عاطف حنفي
وفي الوقت الذي تنظر فيه دول المنطقة: مصر «حقل ظهر»، قبرص «ايفروديت»، «إسرائيل» «ليفياثان»، لبنان في حدودها البحرية، ومعهم تركيا واليونان على أن تلك الثروة هي دعوة للتعاون إلا أن عناصر عدة جغرافية وسياسية وأخرى تتعلق بالبنية التحتية لنقل الغاز وإسالته سوف تضع خطوطها في النهاية على إمكانية دعم تلك الرؤية أو العكس تماماً أو حتى ربما اشتعال الصراع في مياه شرق البحر المتوسط.
الواقع يؤكد أن هناك خلافات قائمة بالفعل قد تتصاعد، لتصبح وقوداً للنزاعات، خاصة في ظل وجود مطالب متضاربة حول ملكية تلك الموارد، وترسيم الحدود البحرية، كما هي الحال بين لبنان و«إسرائيل» أو بين قبرص وتركيا، إضافة إلى العديد من الحقائق، التي تشير إلى امتداد الحدود البحرية لمصر لجبل «إراتوستينس»، الذي يقع شرقي البحر المتوسط بين قبرص ومصر، ويبعد نحو 100 كلم جنوبي قبرص الغربية، و200 كلم شمالي دمياط.
بالأرقام والخرائط، فإن معظم إنتاج مصر (سادس دول العالم في احتياطي الغاز الطبيعي)، يأتي من «حوض دلتا النيل»، المتكون جنوب جبل «إراتوستينس». وكذلك فإن الاكتشافات النفطية والغازية الحديثة على الحدود اللبنانية «الإسرائيلية» تقع شرقي نفس الإقليم الجيولوجي المحيط بجبل «إراتوستينس» البحري. وكذلك اكتشاف الغاز المقابل لقطاع غزة، وعلى الرغم من ذلك، فإن المنطقة تحمل آفاقاً إضافية غير محدودة للمزيد من الاكتشافات.وربما المزيد من الصراعات .. فهل يشعل الغاز الطبيعي نار الخلافات بين دول شرق المتوسط؟
التفاصيل في السطور التالية :
اكتشاف حقل «ظهر المصري» أمام سواحل مصر في البحر المتوسط أدى إلى تغيير شامل في خريطة الغاز ليس فيما يتعلق بحقول غاز «إسرائيل» وقبرص فحسب؛ بل في الجدوى الاقتصادية، وعمليات والإسالة والتصدير، وهو ما قد يدعو الشركات العالمية إلى مراجعة خططها ليس بالطبع بالتوقف؛ لكن بتغيير الأولويات.
- ولكن هناك نقطتان رئيسيتان فيما يتعلق بحقول الغاز المكتشفة؛ وهي أن تلك الحقول تحتاج إلى عنصرين آخرين لا يقلان أهمية عن الحقول ذاتها، هما: خطوط الأنابيب لنقل الغاز، ومحطات التسييل، وهو ما لا يتحقق سوى لدولة واحدة من دول الحوض على الأقل حتى هذه اللحظة. وهي مصر، التي لديها بالفعل شبكة خطوط أنابيب لنقل الغاز، إضافة إلى محطتي تسييل في كل من «أدكو» و«دمياط»، تلك كانت مجموعة من الحقائق لابد من الإشارة إليها قبل رسم بانوراما شاملة لقصة غاز شرق البحر الأبيض المتوسط، وفقاً للتقرير الصادر عن «منتدى برشلونة للسياسة الدولية».
أمن أوروبا
تنظر أوروبا إلى تلك الاكتشافات على وجه التحديد قبرص و«إسرائيل» على أنها تمثل تعزيزاً لأمن أوروبا، عطفاً على تنويع مصادر الطاقة، وطرق التوريد للعديد من دول الاتحاد الأوروبي، خاصة تلك الواقعة في جنوب شرق ووسط أوروبا، التي تكاد تعتمد بالكامل على الغاز الروسي في سد احتياجاتها، وبالتالي فإن تطوير هذه الموارد هي ضرورة لمصلحة الجميع، وحتى لا يتحول الأمر إلى صراع قد يصل لمرحلة المواجهة.
