«يخرج من ظهر العالم فاسد»، عبارة لم تأت من فراغ أو جاءت من العدم، فالمعهود من التقنيات الحديثة منذ نشأتها وتطورها المتسارع، الخروج بمخرجات معقدة التكوين بسيطة الاستخدام والتطبيق، جعلت العديد من الأمور الحياتية أسهل ما يكون وأشبه ما يمكن بغرفة تحكم عن بعد، كما هي الحال مع العقول البشرية المطورة والمنفذة لتلك التقنيات، من تسخير جهودها لخدمة البشرية، جرت العادة أيضاً أن تُخرج تلك العقول بذوراً شيطانية، سخرت إمكانيتها وكل ما أوتيت من علم لتردي ما آلت إليه تلك التقنيات الإيجابية إلى الهلاك والنفاذ.
ورغم جهود الشركات المستمرة لسد الثغرات، وصد تطفل الفاسدين، إلى جانب القوانين الرادعة لحفظ الآمن وتحجيم جرائم تقنية المعلومات، إلا أنها لم تثن ضعاف النفوس عن استسلامهم لأهوائهم، ومنع تلصصهم غير المبرر على الآمنين.
لم تسلم أسرة عربية مؤخراً، من الوقوع في فخ التلصص عبر كاميرات مراقبة بمنزلها، ثبتت في المقام الأول بهدف متابعة ما يدور بالمنزل أثناء غياب أفرادها، غير مدركين أنها ستستخدم كوسيلة لمراقبتهم شخصياً، هذا ما حدث عندما واجهت الأسرة توقف بعض الكاميرات عن العمل، حيث طلبت الزوجة من زميل لها وهو مهندس تقنية عربي يعمل بجهة عملها مساعدتها لإصلاح الكاميرات، وقام بذلك، إلا أنه بعد مضي فترة من الوقت ثارت شكوك لدى الأسرة حول وجود شخص يقوم بمراقبتهم عبر الكاميرات ما اضطرها لإبلاغ شرطة الشارقة، ومن خلال البحث التقني تبين بالفعل أن بعض الكاميرات المثبتة بالمنزل متصلة بتطبيق يسمح بمتابعة ومشاهدة كل ما يقع خلف الكاميرات، ونقله إلى طرف مجهول، حيث توصل البحث والتحري التقني إلى مصدر المراقبة وتحديد موقعه، وبعد اتخاذ الإجراءات القانونية ومداهمة الموقع ألقي القبض على المشتبه فيه، وتبين أنه المهندس الشاب الذي سبق أن عهدت إليه الزوجة بإصلاح الكاميرات، إذ استغل مساعدته للأسرة في الحصول على رمز الدخول للكاميرات والتلصص على ما يدور داخل المنزل، وبتفتيش مقر سكنه تبين وجود جهاز حاسوب مزود بخادم ذي سعة كبيرة يضم مجموعة كبيرة من الصور الخاصة التي تمكن المشتبه فيه من الحصول عليها من خلال تطبيق خاص يتصل بالصورة والصوت بكاميرات المراقبة المستخدمة في العديد من المواقع والمساكن، وبالتحقيق مع المذكور اعترف بحيازته الصور ومقاطع الفيديوهات والأجهزة الإلكترونية التي تم ضبطها والتي يحتفظ بها كهواية خاصة، وأنه استمر بهذا النشاط لعدة أشهر.
أحداث فردية النوع عظيمة الأثر في مجتمعاتنا، كان لابد من الوقوف عندها والاحتراز منها، بغية أخذ الحيطة والحذر، فعمدت «الخليج» إلى تسليط الضوء عليها من خلال التحقيق التالي.
