ظهور عدة محافظ استثمارية غير مرخصة من جهات الاختصاص سهلت انجراف عدد من المواطنين والمقيمين لما يجدونه من الإغراء المالي المتمثل بمضاعفة نسبة الربح إلى 70% أو 100%، والمثير في الأمر أن المتعاملين ليسوا فقط قليلي الحظ من التعليم بل فئات من المتعلمين والمستوى الاجتماعي الكبير، ومنهم على سبيل المثال مديرو بنوك، والكل بلا استثناء يبحثون عن العائد الربحي السريع والمرتفع دون عناء، وهى أشبه بمغامرة ولسان حالهم المثل الشعبي الخليجي «اللي ما يغامر ما يعشي عياله».
وتقوم عمليات الاحتيال بالمحافظ الوهمية على طريقة «الاحتيال الهرمي» والمعروفة بطريقة مخطط تشارلز بونزي والقائمة على دفع عوائد مالية للمستثمرين القدامى من خلال استثمارات أو أموال المساهمين الجدد، ويهدف ذلك إلى دفع قمة الهرم إلى إخبار أصدقائهم وجيرانهم وأهلهم وكل من يلتقون بهم عن الربح السريع الذي قاموا بتحقيقه بما يضمن دخول متعاملين جدد ويشكلون أسفل الهرم، وهذا المخطط الهرمي القائم على الاحتيال ويبيع الوهم لكل من ساهم فيه وعند انهياره تجد أن الضحايا الجدد الحالمين بالثراء السريع هم أكثر الخاسرين.
تشديد العقوبة ضد الأشخاص الذين يديرون تلك المحافظ الوهمية والتي لا تمت بصلة إلى عالم المال والاستثمار، يعتبر الحل الأمثل من اجل الحد من الظاهرة و حماية لأموال المواطنين والمقيمين وحثهم على عدم الانجراف وراء العائد المرتفع والتواصل مع جهات الاختصاص والإبلاغ عن تلك المحافظ غير الحقيقية قبل استفحالها وتفريخ ضحايا جدد لا يعلم بحالهم إلا الله عز وجل.
«الخليج» التقت عددا من المتعاملين مع بعض هذه المحافظ وخبراء ومحامين وأعضاء في المجلس الوطني الاتحادي حيث تحدثوا عن هذه المحافظ، وقال عبد الله الكثيري أحد المساهمين في هذا المجال: تتمثل المحفظة المتعلقة بتجارة السيارات وشخصياً أرى أنها قائمة على عملية بيع وشراء سلعة بأجل ولا ينطبق عليها مسمى «المحفظة الاستثمارية الوهمية» وتتلخص عملية البيع بهذا المثال: اشتريت سيارتي الخاصة بقيمة 100 ألف درهم نقداً وقمت ببيعها للشخص الذي يبيع ويشتري بأجل وأعطاني شيكا بقيمة 200 ألف درهم بنسبة ربح 100% لمدة سنة، وكانت هذه الطريقة قديما تسمى بسوق المناخ فقد كانت تباع السلعة في المواسم ويكون التعامل مبنيا على بيع مؤجل.
عن نفسي تواصلت مع الإفتاء التابع للهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف عبر الرقم المجاني 10 مرات وسألتهم عن طريقة بيع الأجل بالمحافظ وقالوا إنها جائزة شرعاً لأن الناس تبحث عن الحلال ولا أحد يبغي الحرام، وطالما الشخص يستثمر في إطار القانون والشرع فما المانع من الاستثمار في نشاط المحفظة؟
وأنا شخصياً لم اقترض من البنوك للحصول على مبلغ معين والمساهمة في المحفظة، والعملية كلها قائمة على البيع والشراء وفيها ربح وخسارة، والناس ترى بعضها البعض، فلان دخل بفلوسه بالمحفظة الفلانية ويتبعونه والكل يتعامل ويشارك في المحفظة على أساس المغامرة، ويعرفون أن فيها ربحاً وخسارة كما يقول المثل «اضرب وأهرب» وإذا حصل على فائدة يدخل مرة اخرى ولسان حال الجميع المثل الشعبي الذي يقول «الذي لا يغامر لا يعشي عياله».