تاريخ حديث
بالنظر إلى تاريخ الاكتشافات الغازية في شرق البحر المتوسط، فإن تاريخها يعد حديثاً نوعاً ما، فقد كان أول اكتشافاتها في مصر عام 1969، 34كلم شمال شرقي الإسكندرية، ثم تطورت الأمور بعد ذلك خلال الفترة من 1999 وحتى 2000، إلى أن بدأت الاكتشافات في «إسرائيل» في المياه الضحلة لمدينة عسقلان الساحلية وقطاع غزة، ومع تلك الاكتشافات تصارعت حمى شركات التنقيب العالمية؛ لتسفر عن 3 اكتشافات واسعة، هي: حقول «تمار وليفياثان» بين عامي 2009 و2010، ثم جاء «ايفروديت» قبالة سواحل جنوبي قبرص عام2011، ليأتي حقل «ظهر» المصري العملاق، درة تلك الاكتشافات في المنطقة العميقة في البحر المتوسط في مواجهة سواحل مصر.
80 تريليون قدم مكعبة:
وبالرغم من كل تلك الاكتشافات الواعدة، فقد أوضح تقريران أعدتهما هيئة المسح الجيولوجية الأمريكية (اوسجس) عام 2010، أن المنطقة واعدة، ومن أكثر المناطق المرشحة للمزيد من الاكتشافات، خاصة «دلتا النيل» والبحر المتوسط في مصر، والأخرى منطقة المشرق العربي، وتصل إلى ما يقرب من 10 تريليونات قدم مكعبة من آبار الغاز غير المكتشفة بعد، والقابلة للاسترداد في تلك المنطقة، في حين أن احتياطات الجزائر الحالية تبلغ نصف هذه الكمية. فإذا ما أضفنا إلى تقييم «اوسجس» التقييمات المحتملة من قبل المسؤولين القبارصة واللبنانيين، فإن تلك المنطقة مرشحة لصعود سريع.
«إسرائيل» والقطاع
تبرز «إسرائيل» دائماً في جميع المشاهد، فهي لا تطمع للسيطرة على الغاز في مناطقها البحرية وحسب؛ بل إن عينها أيضاً تمتد إلى قطاع غزة؛ ولكي ندرك ماذا يعني الغاز لـ«إسرائيل»، فيكفي أن نعلم أن حقل غاز «تمار»، الذي يحتوي على نحو 282 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، والذي بدأ الإنتاج به في مارس/آذار 2013 يغطي اليوم 60% مـن احتياجــات «إسرائيل» من الطاقة المولدة، والأمــر مرشـح بالطبع للزيادة مع دخول حقل «ليفياثان» للإنتاج، الذي تقدر احتياطاتـــه بـ 621 ملــيار مــتر مكعــب؛ لكـــن وجود مجموعة من العقــبات السياسيـــة والتنظيمية تتعلــق بتخصيـص الموارد المكتشفة للصادرات والسوق المحلي، إضافة إلى الضرائب والشكوك الإدارية تعطل الانطلاق حتى الآن.
قبرص والجدوى الاقتصادية
ثم يأتي الشريك الثاني في شرق المتوسط؛ وهو قبرص، التي جرى حتى الآن عقد 3 مناقصات خارجية، وتم الانتهاء من المفاوضات مع مقدمي العروض؛ لمنح التراخيص لثلاث بلوكات جديدة، هي: (6-8-10). عرضت خلال تلك المناقصات الأخيرة في 2016 وأوائل عام 2017، وحتى الآن فإن النتائج ليست مشجعة إلى حد بعيد؛ فالاكتشاف الوحيد كان لحقل «أفروديت»، ومن المقدر أن يحتوي على 182 مليار متر مكعب من الغاز، وكان قد تم عرض برنامج لتطويره في عام 2015، لتصل طاقته الإنتاجية إلى 8,2 مليار متر مكعب سنوياً، ومن المنتظر أن يبدأ الإنتاج التجاري للحقول إلى الأسواق العالمية والمحلية بحلول عام 2020؛ لكن إذا اقتصر الأمر في النهاية على «أفروديت»، فإن عملية إقامة بنية تحتية وخطوط أنابيب تصبح محل شك؛ لعدم جدواها الاقتصادية.
لبنان وسنوات التردد
وفقاً لآخر التقارير الصادرة عن وكالة «بلومبرج»، فإن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، أصدر مرسومين؛ لرسم حدود البلوكات، وتوقيع عقود مشتركة، وبروتوكولات المناقصات في الوقت الذي تستمر فيه الدراسات السسموجرافية، التي تشير إلى تواجد نحو 96 تريليون قدم مكعبة من الغاز، و850 مليون برميل من النفط، يأتي هذا بعد سنوات من التردد والتخبط في ظل أزمة طاقة مستحكمة يعانيها اللبنانيون، وفي ظل بدء الإنتاج في مصر و«إسرائيل».