يقول إبراهيم سعيد بطي «وجود كاميرات المراقبة المنزلية صار أمراً ضرورياً وغاية في الأهمية، فهي وسيلة لحفظ الأمن والأمان، ووجودها يعد خط دفاع أول، ضد كل من تسول له نفسه الإقدام على السرقة أو محاولة التسلل إلى المنزل من الغرباء، ولكن يجب أن لا نغض الطرف عن سلبياتها واستخدامها بكامل الحيطة والحذر، فعلى سبيل المثال، أضطر لتثبيت عدد من الكاميرات في محيط منزلي، الحديقة الخارجية ومداخل المنزل، إضافة إلى مواقف المركبات الخاص بمنزلي، فهي مهمة لمراقبة المنزل خارجياً في حال تواجدي بالخارج والاطمئنان على أسرتي، وفي الوقت ذاته هي حماية لي ولأبنائي، أثناء تواجدهم في تلك النقاط، وقد ألجأ أحياناً لتثبيت عدد منها في أماكن تواجد العمالة المنزلية، كوسيلة لضمان أمانتهم في العمل والتعامل مع الأطفال».
وأرى أنه لا ينبغي وضع الكاميرات في غرف النوم وكل الأماكن التي تحمل خصوصيات أفراد الأسرة، خاصة أنها تعتمد في عملها على الارتباط بالشبكة العنكبوتية، ما يجعلها غير آمنة لكونها سهلة الاختراق والتعقب من قبل الغرباء، خاصة في حال تعطلها ولجوء البعض للتقنين للصيانة والتصليح، ما يجعل جميع البيانات والأرقام السرية متاحة لهم ويظل التحلي بالأمانة هو النقطة الفارقة بين الخبيث والطيب في حفظ الأسرار وعدم تتبعها، اقتناعي بأن مختلف أنظمة كاميرات مراقبة المنازل يمكن الوصول إليها وتتبعها وصعوبة الحذر منها بشكل كامل، قادني لاستخدمها بشكل مقنن ومدروس في الأماكن الخارجية فقط، أنصح بالقراءة جيداً عن استخدام الكاميرات المنزلية، والتأكد من تغيير كلمة السر الخاصة بنظام التشغيل في حال تصليح الكاميرات، فمنازلنا وأسرنا أمانة في أعناقنا».
رقابة التجارة
يقول عبدالله عيسى بن فاضل:»استخدام الكاميرات للمراقبة، يعد الحل الأمثل للتجار وأصحاب المحال، فهي وسيلة مضمونة وميسرة لصاحب المحل في عكس الصورة الكلية لما يدور في العمل أثناء غيابه، وهي أسلم طريقة لضمان الحقوق ومراقبة سير العمل، وأيضاً مهمة لاختبار ضعاف النفوس وسيئي النية، كما أنها أداة تواصل عالية الجودة في حال استخدام بعض الكاميرات المعدة للتواصل بالصوت والصورة، إذ تتيح لصاحب المحل التواصل مع العمالة في أي وقت وتوجيههم، دون الحاجة للحضور والتحدث بشكل مباشر، كما أنها مهمة كذلك في حال وضعها في محيط المحل، فدورها هنا أمني ويحمي التجار من المتسللين واللصوص، وهي وسيلة لمساعدة الأجهزة الأمنية في التوصل إلى مرتكبي جرائم السرقة والاعتداء على المحال التجارية.
أجد دائماً أن تواجد كاميرات المراقبة لا يجب أن يقتصر على التواجد في الطرقات الخارجية والداخلية فحسب، بل هي مهمة أيضاً في المنازل وداخل المحال التجارية، وكذلك عند بوابات المساجد والمستشفيات والأماكن العامة، والتعامل معها يجب أن يكون عن دراية كاملة خاصة لدى الأهالي وأرباب الأسر، فكما لها إيجابيات لا تحصر في حفظ الأمن ومراقبة الأبناء والممتلكات، لها سلبيات في حال الاختراق والوصول إلى الخصوصيات».