فتوى شرعية
وكانت اللجنة الشرعية بإدارة الإفتاء بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف أصدرت فتوى بتاريخ 12 يناير/ كانون الثاني لعام 2017 بخصوص بيان الحكم الشرعي في معاملة البيع التي يجريها أحد معارض السيارات حيث يقوم مالك ذلك المعرض بشراء السيارة بضعف سعرها أو نحوه على أن يكون الثمن من خلال شيك مؤجل يدفع بعد سنة من تاريخ الشراء أو حسب الاتفاق بالإضافة إلى صور أخرى متفرقة، فإن اللجنة الشرعية اجتمعت وناقشت موضوع السؤال وهو بيان حكم الشرع في معاملة البيع التي تجريها معارض السيارات وأصدرت الفتوى التالية: فإن الإجابة على هذا السؤال مشروطة بما يأتي:
أولاً أن لا تكون المعاملة المذكورة مما لا يقره النظام المعمول به في الدولة، فإن كانت مخالفة للنظم المعمول بها فهي محرمة.
ثانياً أن لا يغلب على الظن أن هذه المعاملة تغطي معاملات غير شرعية، أو تضر باقتصاد البلد أو المتعاملين.
ثالثاً أن يكون المقصود من المعاملة بيع السلعة حقيقة، أما إذا كان المقصود مجرد الحصول على نقد بأكثر من لأَجَلٍ وإنما تدخل السلعة بطريقة صورية فهذه المعاملة محرمة، جاء في شرح الخرشي على مختصر خليل: «فالسلعة التي خرجت من اليد وعادت إليها ملغاة» لأن المقصود هو النقد بنقد أكثر منه لأَجَلٍ وليست السلعة هى المقصودة.
أشخاص مغامرون
وبدوره قال الخبير المالي صلاح الحليان: الأشخاص الذين يتعاملون مع المحافظ الوهمية هم أشخاص مغامرون ومساهمون في المحفظة الوهمية ولا توجد أموال مستثمرة أساساً، ولا يطلق عليهم مستثمرون لأن الشخص المستثمر ينظر إلى الجهة التي يتعامل معها للاستثمار فيها سواءً في الأصول أو الأسهم أو السندات وغيرها من الأدوات الاستثمارية المعروفة في مجال المال والأعمال.
لابد من معرفة إن كانت مرخصة قانوناً من الجهات المختصة، وكذلك أن نعرف جيداً من هي الجهة التي تطرح الاستثمار مثل البنوك أو الشركات الاستثمارية المرخصة، وهناك نقطة مهمة لابد من الإشارة إليها وهي من الأهمية بمكان أن يتم إلزام الشخص الذي يجمع الأموال من المواطنين بقصد الاستثمار فيها الحصول على ترخيص من المصرف المركزي، ويكون مؤهلاً ولديه الخبرة الكافية في إدارة تلك الأصول المالية وفقاً لأنظمة ولوائح المصرف المركزي ودوائر التنمية الاقتصادية بالدولة.
أصحاب المحافظ الوهمية يستغلون جهل وعدم إلمام الناس بالاستثمار وتعتمد طريقتهم على النظام الهرمي، وهي عملية وهمية وهي شبيهة بمخطط تشارلز بونزي من خلال أن يقوم مؤسس المحفظة بدفع عوائد للمساهمين القدامى من خلال استثمارات المشاركين الجدد، وتتمثل قمة الهرم بالأوائل الذين بدأوا بتسليم أموالهم لتحقيق عائد ربحي المستهدف، ويبدأ كل شخص بجلب 5 أشخاص وكل واحد يدفع 100 ألف درهم وتستمر السلسلة دواليك بانضمام فئات جديدة مغامرة ويشكلون قاعدة الهرم، ويرجع ازديادهم من خلال التسويق المغامرين القدامى في المحفظة لأصدقائهم ومعارفهم على حصولهم على أموالهم الأصلية بالإضافة إلى عوائد ربحية بنسبة 70% أو 100% كما هو حاصل في المحافظ الوهمية الأربع المتعلقة بتجارة السيارات، وعند استحقاق الأرباح في الموعد المحدد وتسديد الالتزامات شهرياً من قبل صاحب المحفظة ومن يعاونه يتسلم المغامر أو المساهم المبلغ الأصلي مع نسبة الأرباح ويتم تخييره بين أخذ ماله أو تركها تعمل في المخطط لتحقيق أرباح أكبر ويستجيب الأغلب الأعم طمعاً في الربح السريع وبعد كل فترة زمنية يتكرر المنوال إلى انهيار المحفظة.
