يتلقى مرتادو شبكة الإنترنت في جميع أنحاء العالم، العديد من الرسائل المتباينة في نوعها، ومحتواها، وهدفها، سواء على البريد الإلكتروني، أو على تطبيقات «السوشيال ميديا»، كإنستجرام، فيسبوك، واتساب، وغيرها من الرسائل التي تصل في أحيان أخرى من خلال الهاتف والتي تكون صوتية في بعض الأحيان من متصل مجهول، و«مفخخة»، تحمل إلينا أخباراً مفرحة في بدايتها، من نوع «مبروك كسبت جائزة»، أو «لديّ مبلغ من المال عثرت عليه وأريد استثماره في بلدك»، أو من نوع آخر مثل «اخترقنا جهازك وسنرسل أسرارك إلى كل من تعرف إن لم ترسل لنا مبلغاً مالياً»، وبعد الانصياع لكل التعليمات والأوامر التي يمليها الطرف الآخر «المرسل»، تأتي النهاية صادمة، حيث يتبين لنا أنها عملية ابتزاز مادي رخيصة، وبعضنا ينخدع بتلك الرسائل ويأخذها على محمل الجد، ويتجاوب مع المرسل، ويدفع له ما يطلبه ثم يكتشف أنه كان ضحية عملية احتيال منظمة، ما يعرضه لاحقاً للمساءلة القانونية، ودخول السجن.
دفعنا انتشار تلك الرسائل «المفخخة»، وكثرة الجرائم التي سجلتها أروقة وقاعات المحاكم، وتداولتها صفحات الصحف، ومواقع الإنترنت، إلى التحقيق فيها وتقصي حقيقتها، وكيف يصل «المحتال» إلى ضحيته على البريد الإلكتروني، أو رقم هاتفه الشخصي، وكيف يهيمن على ضحاياه بعد أن يكسب ثقته، وما هي أنواع الضحايا، وأخطر تلك الجرائم، وكيف تتم مواجهتها من قبل السلطات في مختلف دول العالم.
«مبروك كسبت جائزة»
كانت بداية البحث وطرف الخيط عشرات القضايا والبلاغات التي تقدم بها أشخاص من جنسيات مختلفة وقعوا ضحايا عمليات نصب واحتيال بطرق مختلفة، كان أشهرها التي يزعم فيها المتصل «المحتال» أنه يعمل في إحدى الشركات العاملة في مجال الاتصالات داخل الدولة، وعليه أن يخبر المجني عليه «الضحية» بخبر سار، هو أنه فاز بجائزة كبيرة في سحب إلكتروني عشوائي قيمتها 500 ألف درهم، وحتى يثبت المحتال أنه يتبع لشركة الاتصالات تلك يخبر المجني عليه برقم «سريال» موجود على شريحة الهاتف، وعندما يتأكد من ذلك يعطي كامل ثقته للمحتال، وينصاع لأوامره في غياب المنطق والعقل، ومن دون اتخاذ أية خطوة أخرى لتحري مدى حقيقة تلك الجائزة، ما دفع شركة الاتصالات تلك إلى إصدار بيان رسمي في سابقة هي الأولى من نوعها توضح فيه حقيقة تلك الجائزة الوهمية، وكيف يستغل المحتال معلومة لا يعلمها إلا القليل، وهي أنه بالفعل يوجد «سيريال نمبر» خلف كل شرائح الهاتف، وأن هذا الرقم موحد لكل الشرائح، لكن المحتال يستغل عدم معرفة الضحية بتلك المعلومة.
استطلاع رأي
لم تكن جرائم الاحتيال تلك الخاصة بشركة الاتصالات الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، في ظل مؤشرات توضح أن تلك الجرائم في ازدياد، فبخلاف الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام عن تلك الجرائم والتحذير منها، لدرجة أن النائب العام للدولة أصدر بياناً يحذر فيه من نوع جديد وخطير من الاحتيال باستخدام حسابات «السوشيال ميديا» لجمع تبرعات، لم نصادف شخصاً استطلعنا رأيه من مختلف الجنسيات حول هذا الموضوع إلا وأقر بأنه تعرض لمثل تلك الرسائل، لكنه يتجاهلها، وجاءت إجابات العشرات من المواطنين والمقيمين متوافقة لدرجة التطابق.