وقد تم قبول عدة شركات، هي: «اكسون موبيل» «شل» والشركة البرازيلية للبترول كشركات تشغيل رئيسية، وكانت مرحلة تأهيل الشركات قد بدأت عام 2013؛ حيث ضمت 12 شركة للتشغيل، و34 شركة كشركاء غير تشغيلين، وسيكون على لبنان الانتظار لأربع سنوات حتى يبدأ عصر الغاز لديه، يأتي ذلك في ظل معاناة للبنانيين؛ بسبب انقطاع التيار الكهربائي المستمر، فإذا ما علمنا أن 20 تريليون قدم مربّعة فقط كفيلة بتوفير الطاقة على مدار الـ 24 ساعة يومياً لمدة عشرين سنة، بحسب هيئة إدارة قطاع النفط في لبنان، فلنا أن ندرك أهمية اكتشاف الغاز على سواحل لبنان.
- وليس من الجديد الإشارة لوجود خلافات بين «إسرائيل» ولبنان على مساحة تصل إلى 800 كم متر مربع، يرى لبنان أنها تدخل ضمن حدوده البحرية، فيما لم تخف «إسرائيل» نواياها العسكرية باللجوء إلى القوة المسلحة، وهو ما هدد بــه رئيـــس الأركــان «الإسرائيلـــي» جـــــادي ايزنكوت؛ للسيطرة على المناطق البحرية قبالة حدود غـزة ولبـنان.
سوريا لا أمل في الأفق
تبقى سوريا، التي أدت الحرب القائمة فيها إلى إغلاق الملف ولو بصورة مؤقتــة؛ بعد أن كانت سوريا قد وقعت اتفاقية استكشاف في 2013 مع شركة «سوبوز لفنتيجاز» الروسية.
أما تركيا فقد قامت بحفر 13 بئراً في مياه البحر المتوسط بين عامي 1966 و2016 إلا أنه لم يتم تحقيق اكتشافات بكميات تجارية، وإن كان نشاط الاستكشاف قد عاد مرة أخرى مجدداً في المنطقة.
مصر وموعد مع المستقبل
يأتي اكتشاف حقل «ظُهُر» في مصر في المياه العميقة أواخر عام 2015؛ باعتباره الحدث الأهمّ في عالم الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، فالحقل الذي يحتوي على 30 تريليون قدم مربّعة من الغاز، أصبح الحقل المُكتشف الأكبر، الذي انعكست آثاره بصورة مباشرة على خمس دول، ففي «إسرائيل»، انخفضت أسهم شركات الطاقة مع إعلان الاكتشاف بداية، ثمّ أُطبق الخناق على حقلي «ليفياثان» و«تمار» مع إطلاق مصر مفاوضات مع «نوبل إنرجي» الأمريكيّة (المستثمر الوحيد للنفط في فلسطين المحتلة)، ما قلّل من خيار التصدير «الإسرائيلي»، ودفع إلى مصالحة معجّلة مع تركيا، التي تُعدّ الأكثر احتياجاً للغاز، ومن المنتظر أن يصل إنتاج حقل «ظهر» إلى 27 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2019 - 2020.
ويبدو أن مصر على موعد مع مستقبل الغاز في منطقة شرق المتوسط، ووفقاً للمعطيات الراهنة والإمكانات المتوافرة من خطوط أنابيب نقل الغاز، التي هي جاهزة بالفعل للنقل والتصدير، إضافة إلى محطتي تسييل الغاز في «إدكو» و«دمياط»، فإن هذين العنصرين سوف يحققان المزيد من الجدوى الاقتصادية للشركات العاملة في المنطقة، بالنظر إلى الكُلفة المرتفعة لإنشاء خطوط أنابيب من قبرص إلى أوروبا، التي تصل كلفتها إلى 4 بلايين دولار؛ لتصبح مصر هي القابضة على مستقبل الغاز في شرق المتوسط، وفي حين ظلت محطات الغاز المسال خلال السنوات الماضية في حالة ركود؛ بسبب تراجع الإنتاج المحلي، فإن بدء عهد «ظهر» إلى جانب التطورات الأخرى، التي قامت بها شركة «بريتش بتروليوم» البريطانية في منطقة «دلتا النيل» سوف تدفع بمصر لتكون مرشحة في أن تحتل مكانها في سوق التصدير بحلول 2020.