أفراد المجتمع كافة مطالبون بضرورة دراسة الوضع قبل المغامرة والعمل على استشارة المتخصصين في المجالات المالية والاقتصادية، وضرورة الاتصال بالمصرف المركزي لمعرفة من هو الشخص الذي يدير المحفظة، ومعرفة طبيعة المنتجات التي ينوي الاستثمار فيها، وهل هو مصرح له بالعمل في هذا المجال ولديه التراخيص اللازمة، يوجد الآن قسم الجرائم المالية بشرطة أبوظبي يستطيع أي شخص التواصل معهم والسؤال عن عمل المحفظة أو المحافظ حتى يكون على بينة من الأمر ولا تذهب أمواله ومدخراته سدىً، وللأسف بعض الأشخاص يقترض من البنوك للاشتراك في المحافظ ويتعرضون للنصب والاحتيال.
المحامي علي المنصوري يقول: طمع البشر والسعي وراء الربح السريع هما أبرز أسباب دخول الأشخاص بالمحافظ الوهمية، فظروف الحياة تجعلهم يتجاوزون حدود القانون وهم على علم بأن أفعالهم غير صحيحة ويمكن أن تعرضهم لخسارة ما دفعوه بتلك المحافظ، والعاقل قد يخطئ ويكون أحد الضحايا والشاطر من يغتنم الفرص، فلو اطلعنا على قضايا المحافظ لوجدنا أن أكثر المتعاملين من الطامعين للربح السريع وأكثر المستفيدين من كانوا أوائل المنضمين.
ودعا إلى توسيع نطاق التوعية القانونية في قضايا المحافظ الوهمية المتكررة بساحة القضاء على اختلاف مسمياتها ونشاطها، وتغليظ العقوبة لكي تكون بمثابة ردع لمن تسول له نفسه في إنشاء محافظ غير حقيقية «وهمية»، لافتاً إلى أهمية أن يكون الشخص صادقاً مع نفسه ولا تغريه مغريات الحياة والطمع فكم من طامع فقد رزقه أو كان أسيراً للديون أو القضاء لعدم استطاعته سداد ما استدانه من الغير للدخول بالمحافظ المالية الوهمية.
أتمنى من الناس أن تعي ما تفعل ولا تنقاد لما يقوله صديق او قريب او سمسار المحافظ الوهمية وأن تعمل على تنمية الموارد المالية بمحافظ استثمارية مرخصة من الجهات ذات الصلة وعقود تنظم العلاقة بين الأطراف والتواصل مع الفئات المتخصصة بهذه المجالات أكانوا ماليين او قانونيين لكي يرى مدى جدية العقد من عدمه.
المحفظة الاستثمارية
قال المحامي الدكتور راشد الهاجري: شخصياً أتحفظ على كلمة محفظة وهمية ولابد من التأكد واليقين الجازم على أنها وهمية، لأن المحفظة الاستثمارية تطلق على مجموع ما يملكه الفرد أو الأفراد من أموال بغرض تنميتها وتحقيق التوظيف الأمثل للأموال التي تدار من قبل شخص لتحقيق تدفق نقدي وعائد ربحي وتقسيمها بين المساهمين في المحفظة، وهذه المحفظة تعتبر حقيقية، أما غير ذلك فلا يعني أنها محفظة.
والمحفظة دورها تجميع الاستثمار وتنويعه بهدف الحد من المخاطر عبر امتلاك أكثر من أصل، أما المعاملات التجارية فهي تنحصر بين التجارة العالمية والعملية التجارية والمعاملة التجارية تحمل بذاتها وضعاً رئيسياً لأن كل معاملة يتم التعامل معها بشكل منفصل كتجربة فريدة مثل أن يقوم البائع بالتوقيع ويقوم المشتري بالشراء لإتمام عملية البيع، والمحفظة الاستثمارية تقوم على أناس لديهم أصول، بينما المعاملات التجارية تقوم على البائع والمشتري، من هنا يظهر الاختلاف الشاسع بين المحفظة الاستثمارية والمعاملات التجارية.