أكد «سعيد محمد نور» موظف في إحدى الإدارات الحكومية في دبي، أنه تعرض لكثير من تلك الرسائل وتجاهلها، لكن المحزن هو وجود ضحايا لهؤلاء المحتالين، رغم كل ما ينشر في الإعلام عن تلك الجرائم، وقد علم من أصدقائه، ومنهم مدير إحدى الجامعات، أنهم يتلقون رسائل باستمرار من مجهولين يريدون تبرعات خاصة على تطبيقات السوشيال ميديا، داعياً إلى تغليظ العقوبة في القانون على هؤلاء الذين يتم القبض عليهم ليكونوا عبرة.
واعترف الإعلامي «إبراهيم شعبان» بتلقيه أيضاً عدداً من الرسائل المشابهة التي أصبحت قصتها معروفة، ومضمونها محفوظاً عن ظهر قلب من كثرة ما وصلته، وسمع عنها من مقربين له، مفسراً وقوع ضحايا لهؤلاء المحتالين بأنهم إما أن يكونوا حمقى، وإما جاهلين، إضافة إلى كون بعضهم يسعى إلى المكسب السريع السهل، وتكون النتيجة خسارة مبالغ مالية هم في غنى عنها، بسبب الجهل، وتجاهل أبسط قواعد المنطق، خاصة هؤلاء الذين تأتيهم اتصالات من أشخاص يدعون أن هناك جائزة مالية، سواء من الشركات العاملة في الاتصالات، أو غيرها.
حساب بنكي
وأوضح «محمد عيسى» محام عربي «زائر»، أن تلك الجرائم لا حدود لها ولا تقتصر على دولة من دون أخرى، لأنها تحدث عبر عالم افتراضي «الإنترنت»، مشيراً إلى أنه تلقى رسالة مشابهة منذ فترة من شخص يدعي أنه كان يعيش في أوكرانيا، وفر هارباً ومعه مبلغ يقدر بعشرات الملايين من الدولارات، ويريد أن يستقر في بلد آمن، ويستثمر تلك الأموال، فقط عليه مساعدته واستقباله في بلده، واستلام تلك الأموال، ووضعها في حساب بنكي، وطلب منه رقم حسابه البنكي، إلا أنه تجاهل تلك الرسالة ولم يتجاوب معها.
وعبرت «رحمة لسود»، مقيمة عربية، عن غضبها من انتشار تلك الجرائم من دون رادع قوي يمنع تكرارها، موضحة أنها تلقت رسالة احتيال تفيد بأنها قبلت في وظيفة في إحدى كبريات المستشفيات في أمريكا، بعد أن وضعت بياناتها في أحد مواقع التوظيف الذي اتضح أنه وهمي لجذب الضحايا واستخدام بريدهم الإلكتروني، ومراسلتهم عليه.
وأشاد «محمد اليافعي» باحث قانوني في معهد دبي القضائي، بجهود أجهزة الدولة للتنبيه والتحذير من تلك الجرائم، ودور وسائل الإعلام في التصدي لتلك الجرائم بالنشر، والتوعية المستمرة، وأكد تلقيه عدة رسائل عبر بريده الإلكتروني الشخصي، وبرامج التواصل الاجتماعي عبر الهاتف المتحرك تدور في مجملها حول طلب مبالغ مالية بقصص مختلفة، لكنه لا يعيرها أي اهتمام.
من جانبه أفاد «خالد الشحي»، رئيس قسم في محاكم دبي، بأنه لم يرده بشكل شخصي أية رسائل من هذا النوع مؤخراً، لكن منذ سنوات كانت وصلته رسالة تفيد بأن هناك شخصاً من دولة إفريقية لديه تركة «ميراث» عن والده الذي تعرض للقتل على يد عصابات من المتمردين في بلده، ويريد نقلها خارج دولته لشخص أمين، ليقوم باستثمارها بعد أن يهرب من بلده الذي تسيطر عليه أعمال العنف، وطلب مبلغاً من المال ليتمكن من الحركة وإنهاء إجراءات تلك التركة لإرسالها، مشيرا إلى ان أساليب هذه الرسائل مكشوفة ولا تخفى على المتابع ويجب الحذر منها.