اكتشافات أخرى:
حقل «ظهر» ليس الحقل الوحيد، وإن كان أكبرها؛ لكن يوجد أيضاً مشروع حقول غازات غرب الدلتا، التي تبعد نحو 65 كلم من ساحل رشيد بمحافظة البحيرة، ويضم 5 آبار، هي: «ليبرا» و«تورس» و«جيزة» و«فيوم» و«ريفين»، وبدأت المرحلة الأولى من الحقول بإنتاج حقلي «ليبرا» و»تورس»؛ حيث وصل إنتاجهما إلى نحو 700 مليون قدم مكعبة يومياً من الغاز، وتقدر الاحتياطات المكتشفة من الغازات والمكثفات بالمشروع بنحو 5 تريليونات قدم مكعبة، وبحوالي 55 مليون برميل مكثفات.
وهناك حقل «أتول»، الذي يقع في المياه العميقة بمنطقة امتياز شمالي دمياط البحرية الواقعة شرقي «دلتا النيل»؛ حيث من المتوقع بدء الإنتاج منه خلال الربع الأول من العام المقبل بطاقة تصل إلى 300 مليون قدم مكعبة يومياً، ويقدر احتياطي الغاز بحقل «أتول» بـ1.5 تريليون قدم مكعبة، و31 مليون برميل من المكثفات.
خمسة مليارات دولار
وزير البترول المصري طارق الملا، وفي تصريحات أخيرة له أشار إلى أن حجم الاستثمارات في حقل «ظهر» المصري العملاق، وصلت إلى 5 مليارات من أصل 12 مليار دولار، جاء ذلك خلال مؤتمر «حكاية وطن» في الشهر الماضي، وتسعى مصر إلى تسريع عملية الإنتاج في الحقول المكتشفة حديثاً حتى تتمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي خلال عام 2018.
ومن المعلوم أن المشروع ينفذه «كونسورتيوم» يضم شركات «بي بي» البريطانية، و«ايني» الإيطالية، و«روس نفط» الروسية إلى جانب مصر، وكانت الشركة الروسية قد كشفت عن عزمها استثمار 4,5 مليار دولار في حقل «ظهر» المصري؛ حيث تملك 30% كانت قد اشترتها من «ايني» الإيطالية في إطار صفقة بلغت 2,8 مليار دولار، كما استحوذت «روس نفط» بموجب الصفقة على 15% من أسهم الشركة المشغلة للامتياز؛ وهي ائتلاف بين شركة «ايوك» فرع «ايني مصر» و«المصرية القابضة للغازات الطبيعية» ايجاس، وفقاً لوكالة «نوفوستي» الروسية للأنباء.
نظرة بعيدة المدى
من ناحية أخرى، فإن النظرة المصرية للاستفادة القصوى من غاز شرق المتوسط تتعدى مجرد استغلال حقول الغاز من خلال بيع الغاز أو الغاز المسال؛ لكن استخدامه كموارد وسيطة؛ بهدف تطوير صناعة البتروكيماويات، خاصة وأن قطاع البترول يضم بالفعل ثمانية مشاريع كبيرة تقدر بنحو 7 مليارات دولار، وتصل طاقتها الإجمالية إلى 4,5 مليون طن سنوياً، وفق تقرير صادر عام 2016 عن شركة «بلاستيك نيوز يوروب».
4,5 مليار خسائر
يبقى بعد ذلك أن خطط استيراد الغاز من «إسرائيل» ربما تلاشت أو انتهت، التي ظهر تأثيرها واضحاً على بورصة سوق الأسهم «الإسرائيلية»، التي وصلت خسائرها إلى 4,5 مليار شيكل - (1,1 مليار دولار)؛ بعد الإعلان عن اكتشاف حقل «ظهر» المصري في البحر المتوسط، وإن كانت فكرة الاستيراد من «إسرائيل» مفتوحة أمام القطاع الخاص؛ لكن السؤال يبقى عن جدواها الاقتصادية.
الآثار الجغرافية والسياسية
إن استغلال وتصدير الموارد الهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط ينطوي على تحديات تقنية وإدارية وأمنية وقانونية وسياسية هائلة ذات آثار جيوسياسية.