وأما فيما يتعلق بتشديد العقوبة على الجناة في قضايا المحافظ الاستثمارية، فلأنه يجب أن يكون هناك رادع، لكن طبيعة هذا الردع هي من مسؤولية المشرع الإماراتي.
إن الحكومة الرشيدة قامت بتوفير كل السبل القانونية لحماية الاستثمار والمستثمرين ونظمتها في إطار التشريعات ذات العلاقة، فإذا جاء شخص وتجاوز التشريعات يحاسب، مع ضرورة أن يقوم الشخص المستثمر أو المساهم في أية محفظة استثمارية حقيقية أو غير حقيقية «وهمية» التأكد من طبيعة العاملين فيها، وأن يركز على معرفة مسألة الربح والخسارة، ولا يضع نصب عينه الربح فقط، والتحقق من النشاط الذي سيضع فيه أمواله عبر الحصول على المعلومات من الجهات المختصة، وهو أمر لا يكلفه شيئاً، ومن خلالها يستطيع أن يصون ماله أو يصبح شخصاً يغامر بأمواله بغرض الحصول على عوائد مرتفعة.
تشديد العقوبة لحماية أموال المواطنين
يرى المحامي علي الحمادي أن الأسلوب الاحتيالي في المحافظ الاستثمارية الوهمية يقوم على إغراء الأشخاص بتوزيع أرباح خيالية وغير منطقية تتنافى مع كافة العوائد الاقتصادية القانونية، فتجد أن الفاعلين يقومون بشراء سيارات بأضعاف ثمنها مقابل شيك مؤجل الدفع بعائد ربحي يبدأ من 70% ويصل إلى 100%.
وبما أن مؤسسي المحافظ الوهمية ليس لديهم رخصة لإدارة مثل هذه الأنشطة من الجهات المختصة، فيتجهون إلى تدعيم عروضهم بالربح الكبير وتسليم شيكات مؤجلة وعندما تنهار عملية تدوير الأموال بين المساهمين القدامى والجدد ويصعب الإيفاء بالالتزامات تجاههم، يلجأ الأغلب إلى ساحة القضاء لاسترداد أموالهم بعد اكتشافهم للواقعة.
وهناك ضرورة إيجاد إجراءات قانونية رادعة لهذه الظاهرة «المحافظ الوهمية غير الحقيقية» لمنع تكرارها، ولحماية أموال المواطنين، وذلك يكون بتشديد العقوبة ووصولها لحدها الأقصى مع مصادرة الأموال المضبوطة.
البحث والتحري عن مدير المحفظة
قال العضو سالم بالنار الشحي في المجلس الوطني الاتحادي: ينبغي على كل شخص قبل أن يودع أمواله بأية محفظة مالية أن يسأل نفسه ويبحث ويتحرى إن كان الشخص الذي يدير هذه المحفظة لديه ترخيص من المصرف المركزي والجهات ذات الاختصاص وتكون قانونية و يبحث عن طبيعة الأعمال التجارية المستثمرة وما هي أهدافه والحصول على الخطة الاستثمارية المعتمدة لدى تلك المحافظ وهو أمر مهم جداً كي لا يتم استثمارها في قنوات غير شرعية مثل غسل الأموال في المخدرات أو الأسلحة وغيرها من الممنوعات أو تمويل او آلية توزيع العوائد الربحية وفق المعايير المعروفة حسابياً.
وكل هذه المطالب ضرورية حتى لا يقع أي إنسان في براثن جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب أو النصب والاحتيال، وعلينا أن نستثمر ضمن التشريعات الموجودة في الدولة ونتماشى مع أهداف الدولة الاقتصادية المستدامة كي تكون طبيعة استثماراتنا تعمل وفق منظومة قانونية وملزمة لكافة الأطراف.