مغامرة محلية
كان السؤال الذي طرح نفسه بقوة ويحتاج لإجابة شافية: لماذا إذاً، يقع البعض فريسة سهلة للمحتالين، ويخرج لهم أمواله عن طيب خاطر؟
كي نجيب عن هذا السؤال كان علينا أن نجرب بأنفسنا ونخوض التجربة، ونقوم بمغامرة عندما نصل لنهايتها نكتشف أسرار وكواليس ما يقوم به المحتال لحبك القصة على ضحيته، وإقناعها بأن تستسلم له طواعية، وتنفذ كل أوامره، خاصة بعد أن وصلت رسالة مشابهة لصحفي كبير في إحدى الصحف داخل الدولة، ينذره مرسلها بأنه قام باختراق جهازه المحمول، وسرق أسراراً شخصية سيقوم بإرسالها إلى جميع الموجودين على قائمة اتصالاته، إن لم يخضع له ويرسل مبلغ 300 دولار.
انتظرنا فرصة مواتية حتى وصلتنا رسالة مشابهة أخرى من مجهول على الشات الخاص ب«فيسبوك» يطلب منا ضرورة مراسلته على بريده الإلكتروني الخاص في أمر ملحّ وعاجل، ولم نضيع الفرصة، وعلى الفور كتبنا إليه ليظهر لنا على الجانب الآخر، وبحسب ما ادعى أنه مواطنة أمريكية شابة مجندة في الجيش الأمريكي، وتشارك في القوات الدولية الموجودة في ليبيا حالياً، ولديها مبلغ من المال ورثته عن أبيها يبلغ نحو 9 ملايين دولار تريد أن تودعها أمانة لدى شخص موثوق به، وقد اختارتنا من دون كل الناس لأنها توسمت في شخصنا الخير والمروءة، وكانت هذه أول نقطة نتوقف أمامها عند تحليل البعد النفسي للواقعة، حيث بدا المحتال هادئاً لطيفاً يبحث عن شخص محترم هادئ أمين طموح، وبالطبع كل شخص منا يرى فيه نفسه تلك الصفات وزيادة، إضافة إلى أنه يمنحك «الفرحة» غير المتوقعة من خلال عرضه مبلغاً خيالياً لا يأتي على بال أحدنا، ولا في الأحلام.
مرحلة الفرحة
بعد مرحلة «الفرحة» يتطلب الأمر أن يدخل الطرفان مرحلة أخرى هي مرحلة «الثقة» التي يبدأ فيها المحتال جميع مراسلاته بأسلوب هادئ، مفعم بالثقة يالطرف الآخر «الضحية»، ويظهر زهده في أي مطلب أو مطمع، فكل ما يبغيه هو الموافقة على كتم السر، والدخول في الشراكة الجديدة، فكان مطلب المحتال الذي ادعى أنه «مجندة في الجيش الأمريكي» بسيطاً جداً في البداية، لا يتجاوز إمداده ببعض المعلومات السهلة، مثل الاسم بالكامل، والسن، ومحل الإقامة، والعنوان وصندوق البريد، لأنه سيقوم بإرسال المبلغ كاملا عبر شركة شحن عالمية لها فروع في مختلف دول العالم، وقد «سددت» كل الرسوم الخاصة بالشحنة التي كانت عبارة عن طرد فيه حقيبة سوداء بداخلها صندوق حديدي مغلق بأقفال لها شفرة سرية سيتم إخبارنا بها لاحقاً، وكان كل ما ينتظره المحتال «المرسل» في نهاية رسائله الأولى هو الموافقة على مشاركته تلك الجريمة التي إن صدق فيها، وأرسل تلك الأموال لن تخرج عن كونها عملية غسل أموال تعرض الطرفين للمساءلة القانونية، وربما للسجن.