تقنية لابد من الإلمام بها
وبالعودة إلى الجانب التقني يقول مهندس البرمجيات حاتم محمود عويس:» أنواع وأشكال كاميرات المراقبة بشكل عام عديدة ولا حصر لها، ولكن منها الأشكال الواضحة التي تسهل على العين رؤيتها ككاميرات المراقبة ومنها المتخفي وعلى أشكال كثيرة مثل (مرآة أو رشاش المياه المعلق في السقف) وغيرها من الأشكال التي لا يمكن رؤيتها بسهولة، وتظهر منها العدسات للتصوير والتسجيل، ولكن في مجمل الأمر الغرض واحد وهو الرقابة ومتابعة ما يدور داخل وفي محيط المكان المثبتة فيه، كما أن لتلك الكاميرات العديد من الأنظمة الملحقة بها، فيصعب على المستخدم العادي التعامل معها وتثبيتها دون اللجوء إلى ذوي الاختصاص من العاملين بالشركات المتخصصة في تركيب الكاميرات، فيقل الوعي لدى العديد من المستخدمين بتلك الأنظمة، وينحصر العمل على تركيب الكاميرا وما يلحق بها من برامج وأنظمة تشغيل، وحتى صيانتها وتصليحها على الغرباء، وهنا يقتصر دور صاحب الكاميرا على مراقبتها من خلال عدد من التطبيقات الذكية المثبتة على هاتفه المتنقل، أو حتى عبر جهاز الحاسوب.
بدورنا نعمل كاختصاصين في مجال تقنيات المعلومات، على عرض الصورة الكاملة لدى أصحاب المنازل والشركات وكل من له الرغبة في تثبيت كاميرات مراقبة، عن ألية تشغيل وإيقاف عمل الكاميرات، وطريقة التسجيل عبر اتصالها بالإنترنت، وإشراكهم في متابعة تثبيت الكاميرات، وعملية تسجيل البيانات الخاص بهم كاسم المستخدم وكلمة السر الخاصة بالنظام، وكيفية تغييرها في أي وقت ممكن، لضمان احتفاظ صاحب الكاميرات بسرية المعلومات الخاصة به دون غيره، وهو ما يؤمن خصوصيات وعدم تعرضه للتلصص من التقنيين غير الأسوياء، إذ يسهل على هؤلاء تتبع الكاميرات عن بعد دون العودة لأصحاب الكاميرات في حال احتفاظهم بكلمة سر تشغيل النظام، مع علمهم السابق برقم ال (IP) الخاص بالكاميرا؛ ويجب على صاحب الكاميرات أن يسأل الشركة عن كيفية تغيير اسم المستخدم وكلمة السر.
القانون حد من انتشارها
قال النقيب محسن أحمد، مدير فرع الجرائم الإلكترونية في إدارة التحريات والمباحث الجنائية بالقيادة العامة لشرطة الشارقة: «تصنف عملية اختراق كاميرات المراقبة المنزلية أو التجسس ضمن الجرائم الإلكترونية، بحسب مرسوم بقانون اتحادي برقم 5 لعام 2012، بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، فيما ساهم تطبيق القوانين الصارمة والرادعة في حق الجناة والمدانين، بتقنين الجرائم الإلكترونية والحد من انتشارها، ومنها استراق السمع أو اعتراض أو تسجيل أو نقل أو بث أو إفشاء محادثات أو اتصالات أو مواد صوتية أو مرئية كاختراقات وسرقة المعلومات ونقل أو تسجيل البيانات، واعتبرها حالات فردية ليست بالظاهرة المقلقة، إذ لم تُرصد مثل تلك الحالات في إمارة الشارقة خلال الفترة الماضية.
واعتمدت إمارة الشارقة عدداً من الشركات المعتمدة والمسجلة لدى القيادة العامة لشرطة الشارقة، من خلال تزويدهم بتصاريح أمنية تمكنهم من مزاولة مهنة تركيب وتثبيت كاميرات المراقبة المنزلية وغيرها، بعد التحصل على بياناتهم كافة، وكذلك التأكد من إمكانيتهم وقدراتهم التقنية، وتعمل الشرطة بدورها على إبلاغ تلك الشركات بضرورة تعليم العملاء على تلك التقنيات، ومعرفة كيفية تغيير الأرقام السرية واسم المستخدم في أي وقت، وعليه نوجه الأسر والجمهور الراغبين باستخدام الكاميرات في منازلهم باللجوء لهذه الشركات، ويمكن طلب خدماتها عبر التواصل مع شرطة الشارقة لدى فرع التراخيص التابع لإدارة التحريات بالدور الأرضي.
