يزخر التاريخ السياسي في المنطقة العربية والأرشيف الإعلامي بالمواقف القطرية المشبوهة تجاه المحتل الصهيوني، وفي كل يوم يظهر دليل جديد يدين قطر ويبين مدى ارتباطها الخفي مع «إسرائيل»، على الرغم من ادعاء الدوحة بأنها مناصرة للقضايا العربية وفي صدارتها فلسطين، قبل أن يسقط القناع نهائياً وينكشف الزيف عن سياسة خبيثة تخالف كل ما هو معلن.
وتجلت هذه الحقيقة وفق ما بينه رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم حين سألته طالبة قطرية عن العلاقات التجارية والاقتصادية مع كيان الاحتلال ومدى جدواها بالنسبة إلى بلادها. وقد وضعت الطالبة ابن جاسم في موقف لا يحسد عليه، ما اضطره إلى محاولة الهروب بالفكاهة حيناً والتصغير وجلد الذات أحياناً أخرى، ولكن ذلك لم يكن كافياً، ولم يمنعه من افتضاح أمره.
وظهر في شريط فيديو يعود إلى عام 2007 تقريباً، وبثه تلفزيون البحرين مؤخراً، أن الطالبة القطرية طلبت سؤال حمد بن جاسم عن العلاقة بين الدوحة و«تل أبيب» ونوع التجارة القائمة بين الطرفين، وما هي الأشياء التي تصدرها قطر إلى «إسرائيل» والأشياء التي تستوردها منها، فما كان من ابن جاسم بالقسم بأنه لا يعرف وأنه قرأ هذا المعطى في جريدة تقول إن حجم التبادل كان 48 ألف دولار في سنة من السنوات. ثم أضاف «ممكن نسأل وزير الاقتصاد». وهنا أصرت الطالبة على طرح السؤال بطريقة أكثر صراحة، وقالت «ألا تعتقدون أن هذه الإيرادات توظفها» «إسرائيل» في صناعة الأسلحة لتقتل بها الفلسطينيين. وبالطبع لم يتقبل عميد علاقات قطر ب«إسرائيل» هذه الجرأة، وحاول إبداء قدر من «برودة الأعصاب» ورد على الطالبة بالقول «إنه لا يمكن أخذ هذا الأمر بهذه الطريقة» معترفا بأن العلاقة لا تعدو أن تكون تجارة بين طرفين، وضرب لها مثلا بقوله «إن أنت اشتريت بضاعة.. ساعة مثلا فليست كلها تذهب للحرب، ولكن لا شك أنها ستدعم اقتصاد «إسرائيل»». وفي محاولة منه للتخفيف من تأثير هذا الدعم، أضاف أن «اقتصاد «إسرائيل» مدعوم من الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة»، كما زعم أن ال 48 ألف دولار قيمة التجارة بين الدوحة و«تل ابيب» «لن تؤثر، ولكن «الإسرائيليين» يريدونها حتى يقولوا إننا نقيم علاقات مع دولة عربية، ومضى في تبرير عمالته بأن هناك دولا عربية أخرى تقيم نفس الشيء. وهنا ردت عليه الطالبة «إذا كان اقتصاد قطر لا يستفيد، فما الفائدة من هذا العلاقة التجارية، خصوصا وأن «إسرائيل» تحتل فلسطين منذ عشرات السنين، فقال ابن جاسم إن في العلاقة هناك سياسة وهناك اقتصاد وكل منهما يدعم الثاني، ونحن (قطر) لم نقم هذه العلاقة «استعباطا» بل أقمنا العلاقة بعد مؤتمر مدريد الذي دعا إلى الانفتاح و«السلام». ومرة أخرى تحرجه الطالبة الشجاعة بأن «إسرائيل» لم تلتزم بالسلام المزعوم. وأقر ابن جاسم بالأمر، وأضاف أن هذا الموضوع طويل ويحتاج أن نستمر في العلاقة لأنهم هم الأقوى ونحن الضعاف. وهنا قالت الطالبة «إلى متى»، فقال ابن جاسم في انتظار أجيال جديدة.
ويكشف هذا الفيديو حجم التواطؤ الذي لعبه رئيس وزراء قطر الأسبق في التبرير للعلاقة المشبوهة بين بلاده والكيان الصهيوني، على الرغم من أن الإعلام القطري وفي صدارته قناة «الجزيرة» تصدر الأزمة على مدار الساعة في ذلك الوقت بالدفاع عن الشعب الفلسطيني، بينما كانت رائحة متاجرتها بقضيته العادلة لا تخفى، وهو ما كشفته الأحداث لاحقاً حين عمق خطاب «الجزيرة» الانقسام الفلسطيني وقفز على المعركة الحقيقية مع كيان الاحتلال لصالح أجندات دعم الجماعات المتطرفة والإرهابية.