تحقيق: محمد ياسين

تشريعات وقوانين دولة الإمارات الخاصة بحقوق العمال والموظفين المواطنين والمقيمين، من أفضل القوانين في العالم، لاعتبارها العامل الطرف الأضعف في المعادلة، فحفظ المشرع حقوقه المادية والمعنوية، عبر مجموعة من القوانين التي تحميه وفق قضاء عادل.
والأساس أن تسير العلاقة بين الطرفين، طبقاً لما رسمه القانون، سواء من جهة الحقوق أو الواجبات، ولكن قراءة الواقع في النزاعات العمالية تؤكد أنها كالحبل المشدود والممدود بين أصحاب العمل والعمال، يجب ألا يتمكن أحد الطرفين من قطعه إلا بالقانون، والقضاء العادل النزيه. ويحدث أحياناً خلافات بين الطرفين، العامل وصاحب العمل، سواء خلال فترة العمل، أو عندما يريد العامل ترك العمل، سواء من أجل مغادرة الدولة أو الانتقال إلى مكان عمل آخر. وقد نظم القانون كيفية التعامل مع هذه الحالات، حيث يمكن أن تنتهي من خلال جلسة واحدة مع المختصين في وزارة الموارد البشرية، وهذا ما يحدث في حالات كثيرة، وفي حال تعثر ذلك يحال الأمر إلى القضاء ليبت في الأمر، وقد يستغرق نظر بعض القضايا وقتاً يراه العمال طويلاً، خاصة إذا لم يكونوا قد تمكنوا من الحصول على عمل، بما يمثل عامل ضغط عليهم قد يستغله بعض أصحاب العمل الذين يحاولون إطالة مدة نظر القضية، بما قد يؤدي بالعامل إلى القبول بتسوية يراها مجحفة. «الخليج» تسلط الضوء على هذه القضية، عبر تناول مجموعة من الحالات التي تشتكي مما يقوم به أصحاب العمل، وكذلك الحجج التي يطرحونها بالنسبة لسلوكات بعض العمال، ومن ثم تعرض للآراء القانونية حول هذه القضية مع بيان دور وزارة الموارد البشرية والتوطين والمحاكم العمالية لصيانة حقوق جميع الأطراف.
قال الموظف «م. أ» الذي كان يعمل في شركة تطوير عقاري، قام صاحب العمل بإقالته خلال فترة إجازته السنوية، ووقع خلاف بالنسبة لمستحقاته التي كفلها له القانون، وإلغاء إقامته من دون إنذار، ما دفع الموظف إلى التقدم بشكوى لدى وزارة الموارد البشرية والتوطين التي أحالت بدورها الشكوى إلى المحكمة العمالية.
وأضاف «م.أ» أنه وبعد الذهاب إلى الوزارة والاجتماع مع باحثها العمالي في ظل استمرار الخلاف مع صاحب العمل، أحيل الملف إلى القضاء، حيث استغل الأخير بعض الأمور لإطالة فترة التقاضي، لافتاً إلى أن فترة التقاضي زادت على ثمانية أشهر، ولم يحصل على مستحقاته العمالية بعد.
وأكد أن ظروفه المادية لا تحتمل المكوث في الدولة كل هذا الوقت من دون عمل، حيث يستهلك الكثير من المصاريف التي تتنوع بين «إقامة، ومعيشة يومية، فضلاً عن إجراءات التقاضي التي تلزم المدعي بالحضور بشكل شخصي لكل جلسة، وإلزامه بنشر إعلانات عن كل جلسة».
وأضاف الموظف أنه طلب منه، وفق آخر جلسة، دفع أتعاب الخبير التي حددت، إضافة لمصاريف شخصية تمثل ضغوطاً مادية ومعنوية تؤثر فيه حتى المرحلة النهائية للتقاضي.

تعسف صاحب العمل

وتحدث «أ. ر» موظف آخر، عن تعسف صاحب العمل وطرده بعد العمل لديه لمدة عام من دون أي إنذار، فقام الموظف بتقديم شكوى لدى وزارة الموارد البشرية والتوطين التي أحالت الشكوى على المحكمة العمالية، حيث نظرت القضية لأكثر من 6 أشهر، ومن ثم تم الحكم بتعويضه راتب شهر، وتذكرة سفر إلى دولته، لافتاً إلى أنه لا يعترض على ما حصل عليه ولكن كان يأمل إنجاز الأمر في وقت أسرع.
«ح. أ» أيضاً قصته مثل القصص التي سبقته، حيث كان يعمل سائقاً لمدة خمس سنوات في شركة تخليص معاملات، وزوجته أيضاً عملت لدى الشركة نفسها، لمدة سبعة أشهر، غير أن مالك الشركة ماطل بدفع رواتبهما الشهرية فقاما بالتقدم بشكوى لدى قسم الشكاوى العمالية في تسهيل، ومن ثم نظرت الشكوى كقضية عمالية طالب من خلالها الزوجان بدفع مستحقات تزيد على 50 ألف درهم.
وأضاف السائق خلال لقاء مع «الخليج» أن المبلغ الذي يعتقد أنه سيحصل عليه بعد التقاضي هو وزوجته قد يأتي متأخراً في ظل المصاريف المعيشية الكثيرة، وقد يسبب ذلك التأخر بمشكلات مادية لا يستطيعان تحملها.
وأما «م. ر» موظف آخر يعمل لدى شركة لوافد ترك شركته من دون إدارة، تساءل عن إمكانية نقل كفالة الموظفين، ما اضطرهم جميعاً إلى رفع دعوى استمرت لمدة عام تمكن فيها الموظف إلى جانب آخرين، وبحكم المحكمة في نهاية المطاف، من نقل كفالته لكنه تعرض لغرامات لكون إقامته انتهت خلال فترة النظر في القضية.
وتمنى أن تكون إجراءات نقل الكفالة الخاصة ببعض الشركات أسرع، حتى لا تمثل عبئاً على الموظفين، خاصة في حال مماطلة صاحب الشركة، أو عدم تواجده وإهماله الشركة.

