حوار: إيهاب عطا

كشف المستشار إسماعيل مدني رئيس نيابة الأموال العامة بدبي، أسراراً تنشر لأول مرة حول أسباب وتحديات إنشاء نيابة الأموال العامة في دبي، وعلاقتها بالأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، إضافة إلى الدور الذي تقوم به النيابة العامة بدبي من المشاركة في جولات المفاوضات بشأن الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتسليم المجرمين، بالإضافة إلى مساهمة النيابة العامة في التعديلات التشريعية للقوانين المتعلقة بجرائم الوظيفة العامة وجرائم الاعتداء على المال العام.
وأشار في حوار مع «الخليج» إلى أن دولة الإمارات تعتبر من الدول السباقة في مكافحة الفساد بإشادة الكثير من التقييمات الدولية، منوهاً إلى مجيء الدولة في المرتبة الأولى عربياً وال 21 دولياً في مكافحة الفساد بحسب تقييم مؤشر الشفافية العالمي في مكافحة الفساد.
وأكد أن تعديل قوانين الرشوة وغسل الأموال ضيّق أساليب الإجرام، حيث نصت التعديلات على عدم انقضاء الدعوى الجزائية في جرائم الفساد بمضي المدة، ولا تسقط العقوبة المحكوم بها.
وفيما يلي نص الحوار:

** بداية لنتعرف على أهم التحديات التي واجهت نيابة الأموال العامة عند نشأتها وعلاقتها بالأزمة الاقتصادية العالمية في 2008؟
- الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008، هددت العالم بأسره وتسببت في خسائر دول العالم بما لا يقل عن 850 مليار دولار، وكشفت الغطاء في بعض الدول عن مساوئ كبيرة في سلوكيات كان يقوم بها أشخاص، ما دفع العديد من دول العالم إلى اتخاذ الإجراءات وإصدار القوانين في شتى المجالات لمعالجة تلك الأزمة والتخفيف من شدتها ولتوجيه المعاملات الاقتصادية، لجعلها أكثر أخلاقية لتحقيق وظيفتها في خدمة التنمية والإنتاج، وتدعيماً لتلك الجهود؛ باشرت النيابة العامة في دبي باتخاذ الإجراءات الكفيلة للقضاء على تلك النوعية من صور الفساد، وتم التركيز على جرائم الوظيفة العامة وجرائم الاعتداء على المال العام الواردة في قانون العقوبات الاتحادي، منها على سبيل المثال «الرشوة والتربّح والاستيلاء والاختلاس والغش في العقود»، من خلال إنشاء نيابة الأموال العامة بالقرار رقم 70 لسنة 2009 والذي أصدره النائب العام لإمارة دبي المستشار عصام عيسى الحميدان، لردع كل من تسول له نفسه في ارتكاب تلك النوعية من الجرائم.

قضايا الفساد

** وماذا عن أسلوب التحقيق بعد إنشاء نيابة الأموال العامة؟
- يقوم مكتب رئيس نيابة الأموال العامة باستلام البلاغات والشكاوى الواردة من جميع مراكز الشرطة، المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، المؤسسات الخاصة، وأفراد المجتمع في نطاق إمارة دبي، فضلاً عن القضايا المحالة من النيابة الأخرى والمحالة إلى نيابة دبي للاختصاص المكاني، وذلك في نطاق جرائم الأموال العامة التي نص عليها القرار رقم 70 لسنة 2009، ومن ثم بعد دراسة الملف الوارد بشكل أوّلي من قبل رئيس نيابة الأموال العامة أو من يفوضه، يتم اختيار أحد أعضاء نيابة الأموال العامة لمباشرة التحقيق فيها والتصرف قانوناً بما تسفر عنه التحقيقات والأدلة، ويتم توزيع الملفات على الأعضاء بنظام دوري، وقد تستدعي ظروف الملف الوارد تشكيل فريق داخلي بين أعضاء النيابة للتحقيق فيها، مثل القضايا التي تكون الاختلاسات فيها مبالغ مالية كبيرة وأدلتها عابرة لحدود دولة الإمارات موجودة في بلدان مختلفة.