وتتركز التحديات التقنية على البنية التحتية والتمويل، فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن جميع خيارات التصدير قابلة للتنفيذ من الناحية الفنية، فإن التكاليف المترتبة على ذلك كثيرة ومنها: تعقيد التفاوض على الصفقات الضرورية، وكذلك التغلب على الحواجز السياسية، التي تشكل عقبات خطرة أمام تطوير موارد الغاز المكتشفة.
وتشمل التحديات الإدارية: قدرة الحكومات، والرؤية طويلة الأمد على الاستفادة من الاحتياطات على أفضل وجه. ولسوء الطالع، لم تقم أي دولة في المنطقة بوضع سياسة شاملة وناجحة تأخذ في الاعتبار هذه التحديات مقترنة بالتغيرات الجغرافية السياسية في المنطقة. التحدي الثاني يتمثل بالتحديات الأمنية جنباً إلى جنب مع العلاقات السياسية المضطربة بين دول المنطقة، وتشمل الصراعات المستمرة بين «إسرائيل» وجيرانها (حالة الحرب بين لبنان و«إسرائيل»؛ فالحدود البحرية بين لبنان و«إسرائيل» لم يتم الاتفاق عليها رسمياً، ولم يتم تحديدها رسمياً، وهي مصدر متواصل للتوتر، وحتى الآن فشلت محاولات الأمم المتحدة والولايات المتحدة لحل النزاع بين البلدين. إلى جانب الصراع الطويل بين «إسرائيل» والفلسطينيين)، والمشكلة القبرصية، التي لم تحل، وأخيراً الاضطرابات المستمرة في سوريا، وأثرها في المنطقة. وأما التحديات القانونية والسياسية فتتجلى في النقاش والنزاع حول المطالبات المتضاربة بشأن ملكية الموارد، وترسيم الحدود البحرية، أي بين لبنان و«إسرائيل»، بين جمهورية قبرص وتركيا والجمهورية التركية لشمال قبرص، ويمكن القول إن هذا هو التحدي الأكثر إلحاحاً.
تعاون أم صراع
يمثل اكتشاف الموارد الهيدروكربونية فرصة نادرة للتعاون الإقليمي، وأمن الطاقة على المدى الطويل والازدهار. ويمكن أن يؤدي استغلال هذه الموارد ونقلها في الوقت المناسب وبطريقة فاعلة إلى تمهيد السبيل لتقليل الوقت إلى السوق، وإلى تعظيم فرص الوصول إلى الأسواق، ويمكن أن يؤدي التعاون المفتوح والفاعل بين مختلف البلدان وشركات الطاقة العاملة في المنطقة إلى اتخاذ قرارات استثمارية «مثلى»، مثل: إنشاء هياكل أساسية مشتركة للتصدير للمجالات الموجودة في بلدان مختلفة.
4 طرادات ومقلاع داود
وبصفة خاصة، إذا نظرنا إلى مزيد من التفاصيل، وفي حالة «إسرائيل»، يمكننا أن نرى أن حقول الإنتاج تقع في مناطق قريبة نسبياً من الشاطئ. على سبيل المثال، يقع حقل «تمار» على بعد 56 ميلاً غربي حيفا، و«ليفياثان» على بعد 80 ميلاً من حيفا، بالقرب من الحدود مع لبنان؛ حيث يتم نقل الغاز من «تمار» حالياً من خلال خط الأنابيب إلى عسقلان، على بعد بضعة كيلومترات من الحدود مع غزة، وبالتالي فإن جميع هذه المنشآت الصناعية معرضة لخطر الهجمات من الخارج، ولهذا السبب، اشترت «إسرائيل» 4 طرادات ستسلم بحلول عام 2020، وطلبت 8 طائرات هليكوبتر من طراز «سيهوك» من فائض البحرية الأمريكية؛ لاستخدامها على متن هذه الفرقاطات؛ من أجـل القيـام بدوريـات؛ لحمايــــة حقول الغاز فـــي البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن المناطق الأخرى المعرضـــة للخطـــر، كمـــــــــا تقـــــوم «إسرائيل» بتطوير نظام «مقلاع داود الصاروخي»؛ لحامية حقول الغاز البحرية في البحر المتوسط، وخاصة حقل «ليڤياثان»، ضد أي صواريخ محتملة مضادة للسفن أو قوارب حاملة للمتفجرات
لم تقرر البحرية «الإسرائيلية» بعد أي أنظمة الدفاع الصاروخي، التي سوف تقوم بنشرها لحماية الحقول البحرية؛ لكنها تعمل على دراسة نظام «باراك-8» وهو جزء من منظومة «مقلاع داود»، الذي بنته وطورته شركة «إسرائيل» لصناعة الطائرات الحكومية، ويستخدم هذا النظام؛ لحماية السفن البحرية من صواريخ «كروز» المضادة للسفن.