حقوق محفوظة

من جهته أوضح المستشار جمال الجابري، رئيس المحكمة العمالية في محاكم دبي، أن دولة الإمارات لديها قوانين تحمي طرفي المعادلة وهما العامل وصاحب العمل، ولديها من البنية التشريعية والخبراء القانونيين ما يحفظ حقوق العمال، وأصحاب الأعمال، لافتاً إلى أن المحكمة العمالية تعمل على القضايا بشكل سريع ودقيق.
وأبان أن كل قضية تنظر أمام المحكمة العمالية لها حيثيات، وحتى يتمكن القاضي من النظر والحكم للعامل، أو صاحب العمل، يجب توافر المستندات السليمة التي قد يخفيها أحد طرفي القضية خلال فترة نظرها أمام المحاكم، أو عدم تقديم العامل معلومات صحيحة عن المنشأة التي يعمل فيها، وغيرها كثير من الأساليب التي يتبعها أحد أطراف القضية التي تطيل من فترة التقاضي.
وأضاف أن المحكمة العمالية تتعاون مع وزارة الموارد البشرية والتوطين، حيث تتولى الأخيرة بحث القضايا العمالية من قبل باحثين يعملون على تسوية الأمور بين طرفي النزاع العمالي قبل وصولها إلى المحكمة كمرحلة أولى، أما المرحلة الثانية فتكون من اختصاص القاضي الذي ينظر القضية محاولاً إنهاء النزاع والصلح بين الطرفين، مشيراً إلى أن 16% من القضايا العمالية التي نظرتها المحكمة في العام الماضي تم فضها من خلال الصلح أمام القضاة في الجلسة الأولى قبل أن يستمر النزاع، حيث تنظرها المحاكم العمالية بكل شفافية، وتصدر الأحكام العادلة بعد التيقن من الأوراق والبيانات الصحيحة، وقد يتطلب الأمر انتداب خبير محاسبي يقدم تقريره حول قيمة المستحقات.
وتقدم بمقترح للقيادة العليا في المحكمة أن تنظر القضايا العمالية بدرجتيها الابتدائية والاستئناف من دون وصولها إلى التمييز، وإنشاء مراكز لفض المنازعات العمالية أسوة بمراكز فض النازعات الإيجارية حتى يتم تسريع عملية الفصل في القضايا العمالية.

فترة التقاضي مناسبة

قال المحامي علي الزرعوني، إن دولة الإمارات تولي اهتماماً بحماية حقوق العمال، يؤكد ذلك حرص المشرع الإماراتي على سن تشريعات حديثة في مجال العمل في الفترة الأخيرة، إضافة إلى التطوير الدائم في إجراءات التوظيف، ومراقبة أصحاب العمل لضمان حقوق العاملين، وفي ضوء حرص الدولة على التطوير المستمر لنظم العمل في المحاكم، أعتقد أن فترة التقاضي في القضايا العمالية مناسبة في أغلب الأحوال.وأوضح أن هناك عدة أسباب تسببت بإطالة فترة النظر في القضايا العمالية، من بينها حاجة القاضي في بعض الدعاوى إلى رأي الخبراء الفنيين، فضلاً عن مماطلة طرفي الخصومة وعدم تحضيرهما مذكرات للدفاع. وقال إن حل تأخير النظر في القضايا العمالية يكمن في الاستعداد وتجهيز المستندات، وتجهيز الدعوى قبل عرضها على القاضي، وأيضاً تخصيص إدارة للخبراء العماليين، يتم تكليفهم بإيداع تقرير على وجه السرعة في المسائل التي تحتاج إلى دراية فنية، بما يوفر الجهد والوقت والمال، ويمنع مماطلة الخصوم. واقترح تشكيل مركز لفض المنازعات العمالية، أسوة بمركز فض المنازعات الإيجارية، تكون له صلاحية فض النزاع قضائياً، بعد عرض التسوية الودية على الطرفين.