جهود المكافحة

** الفساد يعطل عجلة الإنتاج والاقتصاد، فما هي جهود الدولة في مواجهته ودور نيابة الأموال العامة في ذلك؟
- كما نعلم أن النيابة العامة أمينة على الدعوى العمومية وعلى حقوق المجتمع، وحريصة بأن ينال كل إنسان وكل جهة عامة أو خاصة حقوقهما، ولما لها من دور في الحفاظ على أموال وممتلكات جميع الموجودين على أراضيها، ونحن من الدول السباقة في مكافحة الفساد بإشادة الكثير من التقييمات الدولية ومنها تقييم مؤشر الشفافية العالمي في مكافحة الفساد الذي وضع الدولة في مرتبة متقدمة ولابد أن نشير إلى الإشادة التي تلقتها الدولة من قبل التقييم الذي خضعت له الدولة وفق آلية الاستعراض في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، فانضمام دولة الإمارات إلى تلك الاتفاقية وما شملته تلك الاتفاقية من 71 مادة مقسمة إلى 8 فصول، وما اتفقت عليه الدول المنضمة إلى تلك الاتفاقية بتنفيذ عدة تدابير لمكافحة الفساد، تهدف إلى منعه وتجريم أفعال الفساد وتعزيز إنفاذ القانون والتعاون القضائي الدولي، وتوفير آليات قانونية فعالة لاسترداد الموجودات وتبادل المعلومات، وآلية تنفيذ الاتفاقية وخضوع دولة الإمارات للتقييم الشامل لمدى امتثالها بأحكام الاتفاقية بواسطة فريق استعراض مكون من خبراء دوليين ممثلين عن أمانة مؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية، وأعضاء فريق الخبراء الذين كلفوا باستعراض جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا المجال، وقد تم الإشادة بدور دولة الإمارات في مكافحة الفساد وتم الإشادة بالقانون الاتحادي في شأن مواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب بالإضافة إلى الإشادة بقانون التعاون القضائي الدولي الاتحادي في المسائل الجنائية وتوافقه مع متطلبات التعاون الدولي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، فضلاً عن الإشادة بالتعديلات التي تمت بقانون العقوبات الاتحادي المتعلقة بجرائم الفساد وبالمرونة في استخدام الإطار القانوني في تلك القوانين، لمجابهة جميع أعمال الفساد، وعلى سبيل المثال لا الحصر تم تجريم تقديم الرشوة في القطاع الخاص، تجريم تقديم الرشوة وتلقيها من طرف الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المنظمات الدولية، وفي قانون مواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب (تم توسيع النطاق العام للجرائم الأصلية المتعلقة بغسل الأموال، ولم تعد ترد على جرائم معينة على سبيل الحصر)، الأمر الذي أدى إلى تضييق الأساليب الإجرامية على مرتكبيها.

أهم التعديلات على القانون الاتحادي

** على ذكر التعديلات القانونية، ما أهم تلك التعديلات التي أدخلت على نصوص القوانين وساهمت في مواجهة قضايا الفساد المالي داخل الدولة؟
- هناك تعديلات كثيرة تمت على القانون الاتحادي فيما يخص جرائم الفساد وجرائم الأموال العامة، مثل تعديل المادة 234 والتي تنص على أنه «يعاقب بالسجن المؤقت كل موظف عام أو مكلف بخدمة عامة أو موظف عام أجنبي أو موظف منظمة دولية»، وهذا الأمر لم يكن وارداً ضمن النص القديم للمادة وأصبح ممكناً توجيه التهمة إلى الموظفين بالهيئات والمنظمات الدولية، كما تم إلغاء المادة 235، 236، واستحداث مادة جديدة هي 236 مكرر والتي تنص على أنه «يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل شخص يدير كياناً أو منشأة تابعة للقطاع الخاص»، ومن الجدير بالذكر أن تعديل قوانين الرشوة وغسل الأموال ضيّق أساليب الإجرام.

