تحقيق: جيهان شعيب ومحمد بركات

تنص القاعدة على أن القانون لا يحمي المغفلين، وتدل شواهد الواقع، عبر دعاوى مختلفة، تنظرها المحاكم، على أن الغفلة أوقعت كثيرين تحت طائلة المساءلة، فالمحاسبة بعقاب مقيد للحرية، وتالياً، فالوعي، والإدراك الجيد، وتوخي الحذر، أسس يجب الاستناد إليها في معاملات شراء أغراض مستخدمة من آخرين، وللقول ما يستدعيه.
وبالنظر في أوراق إحدى القضايا المنظورة، نجد أن محكمة جنايات إحدى الإمارات قضت غيابياً بحبس آسيوي لمدة ثلاثة أشهر، وغرامة خمسة آلاف درهم، لشرائه هاتف سامسونج بمبلغ 300 درهم من أحد الأشخاص، من دون فاتورة، أو طلب بطاقة هوية البائع، ليتضح لاحقاً أن الهاتف مسروق، فقضت المحكمة بحكمها السابق، لحيازته هاتفاً متحصلاً عليه من جريمة سرقة، ولأنه اشتراه من دون أي مستند من البائع الذي هرب إلى خارج الدولة بعد أن باعه إياه.
هذه الدعوى ليست الوحيدة، فمثلها كثير من الدعاوى، بشراء بضائع مستخدمة، منها المسروق، أو المستولى عليه عنوة من أصحابه، وغير ذلك، أو حتى المحفوظ لدى آخرين على سبيل الأمانة، في حين كونه من الأساس مسروقاً، ومن ثم يتعرض أطراف الشراء للمساءلة، رغم حسن نياتهم، وتصدر بحقهم أحكام مختلفة، بما يستوجب تبيان الموقف القانوني من مثل هذه الوقائع.

التبليغ يعفي

قال المحامي عبد الرحمن الفردان: بالعودة إلى المشرع الإماراتي، تنص المادة 407، على أن من حاز، أو أخفى أشياء متحصلة من جريمة مع عمله بذلك، ومن دون أن يكون قد اشترك في ارتكابها، يعاقب بالعقوبة المقررة للجريمة التي يعلم أنها قد تحصلت.
وإذا كان المشتري لا يعلم أن الأشياء تحصلت من جريمة، ولكنه حصل عليها في ظروف تحمل على الاعتقاد بعدم مشروعية مصدرها، تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على 6 أشهر، والغرامة التي لا تجاوز خمسة آلاف درهم، أو إحداهما.
كما نصت المادة 408 على أن الجاني يعفى من الحكم، إذا بادر بإبلاغ السلطات القضائية أو الإدارية بالجريمة التي تحصلت الأشياء منها، وبمرتكبيها قبل الكشف عنها، فإذا حصل ألإبلاغ بعد الكشف عن الجريمة، جاز للمحكمة إعفاؤه من العقوبة متى أدى الإبلاغ الى ضبط الجناة، والقانون فرق بين من يعلم بأنها مسروقة، ومن يعتقد أنها مسروقة، وكلاهما مسؤول، يعني انه سيّئ النية، وفي بعض الأحيان تكون الأشياء المراد بيعها معروضة بأسعار رخيصة، وبفارق كبير عن سعرها الحقيقي، لذلك يفضّل شراء المنتجات من الوكيل أو المحال المرخصة، والمتخصصة، مع الحصول على فاتورة.