تظاهرنا بابتلاع الطعم، وكان الرد الفوري بالموافقة المبدئية، بشرط أن نعلم بالضبط ما المطلوب منا فعله لكي نستحق نسبة 30 % عرضتها «المجندة»، كنسبة مقابل حمل الأمانة، إضافة للدخول في شراكة ومشروعات استثمارية داخل الدولة ببقية المبلغ، وكان التركيز الدائم، في رسائل تجاوزت العشرين رسالة، فقط على تحمل المسؤولية والأمانة والحفاظ على السر، حتى يتم إرسال المبلغ والبدء بالمشروع، وكانت المفاجأة السارة في الرسالة، ربما الثالثة، عندما أرسل المحتال مجموعة صور تبدو كأنها حقيقية وليست مفبركة، للحقيبة والصندوق اللذين يحتويان على المبلغ المالي، وكذلك صورة لعشرات الرزم من الدولارات من فئة 100 دولار يسيل لها لعاب أي شخص، وكانت هذه ثاني نقطة يستخدمها المحتال لكسب ثقتنا «الضحية»، وهي أن يغرينا بصورة الدولارات ويحرك لدينا شهوة المال، وحلم الثروة المنتظر، في مقابل معلومات بسيطة لن تضر إن لم تنفع، فهو لم يطلب هذه المرة أرقام حسابات بنكية، كما يحدث أحياناً، ولم يشترط دفع رسوم الشحن، كما صادف بعض الضحايا.
غسل أموال
كان علينا أن نكسب بعض الوقت للتفكير في طريقة لتجنب أية آثار قانونية، أو شبهة جنائية، تترتب على تلك الصفقة حتى لو كانت وهمية، فكان هناك احتمال ولو 10% أن تكون عملية غسل أموال حقيقية، ويتم إرسال المبلغ بالفعل، وهو ما تأكدنا منه عندما تواصلنا مع أحد خبراء البنوك «أحمد. م»، وسألناه عن إمكانية استغلال بيانات أي شخص في فتح حسابات وهمية تستخدم في عمليات غسل أموال، مؤكداً لنا استحالة ذلك لأن إجراءات فتح الحساب في أي بنك معقدة، وليست سهلة إلا أن يكون هناك طرف ضمن أفراد العصابة سيساعد في ذلك، ويعمل داخل البنك نفسه.
ولمزيد من الطمأنينة تواصلنا مع أحد الضباط في قسم الجرائم الإلكترونية في القيادة العامة لشرطة الشارقة، حتى نشرك رجال الشرطة معنا، ونستشيرهم في القضية، بعد أن توجهنا في البداية إلى قسم شرطة البحيرة بالشارقة لفتح بلاغ بالواقعة، فجاء الرد من المساعد عبد الرحيم «بأن مثل تلك البلاغات كثيرة، وفي نهايتها يتضح أنها عملية احتيال، وكل ما علينا فعله هو تجاهل أية رسائل مستقبلية، وعدم التجاوب مع المرسل، وعدم إرسال أية مبالغ مالية، ووجهنا بأنه في حال فتح بلاغ يجب التوجه إلى القيادة العامة لشرطة الشارقة».
بدأ التواصل مع المختصين في قسم الجرائم الإلكترونية عبر اتصال هاتفي كأي شخص داخل الدولة يريد أن يبلغ عن جريمة احتيال إلكترونية، وجاءنا الرد نفسه بأنه يجب علينا تجاهل أية رسائل قادمة، وعدم إرسال أية مبالغ مالية، لكننا قررنا استكمال المغامرة للوصول إلى نهاية الخيط، والاستدلال على المجرم المحتال.
مزيد من الثقة
استمر تواصلنا مع المحتال عبر عدة رسائل تالية، غيّرت إحداها مسار الأحداث بدخول طرف جديد في اللعبة، هي شركة الشحن الدولية التي ستتولى عملية نقل المبلغ، وتسليمه، فأرسل لنا المحتال رابط موقع تلك الشركة للتأكد من صدق حديثه، ويبرهن عليه خطوة خطوة، فبعد أن أرسل لنا صور المال والحقيبة والصندوق، ها هو يخبرنا بالشركة التي ستقوم بتسليم المال، كل ما علينا فعله هو التواصل معها، ومتابعة الإجراءات حتى استلام الصندوق، وبالدخول على موقع الشركة تجده موقعاً إلكترونياً متكاملاً يعرض كل صغيرة وكبيرة عن الشركة حتى فريق العمل بداية من رئيسها الذي كانت صورته تدل على أنه مواطن من إحدى دول الخليج، مرتدياً الزي الوطني، إضافة إلى مجموعة من الأشخاص تحت صورة كل منهم أرقام هاتفية أمامها مفتاح مكالمات دولة بريطانيا، لتأكيد المعلومات نفسها التي أخبرتنا بها المجندة المزيفة، وكسب مزيد من الثقة، وعلى الفور حاولنا الاتصال بأحد تلك الأرقام فلم نتلق حتى جرس اتصال على الجانب الآخر من المكالمة، ما يعني أن الرقم وهمي.
