «القوات المسلحة الاتحادية» مع تغيير شعار وعلم القوة الجديدة لتواكب التحديث والتطوير في الدولة مع إبقاء الواجبات والمهام والتنظيم ومرتبات القوة البشرية والتسليح والمعدات نفسها وكذلك مواقع التمركز لقيادة القوة والسرايا ومركز التدريب.وبقيت هذه القوات تحت إشراف وزارة الدفاع لدولة الإمارات واستمرت بهذه التسمية حتى عام 1976 وبقرار توحيد القوات المسلحة تم تغيير مسمى وحجم القوات إلى لواء وسمي (لواء اليرموك) وضم إليه قوة حرس الشارقة الوطني والتي كانت بحجم كتيبة مشاة وشكل لواء اليرموك ليضم ثلاث كتائب مشاة وكتيبة مدرعات العقرب وتشكلت سرايا للخدمات الإدارية والطبية والإشارة والصيانة.

الخطوة التاريخية

كان لابد من أن يواكب قيام الاتحاد تطور كمي ونوعي في القوات المسلحة من وحدة صغيرة الحجم إلى قوة تضم كافة تشكيلات القتال والإسناد الناري والإداري لتتناسب مع دورها الجديد، وتطلب ذلك وجود قوات مسلحة موحدة تحت علم واحد وقيادة واحدة ومن هنا جاءت الخطوة التاريخية بقرار من المجلس الأعلى للاتحاد بتوحيد القوات المسلحة الإماراتية في 6 مايو عام 1976.
وبناء على توجيهات الشيخ زايد صدر القرار التاريخي لرئيس المجلس الأعلى للدفاع رقم (1) لعام 1976 في شأن توحيد القوات المسلحة والذي نص على توحيد القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية تحت قيادة مركزية واحدة تسمى (القيادة العامة للقوات المسلحة).
وشمل القرار إنشاء ثلاث مناطق عسكرية هي المنطقة العسكرية الشمالية (القوة المتحركة برأس الخيمة سابقاً) والمنطقة العسكرية الغربية (قوة دفاع أبوظبي سابقاً) والمنطقة العسكرية الوسطى (قوة دفاع دبي سابقاً) وتم توحيد العلم العسكري والشعار والزي العسكري وأعلام القادة على مختلف مناصبهم.
وفي عام 1978 صدر قرار رئيس المجلس الأعلى للدفاع رقم (1) لسنة 1978 في شأن استكمال تنظيم القوات المسلحة بدولة الإمارات حيث تم استكمال وحدة القوات المسلحة وإعادة تنظيمها بدمج القوات البرية والبحرية والجوية دمجاً كاملاً .