تصد قانوني

وشرح المستشار القانوني رضا حجازي، واقع هذه الدعاوى قائلاً: الأموال المسروقة، أو المتحصلة عن جريمة، معاقب عليها قانوناً، بموجب القانون الجزائي الإماراتي، لأن مجرد انتقال ملكية هذه الأشياء من البائع (السارق) إلى المشتري، بموجب عملية البيع، فإن ذلك لا يخرج الممتلكات من ملكية المالك الأصلي الذي سرقت منه، وكذلك لا تبرّأ ساحة المشتري من المسؤولية المدنية عن رد هذه الأموال إلى المالك الحقيقي لها، لكونها متحصلة من جريمة، وبالتالي فلم تخرج من ملكية صاحبها، حيث إن النص في المواد 1325، 1326، 304 من قانون المعاملات المدنية، يدل على أنه وإن كان حائز المنقول يعد مالكاً له، متى كان حسن النية، أي لا يعلم بأنه يتعدى على ملك غيره، وهو أمر مفترض في جانبه إلى أن يثبت العكس، إلا أنه يتعين أيضاً ثبوت أن حيازته له تستند إلى سبب صحيح، وهو التصرف الصادر للحائز من غير مالك المنقول، ومع ذلك، واستثناء مما تقدم، فإن المالك الحقيقي للمنقول يحق له في جميع الأحوال المطالبة باسترداده من حائزه المذكور، متى ثبت أن المنقول الذي يحوزه قد فقد من المالك، أو سرق، أو اغتصب منه، ولو كان حائزه حسن النية ويستند في حيازته إلى سبب صحيح.
وبالنسبة للمدة الزمنية التي على المالك الحقيقي مطالبة المشتري الحسن النية، برد الشيء، فقد حدد القانون لهذا الحق ثلاث سنوات، تبدأ من تاريخ الفقد، أو السرقة، أو الغصب، ويلتزم حائز المنقول برده إلى مالكه عيناً أي أن يرد إليه ذات الشيء الذي تملكه من البائع له، ولا يجوز للمشتري حسن النية أن يمتنع عن رد المال المنقول، ويستعيض عنه برد قيمته للمالك الحقيقي، إلا إذا وافقه المالك الحقيقي على ذلك.
وأكد حجازي، أن المادة 1326 من قانون المعاملات المدنية، وكما أفصحت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون، بأن الحائز إذا اشترى المال المنقول بحسن نية في مزاد علني، أو ممن يتجر في مثله، أو في سوق، وتبين أن ذلك المال مسروق، أو مغصوب، أن يستوفي الثمن الذي دفعه ممن يسترد منه المال، وذلك رعاية للمصلحة في استقرار المعاملات.
حق المشتري الحسن النية للمال المسروق تجاه المالك الحقيقي الذي يسترد منه المال:
نصت المادة 1326 من قانون المعاملات المدنية، وكما أفصحت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون، على أن الحائز إذا اشترى المال المنقول بحسن نية في مزاد علني، أو ممن يتجر في مثله، أو في سوق، وتبين أن ذلك المال مسروق، أو مغصوب، أن يستوفي الثمن الذي دفعه ممن يسترد منه المال، رعاية للمصلحة في استقرار المعاملات، أي انه إلى جانب حسن نية الحائز المشتري، يتعين أن يتم شراء المنقول المسروق، أو المغصوب في إحدى الحالات الثلاث المذكورة حصراً في ذلك النص، وهي: أن يكون قد اشتراه في مزاد علني، أو ممن يتجر في مثله، أو فى سوق، ومن بينها أن يكون النشاط الذي يمارسه بائع الشيء المغصوب، أو المسروق، هو المتاجرة في مثل هذا الشيء، وعلى ذلك فلو خرجت عملية البيع عن أي حالة من هذه الحالات الثلاث، فلا يجوز للمشتري الحسن النية، أن يطالب المالك الحقيقي الذي يسترد منه الشيء المبيع له، بالثمن، كمن يشتري أجهزة منزلية، أو كهربائية، أو هواتف محمولة مثلاً، من شخص لا يتاجر فيها، كمن يعرضون مثل هذه الأشياء على شبكات التواصل والإنترنت، كما انه من الجدير بالذكر في هذه الحالة، أن يثبت المشتري انه حسن النية، وأنه اشتراه بطريقة من الطرق الثلاث التي وردت في هذا النص، حتى يستطيع استعمال حقه القانوني في طلب ثمن الشيء الذي يطالب برده من مالكه الأصلي.
وأشار إلى أن الأموال المسروقة، أو المتحصلة عن جريمة معاقب عليها، بموجب القانون الجزائي الإماراتي ويترتب عليها في النهاية، عدم ملكيتها للبائع، كلها تدعو إلى مسؤولية المشتري عن رد هذه الأشياء إلى مالكها الحقيقي، وحق المالك الحقيقي في تتبع المال في أي يد تكون، حتى لو كان المشتري حسن النية، ولا يعلم بسرقة الأشياء التي اشتراها، والمبرر القانوني لذلك هو أن مجرد انتقال ملكية هذه الأشياء من البائع (السارق) إلى المشتري، بموجب عملية البيع، فإن ذلك لا يخرج الممتلكات من ملكية المالك الأصلي الذي سرقت منه، وكذلك لا تبرّأ ساحة المشتري من المسؤولية المدنية عن رد هذه الأموال إلى مالكها الحقيقي، لكونها متحصلة من جريمة، وبالتالي فلم تخرج من ملكية صاحبها.