الهيمنة والصدمة
استمرت الرسائل المتبادلة بيننا وبين النصاب في مرحلة يمكن أن نصفها بمرحلة «الهيمنة»، حيث يصبح الضحية جاهزاً لفعل أي شيء يأمره به المحتال، ثم وصلنا لآخر مرحلة في العملية، ويمكن أن نسميها مرحلة «الصدمة»، حيث أبدت المجندة أسفها لأن الشركة فاجأتها بضرورة تسديد مبلغ التأمين على الشحنة، رغم أنها سددت كل مصاريف الشحن، والنقل، والتوصيل للباب، وكان علينا أن ندفع للشركة نحو 1500 يورو حتى نستلم مبلغ 9 ملايين دولار، وجاء ذلك الطلب بعد أن تأكد المحتال أنه هيمن وسيطر تماماً علينا، بعد رسائل وردود شبه يومية، وأحياناً رسالتين في اليوم الواحد في الفترة الأخيرة، وقد ظن أننا على أتم استعداد لفعل أي شيء للحصول على تلك «الثروة الضخمة».
بالفعل تظاهرنا بالموافقة على المبلغ، وبعد تفكير عميق أخذ بعض الوقت وافقنا، وتواصلنا مع الشركة المزعومة، وطلبنا منها إمدادنا بمعلومات التحويل كاسم المستلم، والعنوان، والغرض من التحويل، ورقم هاتفه المتحرك في بلده، لإيهامها بأننا جادون في تحويل المبلغ المطلوب، وهنا أمسكنا بالمجرم عندما أرسل لنا البيانات كاملة، بل وأرسل لنا صورة من جواز السفر الخاص به، حرصاً منه على وصول المبلغ سالماً من دون حدوث أية أخطاء غير مقصودة، وكان علينا التوجه على الفور إلى السلطات المختصة في القيادة العامة لشرطة الشارقة، وتقابلنا مع النقيب محسن أحمد عبد الكريم، مدير فرع جرائم التقنية بإدارة التحريات والمباحث الجنائية، وطلبنا منه فتح بلاغ وسردنا له تفاصيل الواقعة من ألفها، إلى يائها.
بلاغ ونصيحة
كانت نصيحة مدير الفرع المبدئية بعد أن سمع منا، أن نضمن المعلومات التي قصصناها عليه في شكل إفادة وليس بلاغاً، حتى لا نعرض أنفسنا لأي شكل من أشكال المساءلة القانونية على خلفية واقعة مشابهة تم توجيه تهمة المشاركة في جريمة غسل أموال لأحد المقيمين العرب منذ فترة قصيرة، لأنه كان يجب عليه إثبات أن المال المرسل إليه نظيف وقانوني، وليس فيه شبهة غير قانونية، وبالفعل تم عمل اللازم، وأخذ إفادتنا، ووقعنا عليها، ثم استفسرنا من النقيب محسن عن بعض الأمور الخاصة بذلك النوع من الجرائم.
وأوضح النقيب محسن أحمد أن الجرائم الإلكترونية تتنوع، وتقوم في معظمها على الابتزاز المالي، والمعنوي، وأحياناً تستغل مواقع التواصل الاجتماعي أفظع استغلال، كأن يتم تصوير شخص في مواقف غير أخلاقية من دون علمه ثم يتم تهديده بفضحه، أو دفع مبالغ مالية تقدر بمئات الآلاف من الدراهم.
وأكد أنه في حال وجود الشخص خارج دولة الإمارات فإن التعاون مع «الإنتربول» يكون أساسياً وضرورياً ليتم تعقب المجرم والقبض عليه، وفي حال تم القبض عليه يتم تسليمه لنا، ما لم يكن من مواطني تلك الدولة التي تختص بمحاكمته.