وفي حال التأكد من وجود خلل في كاميرات المراقبة المثبتة في المنزل، لا بد من العودة إلى التقنيين لفحص الكاميرات وأنظمة التشغيل، وإذا نفى التقني وجود أي خلل رغم رصد رب الأسرة حركات غريبة أو أصوات غير مألوفة صادرة عن الكاميرا، حينها يلزم على المتضرر التواصل بشكل مباشر مع الشرطة، والتي بدورها عند تلقي البلاغ المتعلق بحالات اختراق كاميرات المراقبة المنزلية، تتعامل معه بسرية تامة لما تحمله المنازل من أسرار، وحرصاً على ضمان حفظ خصوصية تلك البلاغات، يتم جمع البيانات المطلوبة من الضحية كافة، والتحقق بشكل فوري من البلاغ المقدم والوصول إلى نظام تشغيل الكاميرات للتأكد من اختراقها من خلال دخلاء عن طريق رقم ال IP الخاص بالكاميرا، خاصة أن الكاميرات المعتمدة في نظام تشغيلها على الاتصال بالشبكة العنكبوتية معرضة للاختراق عبر بعض التطبيقات الذكية، وعليه يتم تشكيل فرق تقنية وأخرى ميدانية، لتتبع المخترقين والتوصل إلى أماكنهم وضبطهم على الفور.
وننصح في إدارة التحريات والمباحث الجنائية بشرطة الشارقة الجمهور، في حال رغبتهم بتثبيت كاميرات مراقبة داخل المنازل، عدم اللجوء لأفراد عاديين لا يحملون ترخيصاً لمزاولة المهنة، بل التعامل مع الشركات المعتمدة والمرخصة، وأيضاً اختيار كاميرات ذات جودة عالية، والأخذ بعين الاعتبار أن تلك الكاميرات خصصت لمراقبة الغرباء لا لمراقبة الذات، وعليه لا يجب على أصحاب المنازل تشغيلها على مدار الساعة، والاكتفاء بتشغيلها أثناء عدم تواجدهم بالمنزل، كما أنه من الضروري عدم توصيل تلك الكاميرات بشكل مباشر عبر الشبكة العنكبوتية خاصة المثبتة داخل غرف النوم أو غيرها من الغرف ذات الخصوصية، والاعتماد على أجهزة التسجيل الداخلية في المنزل، لأنه في حال سرقة رقم ال (IP) الخاص بالكاميرا، يمكن اختراقها طالما وصلت بالشبكة العنكبوتية, كما ننصح بتغير اسم المستخدم والرقم السري فور تركيب الكاميرا من قبل الشركات، كما ننصح بتغيير اسم المستخدم والرقم السري بشكل دوري، وأن قنوات التواصل مع فرع الجرائم الإلكترونية في حالة الاشتباه في اختراق الكاميرات المنزلية هو 065943228، أو بالحضور الشخصي إلى مقر إدارة التحريات والمباحث الجنائية بشرطة الشارقة.
صور الأشخاص مهددة
يقول المحامي والمستشار القانوني عدنان محمد الحمادي:» أصبحت صور الأشخاص مهددة بفعل التطور التقني في مجال جمع المعلومات أو البيانات وتخزينها، وتحويرها أو تعديلها، وعرضها أو نشرها، أو رفعها ونقلها بسرعة ويسر أو مشاركتها مع الآخرين على نطاق واسع مع إمكانية تخزينها أو تحميلها مرة أخرى على ذاكرة الأجهزة الشخصية كالهاتف المحمول، أو الحاسب الآلي، ولهذا فإن الاعتراف للشخص بحق على صورته يعطيه إمكانية الاعتراض على تناولها بأي فعل من الأفعال التقنية السابقة أو أي أفعال أخرى مشابهة، وكذلك حقه في اقتضاء التعويض عن الأضرار التي أصابته من جراء ذلك، بات أمراً من الضروريات في مجتمع يزداد إقبالاً على الحضور الافتراضي في عالم الإنترنت، بما يعني خضوع صور الأشخاص لهذه الأفعال السابقة بشكل يسير، ويصل إلى عدد كبير من الجمهور العالمي. يفوق بكثير العدد الذي يمكن أن تصله، لو تم تناول الصورة عبر وسائل الإعلام الأخرى كالتلفزيون والصحف وغيرها.