بين المطرقة والسندان
يبقى النظر إلى الصراع التركي القبرصي اليوناني كأحد أبرز عناوين عدم الاستقرار في شرق المتوسط، وتبقى الجزيرة المقسمة واقعة بين سندان اليونان ومطرقة تركيا في ظل تطورات اكتشاف حقول الغاز إلى جانب الجهود الاستكشافية المتزايدة، خاصة في قبرص وتتزايد المخاطر الجيوسياسية أيضاً، وبينما بدأت الآفاق التجارية تبدو جيدة بالنسبة لجميع الأطراف، فإن الصراع العسكري الحقيقي يختمر أيضاً وقد يحدث إذا لم تتمكن قبرص واليونان وتركيا من إيجاد حل قريباً.
تحذير تركي
وفي أحدث موجة للصراع الدائر على موارد النفط والغاز في شرق البحر المتوسط حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ أيام، الشركات العالمية من التنقيب عن الغاز في المياه القبرصية؛ وذلك بعد أيام من اعتراض سفن عسكرية تركية لسفينة تابعة لشركة النفط الإيطالية العملاقة «ايني».
وقال أردوغان في خطاب عبر التلفزيون «لا تظنوا أننا غير منتبهين للمحاولات الانتهازية للتنقيب عن الغاز الطبيعي قبالة قبرص».
وأضاف «نحن نحذّر من يتخطون الحدود في قبرص من الحسابات الخاطئة، وكان رئيس جمهورية قبرص نيكوس اناستاسيادس قد اتهم تركيا بانتهاك القانون الدولي؛ إثر اعتراض القوات البحرية التركية لسفينة الشركة الإيطالية».
وأعلنت شركة «إيني» لوكالة الأنباء القبرصية، أن سفينتها أمرت بالتوقف من قبل بوارج تركية، بحجة وجود «نشاطات عسكرية في المنطقة المقصودة»؛ وذلك بعد إبحارها للبدء باستكشاف القطعة (رقم 3) من المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية.
ومن المعروف أن قبرص مقسمة منذ اجتياح جيش تركيا للقسم الشمالي من الجزيرة عام 1974 رداً على انقلاب هدف لإلحاقها باليونان. وتفصل بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك «منطقة عازلة» تديرها الأمم المتحدة.
وأثارت عمليات التنقيب عـــــن الغاز، التــي تقــوم بها جمهورية قبرص العضو فــي الاتحاد الأوروبي، والمعـترف بهـــا دوليـاً، التــي تبسط سلطتها على ثلثي الجزيرة جنوباً، توتراً مـــع أنقـــرة، التــي تطالب بتعليقها لحين إيجاد حل لتقسيم الجزيرة.
وفي محاولة لإيجاد مخرج للصراع، الذي بدأ يتخذ طابعاً عسكرياً، التقى وزير الخارجية الإيطالي انجيلينو الفانو، الأسبوع قبل الماضي، بنظيره التركي مولود تشاويش أوغلو على هامش اجتماع «التحالف الدولي ضد الجهاديين»، الذي عقد في الكويت؛ حيث دعا الوزير الإيطالي إلى «التوصل إلى حل مشترك في إطار احترام القانون الدولي ومصلحة شركة إيني الإيطالية ودول المنطقة والمجموعتين القبرصيتين».
وفيما بعد صدر بيان، أعلن فيه أن الوزيرين «اتفقا على ضرورة أن تؤخذ في الاعتبار المصالح الوطنية لكل طرف ومشاغل الحكومات؛ وذلك بهدف الحفاظ على مناخ الثقة الضروري لمشاريع محتملة لاحقة في قطاع الطاقة، علاوة على المشاريع القائمة حالياً».