قضايا إلكترونية
وخلال بحثنا وجدنا أن أحدث الإحصاءات ذات الدلالة في دولة الإمارات تشير إلى أن شرطة أبوظبي وحدها تعاملت مع 774 قضية إلكترونية منها 206 بلاغات ابتزاز خلال 2017، وتتنوع القضايا ما بين نصب، واحتيال، وانتحال صفة الغير، والاحتيال ببطاقات ائتمانية، وبيع المكالمات الهاتفية وتذاكر الطيران، ونشر صور ومقاطع صوتية ومرئية للتشهير، وغير ذلك من القضايا التي تنتشر في ربوع الوطن العربي، مثل الترويج لأجهزة التجسس المحظورة، مثل كاميرات التصوير صغيرة الحجم، وغير المرئية.
حرام شرعاً
وحول رأي الشريعة الإسلامية في الأصل الذي تقوم عليه مثل تلك الجرائم، وهي دخول الضحية في عملية تشبه المقامرة بجزء من ماله مقابل الحصول على مبلغ أكبر لتكوين ثورة بطريق سهل، قال الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد، مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، إن من دخل بمال من أجل أن يفوز بجائزة مال كانت أو غيره، أو وقع فريسة لما يسمى بتكثير المال عن طريق السحر؛ فإنه يعتبر مقامراً قماراً محرماً؛ لأن القمار هو المراهنة بالمال من أجل تحقيق غنم، أو غُرم، وقد قرن الله تعالى تحريمه بالخمر والأنصاب والأزلام، وأمر باجتنابه كما قال سبحانه (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)، علماً بأن مثل هذه الدعايات هي في الحقيقة شبكات خداع يدخلها المغفلون فيقعون فريسة سهلة، والمفروض في المؤمن أن يكون كيّساً، فطناً، لا يغتر بمثل تلك الدعايات الخادعة، فإن هذا لو كان صادقاً لكان نفع نفسه أولاً، ولم يقاسم أحداً بمثل ذلك المبلغ الضخم.
وأضاف: معلوم أن من وقع فريسة لمثل هذه المخادعات فإنه لا يجد من يحميه، أو يرد إليه ماله؛ لأن هذه مافيات كالغول، لا يُقدر على القبض عليها، فكان على كل إنسان حماية نفسه، وعدم تضييع ماله، فإن وقع فريسة فلا يلوم إلا نفسه.
أبعاد جنائية
لمعرفة الأبعاد الجنائية للجريمة الإلكترونية، قالت الباحثة والمحامية الدكتورة حوراء موسى، الحاصلة على الدكتوراه في القانون الجنائي عن الجرائم الإلكترونية، إن تلك الجرائم تتسم بأنها مستحدثة ولها طابع وخصائص تميزها عن الجرائم التقليدية، إذ يطلق عليها «الجرائم الناعمة»، أو جرائم «أصحاب الياقات البيضاء»، لكونها تعبيرية، ولا أثر مادياً لها، فضلاً عن أنها لا تتطلب سوى الحد الأدنى من المعرفة باستخدام تقنية المعلومات، إلى جانب أهم صعوباتها المتمثلة في أنها ذات طابع دولي، وسهولة إتلاف الدليل والتخفي الذي تقابله صعوبة التوصل إلى الجناة، ما يجعل مسألة الإفصاح عن بيانات المشتركين غاية في الصعوبة، قد تصل أحياناً إلى الاستحالة، خاصة مع الطلبات الواردة لتلك الشركات من خارج الولايات المتحدة، مشيدة بكون الإمارات من أولى الدول العربية التي سنت تشريعاً مستقلاً يعنى بمكافحة جرائم تقنية المعلومات.