عقوبات تكميلية

** إذاً معظم التعديلات كانت واجبة وضرورية لمواجهة ثغرات في القوانين القديمة؟
- ليست ثغرات بقدر ما أنها مواكبة للتغيرات في الجرائم، فنجد أنه هناك مواد تم استحداثها جرّمت وقائع لم تكن مدرجة من قبل مثل المادة (239) مكرر 1 والتي تعالج الجرائم المرتكبة خارج الدولة إذا كان الجاني أو المجني عليه من مواطني الدولة، أو إذا وقعت من موظف في القطاع العام أو الخاص بالدولة أو وقعت على المال العام، وكذلك المادة (239) مكرر 2 المستحدثة والتي أوضحت بعدم انقضاء الدعوى الجزائية في جرائم الفساد بمضي المدة، ولا تسقط العقوبة المحكوم بها ولا تنقضي الدعاوى المدنية الناشئة أو المتربطة بها، بالإضافة إلى التعديل الذي تم في المادة (227)، وذلك بتجريم التسبب غير العمدي المرتكب من الموظف العام أو المكلف بخدمة عامة والتي لم تكن أيضاً مدرجة من قبل، وتم إضافة عقوبات تكميلية وتبعية لتلك الجرائم بعضها تكميلية وجوبية مثل المادة (230) التي تلزم في جرائم اختلاس المال العام برد المبلغ المختلس وبغرامة مساوية لقيمة المال موضوع الجريمة أو المتحصل منها على ألاّ تقل في التعديل الذي تم في تلك المادة عن 5000 درهم، وبعضها تكميلية جوازية مثل المادة (81) بجواز عزل الموظف العام بعد صدور حكم بإدانته مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات.

العلم بالتزوير

** هناك وقائع تزوير يشارك فيها موظفون عموميون لكن لا توجه لهم تهمة التزوير لأنهم كانوا حسني النية، كيف تفسر ذلك؟
- لابد أن نوضح هنا أن كثيراً من التعديلات في مواد القانون فيما يخص التزوير هدفه غلق الباب أمام مرتكبي جرائم الفساد وعدم الإفلات من العقاب، وكذلك مواكبة التحديث الحاصل في المنظومة الحكومية والاعتماد على الأرشفة الإلكترونية؛ حيث تتم كل المعاملات إلكترونياً، ومن ثم فإن حسن النية ليس وحده كافياً لعدم التورط في جناية التزوير، لكن كونه موظفاً عاماً يمارس وظيفته دون علم بالتزوير فيتوجب إثبات ذلك كي لا يتم إقحامه بمشاركة المتهم في ارتكاب جريمة التزوير، وقد نص عليه القانون وتمت مراعاته حتى بعد التعديل لتحديد متى تكون المشاركة في جرائم التزوير، فيعاقب المتهم بالحبس إذا استخدم صورة مزورة لمحرر رسمي أو غير رسمي أيضاً، وفي كلتا الحالتين لا بد من العلم بالتزوير حتى تنطبق عليه العقوبة، لأن ركن العلم من الأركان المكونة للجريمة.

تنسيق

** كيف يتم التنسيق أو الفصل بينكم وبين النيابات التخصصية الأخرى لديكم في النيابة العامة بشأن الجرائم الإلكترونية؟
- إن قرار النائب العام لإمارة دبي واضح بشأن الجرائم التي تختص بها نيابة الأموال العامة، وبصفة عامة فإن جرائم تقنية المعلومات ليست من اختصاص نيابة الأموال العامة، إلا إذا كانت مرتبطة بجريمة من جرائم الفساد كجريمة الرشوة مثلاً أو اختلاس مال عام من قبل موظف عام أو مكلف بخدمة عامة.

المؤشرات

** وماذا عن مؤشرات الأداء في نيابة الأموال العامة؟
- أريد أن أوضح أنه من الأهداف الاستراتيجية المهمة في النيابة العامة ويعتبر هدفاً استراتيجياً أول، عدالة وكفاءة إجراءات التحقيق والاتهام، ومن العمليات الرئيسية لهذا الهدف هو (التحقيق والاتهام والتصرف)، وقد حرصت النيابة العامة بناءً على توجيهات النائب العام لإمارة دبي بربط العملية الرئيسية لذلك الهدف الاستراتيجي بمؤشرات استراتيجية، ومن أهم تلك المؤشرات دقة التحقيق والاتهام وسرعة التحقيق والتصرف، وبالنسبة لنيابة الأموال العامة فقد بلغت نتائج مؤشرات دقة التحقيق والاتهام في 2017 (77%) وهذه تقاس بعدد القضايا المحكومة من المحاكم، وبلغ مؤشر سرعة التحقيق والتصرف (82.6%)، ونحن أحياناً نكون في حاجة لإسراع إنهاء التحقيق خاصة في قضايا الرأي العام، وأما في 2018 فحتى الربع الثاني، بلغ مؤشر دقة التحقيق والاتهام (86.5%) ومؤشر سرعة التحقيق والتصرف (84.6 %)، ورغم أن النتيجة مرضية لكننا نسعى إلى 100%.