وكان وزير الطاقة القبرصي جورج لاكوتريبيس قد أعلن في وقت سابق أن مجموعتي الطاقة الإيطالية «ايني» والفرنسية «توتال» اكتشفتا مخزوناً جوفياً كبيراً من الغاز في المياه القبرصية. ونددت الخارجية التركية في بيان بالأنشطة «الأحادية» لجمهورية قبرص «في ازدراء لحقوق القبارصة الأتراك غير القابلة لتصرف الملاك المشتركين للجزيرة وللموارد الطبيعية» لقبرص. وحتى اليوم لا يلوح أي حل في الأفق للصراع؛ حيث يمكن لهذه المواجهة العسكرية المستمرة أن تهدد المشاريع الجارية في مجال التنقيب عن النفط والغاز في حقول النفط في «توتال» الفرنسية الكبرى، و«ايني» الإيطالية.
مصر القوة تحمي الحق
لكن ماذا عن مصر.. لقد عمدت الدولة المصرية إلى تحديث عميق لقواتها المسلحة؛ لكي تكون قادرة على تأمين ثرواتها في عمق المنطقة الاقتصادية بالمتوسط وفقاً لاستراتيجيتها العسكرية، وقد شهدت السنوات القليلة الماضية، وعلى وجه التحديد منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم صفقات تخدم الاستراتيجية العسكرية المصرية في كل الاتجاهات، وبالطبع حقول غاز المتوسط، وعلى رأسها حقل «ظهر»العملاق.
فكانت صفقات «الرافال» الفرنسية 24 طائرة تسلمتها بالفعل، إضافة إلى 46 طائرة «ميج 29» و«50 مروحية كاـ52» روسية الهجومية براً وبحراً، وسوف تستخدمها حاملتا الطائرات «ميسترال» جمال عبد الناصر وأنور السادات؛ حيث تعملان كسفن إبرار وقيادة، ويمكن لكل منهما حمل 16 مروحية هجومية ثقيلة، و70 مركبة قتال بينها 13 دبابة، و4 مركبات إنزال، و450 مقاتلاً، ومعهما 4 طرادات «جاويند» للمرافقة والحماية، لتتصدر البحرية المصرية دول الشرق الأوسط، وتتبوأ المركز السابع عالمياً.
أيضاً تم إدخال منظومة الدفاع الجوى بعيدة المدى «إس300 المعروفة بأنتاى 2500»، التي يمكنها تدمير 24 هدفاً في وقت واحد على بعد 250 كيلومتراً، والتعاقد على مدمرتين «فريم» من فرنسا، وصلت إحداهما بالفعل، وتم استلام أربعة زوارق أمريكية هجومية «إمباسادور» مسلحة بصواريخ هاربون بمدى 124 كلم، والتعاقد على 4 غواصات «تايب» ألمانية، وسفينة صواريخ روسية «مولينيا»،
وفيما بين آمال التعاون الإقليمي وزيادة التوترات الأمنية، من الممكن إيجاد التوازن العملي لمصلحة التطورات الوطنية المنحى. كما أن عمل الشركات الخاصة المشاركة في المشاريع المختلفة يمكن أن يدفع أيضاً إلى تحقيق ذلك، وتحتاج شركات الطاقة إلى إطار اقتصادي وقانوني وإداري واضح؛ من أجل إضفاء الطابع الرسمي على قراراتها الاستثمارية، وجذب التمويل لمشاريعها، والبدء في التنفيذ، ويزداد هذا في البيئة الحالية، التي تتسم بانخفاض أسعار الطاقة، والطاقة المفرطة في سوق الغاز الطبيعي المسال، وحرب الأسعار المحتملة في أسواق الغاز الأوروبية.
إن التطور السريع في حقل «ظهر» بمصر يثبت هذا الاتجاه؛ حيث سيخصص الإنتاج، على الأقل في المرحلة الأولية؛ لتلبية الطلب المحلي. كما يبدو أن التطورات الأخيرة في «إسرائيل» تتجه نحو استخدام الغاز أكثر للاستهلاك المحلي (الصناعات التي يمكن أن تخلق المزيد من القيمة المضافة، ومشاريع الغاز إلى السوائل، واستخدام الغاز للنقل)، والصادرات إلى البلدان المجاورة - كما يتبين من المناقشات للتصدير من حقل «ليفياثان» إلى فلسطين والأردن، وكانت قد بدأت مؤخراً تصدير الغاز من حقل «تمار» في «إسرائيل» لشركتين في الأردن. ويبدو أن حالة قبرص أكثر أهمية. وما لم تتم اكتشافات جديدة في المستقبل، فإن حقل «أفروديت» بمفرده لا يبرر بناء أي بنية أساسية تصديرية رئيسية للأسواق الخارجية.