التفسير الاجتماعي لسلوكات الضحايا
من الناحية الاجتماعية، حاولنا إيجاد تفسير لسلوكات الضحايا الذين يقعون فريسة سهلة لشبكات النصب والاحتيال، فبينت الدكتورة أميمة أبو الخير، أستاذة علم الاجتماع المساعد بجامعة الشارقة، أن انتشار الجرائم الإلكترونية يبدو لافتاً للانتباه مؤخراً، رغم كونه موجوداً منذ دخول وانتشار استخدام الشبكة العنكبوتية، لكن لفت الانتباه ربما لتنوع واستحداث طرق جديدة للنصب والإيقاع بالضحايا تناسب معطيات العصر والتطور التكنولوجي، لكن الجريمة الإلكترونية ترجع لأسباب، منها البطالة والرغبة في تحقيق مكاسب مادية، وأهداف اجتماعية من قبل أفراد لا يملكون مقومات تساعدهم على التكيف مع الواقع، ومجاراته، خاصة في حالة «الهجرة الداخلية» عندما يهاجر المحتال من مجتمع قروي، إلى مجتمع المدينة الذي يحتاج مقومات أعلى ماليا.
وعزت الاتجاه إلى الجريمة الإلكترونية لكونها تحقق مكاسب أكبر، ومخاطرها أقل، ربما لأنها تتم عبر عالم افتراضي، يصعب فيه إثبات هوية المجرم.
مواقع توظيف مشبوهة
خلال فترة تجاوزت الشهرين تمكنا من جمع قدر لا يستهان به من المعلومات، والاطلاع على تجارب حكاها لنا أفراد العينة التي شاركت في استطلاع الرأي الذي قمنا به، وعندما حللنا تلك المعلومات اكتشفنا أن اصطياد الضحايا يكون بنسبة أكبر من خلال تطبيقات الشات، والتعارف، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تجبرك في البداية على إمدادها بعنوان بريدك الإلكتروني، وربما كان هذا السبب في حذف شركة «جوجل» ما يقرب من 150 تطبيقاً من على متجرها على الهواتف الذكية، أو من خلال بعض مواقع التوظيف الوهمية التي تعرف كل شيء عنك بداية من تاريخ ميلادك، حتى آخر عمل التحقت به، وكذلك شريحة دخلك، وهو ما يستدعي الحذر كل الحذر عند التعامل مع مثل تلك المواقع.
تشريعات عربية ضمن جهود المكافحة
التشريعات في الدول العربية جاءت مكملة لقوانين العقوبات باستصدار قوانين الجرائم الإلكترونية، مثلما حدث في مصر والجزائر والأردن، حيث جرّم المشرع الجزائري الأفعال الماسة بنظام المعالجة الآلية للمعطيات، أو ما سميت ب»الغش المعلوماتي»، بموجب القسم السابع مكرر من قانون العقوبات المعدل بالقانون 06/23 في المواد من 394مكرر إلى 394 مكرر7، فعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبغرامة من 50 ألف دينار جزائري إلى 200 ألف، وتعاقب المادة 394 مكرر1 على المساس بمنظومة معلوماتية بالحبس من ستة اشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة من 500 ألف دينار إلى 4 ملايين دينار.
وفي الأردن صدر قانون الجرائم الإلكترونية رقم5343 للعام 2015 فيما يخص الجرائم الإلكترونية، حيث يعاقب القانون من يدخل قصداً إلى الشبكة المعلوماتية، أو نظام معلومات بأي وسيلة من دون تصريح، أو يتجاوز تصريحاً معطى له بالحبس مدة لا تقل عن أسبوع، ولا تزيد على ثلاثة أشهر، أو بغرامة تتراوح بين 100 و200 دينار أردني، أو بكلتا العقوبتين، في حين تُصبح العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، ولا تزيد على سنة مع غرامة مالية تتراوح بين 200 و1000 دينار أردني في حال كان الدخول من أجل إلغاء، أو حذف، أو إضافة، أو تدمير، أو إفشاء، أو إتلاف، أو حجب، أو تعديل، أو تعطيل عمل الشبكة، أو نظام معلومات الشبكة.
أما في القانون المصري فالعقوبة تصل إلى المؤبد، أو الغرامة من 100 إلى 500 ألف جنيه كعقوبة للتنصت على الدولة باستخدام تقنيات الاتصال الحديثة وتطبيقات السوشيال ميديا، والسجن المشدد، وغرامة من 3 إلى 20 مليون جنيه كعقوبة الإضرار بالأمن القومي باستخدام السوشيال ميديا.