تحذير للمتعاملين

وعلى ذلك، ولتفادي التعرض للمساءلة القانونية، على النحو السالف الذكر، فيجب على كل من يشتري أي منقول، أن يتحرى الدقة في المكان، والشخص الذي يشتري منه، قدر المستطاع، فلا ينساق وراء السعر الزهيد، وينسى أن يشتري من أهل الثقة، كالذين يتاجرون في هذه الأشياء، أو من الأماكن الموثوق بها، ففي بعض الأحيان نجد من يعرض على شبكات التواصل أشياء كثيرة للبيع، بأسعار زهيدة، كما نجد في بعض الشوارع، خاصة بجوار المحال الكبيرة ومراكز التسوق، من يعرض بيع الهواتف النقالة وبأسعار رخيصة جداً؛ هنا مكمن الخطر فقد لا تكون هذه الأشياء مملوكة لصاحبها، ومتحصلة عن جريمة كالسرقة مثلاً، هنا نقع في مشكلة قانونية ومسؤولية عن ردها لمالكها الحقيقي على النحو السالف ذكره. وعلى ذلك يجب على من أراد أن يشتري أي منقول، عبر مزاد علني، أو ممن يتجر في مثله، أو من سوق لبيع هذه المنقولات، المطالبة بالفواتير اللازمة لذلك، حتى تكون له الحماية القانونية المقررة بموجب القوانين بالدولة.

اجتناب الشبهات

قال المحامي عيسى الشطاف: إنه بحسب المادة رقم 2 من قانون العقوبات الإماراتي (لا يؤخذ إنسان بجريمة غيره والمتهم بريء حتى تثبت إدانته)، ولكن في فرضية أن الإنسان الحسن النية الذي يشتري منقولاً من شخص، أو مكان موضع شبهة، كان هذا قرينة على سوء النية، ويقع تحت طائلة التجريم، مضيفاً أن المادة رقم 42 من القانون ذاته، نصت على أن (لا يعتبر الجهل بأحكام القانون عذراً)، حيث يسأل الشخص الشريك في الجريمة على حسب نص المادة والمادة 51 (يعاقب الشريك في الجريمة مباشراً كان، أو متسبباً، بعقوبة الجريمة التي وقعت فعلاً، ولو كانت غير التي قصد ارتكابها متى كانت الجريمة التي وقعت نتيجة محتملة للمشاركة التي حصلت)
ونصت المادة 407 (من حاز، أو أخفى أشياء متحصلة من جريمة مع علمه بذلك، ومن دون أن يكون قد اشترك في ارتكابها يعاقب بالعقوبة المقررة للجريمة التي يعلم أنها قد تحصلت منها، وإذا كان الجاني لا يعلم أن الأشياء تحصلت من جريمة، ولكنه حصل عليها في ظروف تحمل على الاعتقاد بعدم مشروعية مصدرها تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر، والغرامة التي لا تتجاوز خمسة آلاف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين).
وأوضح الشطاف، أن وقوع الجريمة لكي يتم تثبيته يجب أن يتوفر الركن المادي والركن المعنوي، وأن يكون هناك قصد جنائي في الجريمة المرتكبة، فلو افترضنا أنه تم الشراء من شخص، أو مكان يعلم المشتري أن فيه شبهة كان ذلك قرينة على سوء النية ويقع هذا الفعل تحت طائلة التجريم، لوجود علم وإرادة للمشتري لوجود شبهة في الشخص، أو المكان، والجهل في العمل الإجرامي، من قبل الإنسان البسيط الذي يقع ضحية لمجرم، ويعد هذا الإنسان البسيط شريكاً في جريمة من دون علمه، فله أن يثبت بكل طرق الإثبات، إن وجدت، مثل الكتابة، أو الشهود، أو الرسائل الإلكترونية، أو كاميرات المراقبة، حيث يقع عبء الإثبات عليه لإثبات عدم وجود قصد جنائي في العمل الإحرامي الذي تورط فيه من دون علمه، وكذلك إذا أبلغ الشريك السلطات القضائية بالجريمة التي تحصل على المنقولات، قبل علمه، والإحالة إلى السلطات القضائية فإنه يعفى من العقوبة.
كما نصت المادة 408: يعفى الجاني في حكم المادة 407 من العقوبة إذا بادر بإبلاغ السلطات القضائية، أو الإدارية بالجريمة التي تحصلت الأشياء منها، وبمرتكبيها، قبل الكشف عنها، فإذا حصل الإبلاغ بعد الكشف عن الجريمة، جاز للمحكمة إعفاؤه من العقوبة متى أدى الإبلاغ إلى ضبط الجناة، لذلك على كل إنسان حريص ألا يشتري شيئاً إلا من الأماكن التجارية المرخصة التي تضمن حمايته، وبموجب فاتورة رسمية من المحل التجاري، ويبتعد عن الشبهات، لكي ينتفي القصد الجنائي بتوافر حسن النية، ويمكن إثبات ذلك من أن سعر المنتج، هو سعر المثل، والبائع معروف، ومرخص، أو أن يكون البائع صديقاً، مثلاً، أو جاراً، أو زميل عمل تعرف مدى إمكانيته لتملك المنقول الذي عرضه للبيع لك، وتستطيع أيضاً سؤاله عن كيفية تملكه لهذا المنقول، وفي كل الأحوال يجب عدم شراء سلع من أشخاص لا نعرفهم، ولا يمكن تتبع نشاطهم، خاصة عندما تعلم من شخصيته انه لا يستطيع أن تكون له ملكية على المنقول الذي عرض للبيع.