سبب إطالة التقاضي

وقال المحامي أحمد علي المعمري، إن سبب إطالة النظر في القضايا العمالية لكونها مجانية يرفعها عمال على أصحاب العمل أمام المحاكم من دون وجه حق؛ الأمر الذي زاد من القضايا المنظورة أمام المحاكم، ومن ثم سبب ضغوطاً عليها، وأقترح أن يكون هناك رسوم رمزيه يلتزم العامل بدفعها حتى يفكر في الخسائر التي قد تنتج جراء رفع الدعوى.
وأشار إلى أن هناك أسباباً أخرى تدفع بعض الفئات من العمال لرفع الدعوى العمالية على أصحاب العمل، من بينها الرغبة في العمل لدى شركة أخرى مستفيدين من التصريح الذي تمنحه لهه وزارة الموارد البشرية والتوطين لتكون إقامتهم في الدولة بشكل قانوني، حيث إنه وفقاً لقانون العمل الاتحادي يسمح للعامل الذي تنظر قضيته أمام المحاكم بالإقامة والعمل حتى تنتهي قضيته العمالية بشكل نهائي. موضحاً أن تلك الأفعال تنتج في العادة عن أصحاب الحرف البسيطة.
ولفت إلى أن هناك قضايا أخرى يماطل فيها صاحب العمل أيضاً، مثل حجب مستندات لإطالة فترة التقاضي الأمر الذي يزيد من العبء على العامل، ويجعله يرضخ إلى ما يمليه عليه صاحب العمل، ويقبل بما يعرضه عليه من تسوية.

سرعة الإجراء

تلقت «الخليج» رد وزارة الموارد البشرية والتوطين حول الآليات التي تتبعها الوزارة عند تلقي الشكاوى العمالية، حيث أوضحت أن هناك إجراءات ميسرة لتلقي الشكاوى، وكذلك التعامل معها، حيث يتم أولاً التقدم بالشكوى العمالية عن طريق مراكز الخدمة (تسهيل)، أو عن طريق الخدمات الذكية، بعدها يتلقى مقدم الشكوى رسالة نصية تتضمن رقم الشكوى.
تليها مرحلة قيام الموظف المختص بمتابعة الشكوى عن طريق الاتصال بالمشتكي، وسماع الشكوى، ومحاولة حلها هاتفياً بالاتصال بالطرف الآخر، فإذا تم حل الشكوى يتم إغلاقها عبر النظام بالتسوية.
أما إذا تعذرت التسوية عبر الهاتف فإنه يتم إرسال رسالة نصية لتحديد موعد للحضور إلى ديوان الوزارة، ومناقشة الشكوى من قبل باحث قانوني مؤهل، الذي يحاول بحضور الطرفين التوصل إلى تسوية ودية بينهما، فإذا تم حل الشكوى يتم إغلاقها بالتسوية عبر نظام وزارة الموارد البشرية والتوطين، وفي حال تعذرت التسوية الودية تتم إحالة الشكوى إلى القضاء.

مماطلة العمال

أكد عدد من أصحاب الشركات أن السبب الرئيسي في رفع الدعوى العمالية يعود إلى الموظفين أنفسهم بعد الاستغناء عن خدماتهم، حيث يقومون برفع الدعاوى والمماطلة حتى يستغلوا فترة التقاضي للبقاء في الدولة؛ مستفيدين من تصاريح العمل التي تصدرها المحكمة العمالية لمدة ستة أشهر تجدد بمدة مماثلة.
وقالوا إن هناك بعض الجنسيات تستغل هذا التصريح للعمل في شركات أخرى، متحملين عبء الحضور للمحاكم وكتابة مذكرات ومصاريف وأتعاب المحاماة وغيرها، مناشدين القضاة بسرعة الفصل في القضايا العمالية.

آلية تقديم الشكاوى العمالية

1- تلقي الطلب من العامل من خلال مراكز تسهيل أو عن طريق الخدمات الذكية

2- يقوم الباحث العمالي بالاتصال بالعامل وصاحب العمل ومحاولة حل الشكوى

3- إذا تم حل الشكوى يتم إغلاقها بعد التسوية

4- في حال تعذرت التسوية تحدد وزارة الموارد البشرية والتوطين جلسة لطرفي الشكوى والاجتماع بالباحث القانوني في محاولة أخرى لتسوية الأمر بين الطرفين، فإذا تمت التسوية يتم إغلاقها عبر نظام الوزارة

5- في حال تعذرت التسوية تحال إلى القضاء

6- يقوم القاضي بمحاولة للتسوية في الجلسة الأولى

7- إذا تعذرت التسوية تنظر أمام المحكمة العمالية الابتدائية ويقدم كل طرف ما لديه من مستندات

8- تحال بعض القضايا إلى خبراء لتحديد المبالغ المستحقة على صاحب العمل

9- يتم إعلان المدعى عليه بمواعيد الجلسات من خلال النشر

10- يتم الحكم بالمحكمة الابتدائية

11- يستأنف الطرف الآخر القضية وتنظر بمحاكم الاستئناف وبعض القضايا العمالية تصل إلى التمييز