تبرئة المتهم

** هناك قضايا يتم تبرئة المتهم في مرحلة الاستئناف هل معنى ذلك أن تحقيقات النيابة كانت قاصرة؟
- قانون الإجراءات الجزائية الاتحادي، حدد إجراءات المحاكمة في الدعاوى الجزائية، سواءً فيما يتعلق بنظام الجلسات وإجراءاتها أو فيما يتعلق بالشهود والأدلة وإجراءات نظر الدعوى الجزائية بمراحلها الثلاث (ابتدائي - استئناف - تمييز)، وللمحكمة المنظورة أمامها، وزن الأدلة المقدمة من النيابة العامة وتمحيصها ولها الأخذ بها أو طرحها جانباً، ولكن يترتب عليها التسبيب في حكمها بأسباب الإدانة أو البراءة حتى يتسنى للنيابة العامة الموافقة على حكمها أو استئناف الحكم في حالة ما ارتأت أن الأسباب التي بنى عليها القاضي أو المحكمة حكمها، غير مقبولة أو لا توافق عليها النيابة العامة وكما ذكرت فقد حددت القوانين النافذة إجراءات المحاكمة وفقاً لما سبق ذكره، فالنيابة العامة خصم شريف في الدعوى؛ فقد تطلب من المحكمة تبرئة المتهم في حالة ظهور أدلة جديدة في صالحه

رد الاعتبار

أوضح رئيس نيابة الأموال العامة بأن القانون الاتحادي رقم 36 لسنة 1992 في شأن رد الاعتبار؛ حدد إجراءات رد الاعتبار للمحكوم عليه بعقوبة جنائية أو بعقوبة جنحة، فيرد الاعتبار بحكم القانون إذا كان الحكم بعقوبة جناية ومضت 5 سنوات على تنفيذ العقوبة أو العفو عنها أو سقوطها بمضي المدة، وإذا كان الحكم بعقوبة جنحة ومضت 3 سنوات على تنفيذ العقوبة أو العفو عنها، إلا إذا كان الحكم قد اعتبر المحكوم عليه فيها عائداً أو كانت العقوبة سقطت بمضي المدة فتكون المدة 5 سنوات، ويرد بحكم من المحكمة إذا مضت من تاريخ انتهاء التنفيذ أو صدور العفو مدة سنتين إذا كانت العقوبة جناية أو سنة واحدة إذا كانت العقوبة جنحة.
ونص القانون على إجراءات تقديم طلب رد الاعتبار أمام النيابة العامة، حيث يقدم طلباً يتضمن صورة الحكم الصادر على طالب رد الاعتبار وصحيفة الحالة الجنائية وتقرير عن سلوكه خلال فترة التنفيذ، وتقريراً عن أحواله من الشرطة في الأماكن التي أقام فيها بعد التنفيذ فضلاً عن أن القانون بين إجراءات نظرها من قبل المحكمة.

تسليم المجرمين

رداً على سؤال حول تسليم المطلوبين والمتهمين في جرائم فساد الهاربين في دول أخرى وعددهم، بيّن المستشار إسماعيل مدني، أن هذا الموضوع يعتبر من أولويات القيادة السياسية للدولة وأجهزتها الحكومية وسعت دولياً إلى بذل الكثير من الجهود في هذا الشأن، وتواصلت مع العديد من جهات إنفاذ القانون المختصة بمكافحة الفساد على المستوى الدولي، فانضمت الدولة إلى العديد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية والثنائية في مجال تسليم المجرمين والمساعدات القضائية المتبادلة في المسائل الجنائية ونقل المحكوم عليهم، فضلاً عن تعاونها مع الكثير من المنظمات الدولية في هذا الشأن ودخولها في تقييمات دولية على مستوى الجهات القضائية والجهات التنفيذية.
ولا تقل الاتفاقيات الثنائية التي وقّعتها الدولة على سبيل المثال عن 40 اتفاقية ثنائية، ومن خلال تعاوننا في تسليم الأشخاص المطلوبين قمنا العام الماضي بتسليم 176 شخصاً، وخلال العام الجاري استلمنا حتى الآن 168 ملفاً وأتوقع أن نتجاوز 200 ملف بنهاية العام الجاري.