حقول غاز شرق المتوسط
«ظهر» - مصر
تبلغ مساحة الحقل 100 كم²، ويصل أقصى عمق فيه إلى 4131 متر، ويبلغ احتياطي الغاز المقدر في الحقل 30 تريليون قدم مكعبة (تعادل حوالي 5.5 مليار برميل من المكافئ النفطي)، وبذلك يصبح الكشف الغازي الواقع ضمن منطقة امتياز شروق أكبر كشف يتحقق في مصر، وفي مياه البحر المتوسط، وقد يصبح من أكبر الاكتشافات الغازية على مستوى العالم.
يقع الاكتشاف ضمن امتياز شروق البحري (الذي كان جزءاً من امتياز نيميد المصري العملاق) الذي أعلنت شركة شل في فبراير/شباط 2004 اكتشاف أضخم بئرين KG45 & LA51 (حفرتهما في نوفمبر وديسمبر 2003 داخل بلوك «شروق»). وقالت شل في حينها، إن الاكتشاف سيغير خريطة أقاليم الغاز في العالم، وأن الاحتياطي يفوق 4 تريليونات قدم مكعبة. ثم ما لبثت «شل» أن توقفت عن العمل في الحقل وفي مصر في عام 2005.
ثم تحججت «شل» بأن الاختبارات الإضافية أثبتت أن الاحتياطي لا يتجاوز الترليون قدم مكعبة. ومع توقف أنشطة التنقيب في امتياز «نيميد» العميق بالمياه المصرية، أعلنت كل من «إسرائيل» ثم قبرص اكتشافهما لحقلين هائلين ملاصقين لامتياز «نيميد» المصري، تتولى أعمال التطوير شركة ( أيوك للنفط إيني مصر)
أفروديت - قبرص
حقل «أفروديت» للغاز (Aphrodite gas field)؛ هو حقل بحري للغاز الطبيعي في مقابل السواحل الجنوبية لقبرص، ويقع في البلوك 12 للآبار الاستكشافية في المنطقة الاقتصادية الخالصة البحرية لقبرص، ويقع على بعد 34 كلم غربي حقل «ليڤياثان» للغاز «الإسرائيلي»، ويُعتقد أن بلوك 12 يحتوي على 3 - 9 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.
حصلت «نوبل إنرجي» على امتياز استكشاف البلوك 12 في أكتوبر/تشرين الأول 2008، وفي يناير/كانون الثاني 2011، أعلنت قبرص اكتشاف أحد أكبر احتياطات الغاز الطبيعي في العالم. وتشير الأدلة السيزمية إلى أن البلوك 12، الذي تمت تسميته «أفروديت»
قامت قبرص بترسيم حدودها البحرية مع مصر في 2003، ومع لبنان في 2007، وقد رسمت قبرص و«إسرائيل» حدودهما البحرية في 2010، تبقى تركيا التي لا تعترف باتفاقات الحدود القبرصية مع جيرانها؛ حيث هددت بتحريك قواتها البحرية في حال واصلت قبرص خططها لبدء التنقيب في البلوك 12، إلا أن أنشطة التنقيب القبرصية تحظى بمساندة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة
حقل ليفياثان للغاز الطبيعي «Leviathan gas field»، يقع على مسافة 150 كلم شمالي دمياط في السفح الجنوبي لجبل «إراتوستينس» البحري، فيما يفترض أنه المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر. وتقوم شركة «نوبل إنرجي» بتطوير الحقل لمصلحة «إسرائيل»، اكتشف في يونيو/حزيران 2010، ويقع حقل الغاز على بعد 200 كلم غربي حيفا على عمق 1500 متر في جبل «إراتوستينس» البحري، وتعد هذه المنطقة الغنية بالهيدروكربونات، من أغنى مناطق العالم بالغاز الطبيعي.
ومن الملاحظ أن امتيازات التنقيب الممنوحة من شركة نفط «إسرائيل» حتى 2010 لا تظهر فيها منطقة امتياز «ليفياثان» في أقصى الغرب، وهي غير موجودة ضمن الامتيازات.
ويضم الحقل 16 تريليون قدم مكعبة من الغاز أي ما يساوي 453 مليار متر مكعب، وهو رقم أكبر بحوالي 80% من رقم الغاز المكتشف في حقل «تمار»، الذي يقع على مسافة 47 كلم منه نحو الجنوب الشرقي.