الرأي الشرعي

أكد الشارع الحنيف، عدم جواز شراء بضائع مسروقة، إذا اتضح، أو غلب على الظن أنها مسروقة؛ لقول الله سبحانه: «وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»؛ فالعلم، أو الظن أن البائع ليس مالكاً لها شرعاً، ولا مأذوناً له شرعاً في بيعها، فكيف يعان على ظلمه، بأخذ مال الغير بغير حق، وهي من المال المحرَّم لعينه، الذي لا يحل لأحدٍ أن يتملكه، ولو بطرق مشروعة كالشراء، والهبة، والميراث.
وأشار العلماء، إلى أن الواجب على من علم أن ما سيشتريه مسروق أن يُنكر على السارق، ويأمره بالتوبة من السرقة، ورد البضاعة إلى أصحابها، وأن يحاول إرجاع البضاعة إلى أصحابها، إن تمكن من ذلك، وعلِم أعيانهم، أو يخبرهم بمكان بضاعتهم المسروقة، أو يخبر الجهات المسؤولة عن ذلك، فمن اشترى بضاعة وهو يعلم أنها مسروقة: أثِم، ومن تمام توبته إرجاع البضاعة لأصحابها، والرجوع بالثمن على من باعه إياها. والشراء من السارق فيه إعانة على الإثم والعدوان، وتشجيع للسارق بالاستمرار على فعله، وفيه ترك لإنكار المنكر، كما أن من شروط صحة البيع ملك البائع لما يبيعه، فإن كان سارقاً فهو غير مالك وهذا موجب لبطلان العقد.

فاتورة بالشراء

شدد المحامي سعيد الطاهر، على انه من الخطورة بمكان أن يشتري أحد الأشخاص، أو التجار، بضائع من دون الحصول من البائع على فاتورة بنوعية البضاعة المشتراة، وثمن البيع، حيث يمكن أن تكون تلك البضائع وصلت إلى يد البائع بطرق غير مشروعة، أو بطرق تحمل على الاعتقاد بعدم مشروعية حيازتها، ومن ثم ينتقل هذا التوصيف إلى المشتري الجديد، الذي يمكن أن يكون حسن النية، ويقع، مع الأسف، تحت وطأة العقوبة الواردة في المادة 407 من قانون العقوبات، التي جرمت حيازة الأشياء المتحصلة من جريمة، وإخفاءها، إذا كان الجاني عالماً، أو حتى إذا كان لا يعلم، ولكنه حصل عليها في ظروف تحمل على الاعتقاد بعدم مشروعية مصدرها، وهنا تكمن الحاجة الشديدة والملحة لضرورة حصول التاجر، أو غيره، على فاتورة بنوعية الشيء المبيع وثمنه.
وكذلك هناك بعض الحالات لا يستطيع معها المشتري الحصول على فاتورة بثمن البيع، كأن يكون هناك مانع واقعي، أو أدبي، كصلة قرابة، أو صداقة، أو غيرها، ما يمنع المشتري من الحصول على فاتورة شراء، كتلك التي وردت في المادة 37 من قانون الإثبات، ونصت على أنه إذا وجد «مانع مادي» أو «أدبي» يحول دون الحصول على دليل كتابي، فيجوز الإثبات بشهادة الشهود، وحتى يكون المشتري في أمان من المساءلة القانونية، يجب الحصول على «فاتورة» بالشراء، كما يجب أن يتوافر لديه حسن النية التي يجوز إثباتها بالقرائن، كأن يكون سعر البضاعة المشتراة هو سعرها السوقي بالفعل.