يعد العمل التطوعي وحجم الانخراط فيه رمزاً من رموز تقدم الأمم وازدهارها، فالأمة كلما ازدادت في التقدم والرقي، ازداد انخراط مواطنيها في أعمال التطوع الخيري، كما يعتبر الانخراط في العمل التطوعي مطلباً من متطلبات الحياة المعاصرة التي أتت بالتنمية والتطور السريع في المجالات كافة، وفي دولة الإمارات أصبح التطوع أسلوب حياة وجزءاً من النسيج الثقافي والاجتماعي الذي قامت عليه الدولة، حيث اكتسب هذا العمل بعد قيام الدولة اهتماماً رسمياً كبيراً على مستوى القيادة وعلى مختلف المستويات الحكومية والأهلية.
وخلال السنوات الماضية واجه العمل التطوعي في دولة الإمارات بعض التحديات والصعوبات التي تحتاج إلى دراسة، ومنها قوانين وزارة الشؤون الاجتماعية التي تتطلب التحديث لتواكب التطورات الحالية، مع ضرورة إنشاء قاعدة بيانات تتضمن عدد المؤسسات الرسمية والأهلية التي تُعنى بالعمل التطوعي وحصر عدد المتطوعين واختصاصاتهم، وكانت الحاجة إلى قانون ينظم العمل التطوعي في الدولة، وتوحيد الجهود المبذولة في مجال هذا العمل ، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة للمتطوعين مع سجل لكل متطوع، وتوثيق الأعمال التطوعية ليكون المرجع للإحصاءات والدراسات، وتنظيم العمل التطوعي بمعايير عالمية.
وفي إبريل المنصرم صدر مشروع القانون الاتحادي بشأن العمل التطوعي، والذي أقره المجلس الوطني الاتحادي، حيث أكد المجلس أهمية المشروع في تنظيم العمل واعتماد مرجعية موحدة له في الدولة، مشيداً بإصدار هذا القانون في «عام زايد» بما يجسد مبادئ العطاء التي غرسها رائد الخير والعطاء المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، مؤسس الدولة وباني نهضتها، وتسري أحكام المشروع على الأعمال التطوعية والمتطوعين والفرق التطوعية، كما تسري أحكامه على الجهات المنظمة للعمل التطوعي، وتكون ممارسة العمل التطوعي وفقاً للضوابط والشروط التي يحددها هذا القانون ولائحته التنفيذية، وعرّف مشروع القانون «العمل التطوعي» بأنه كل نشاط فردي أو جماعي بدون مقابل مادي أو وظيفي يهدف إلى تحقيق منفعة للغير.
«الخليج» تسلط الضوء من خلال التحقيق الآتي، على واقع العمل التطوعي، وأبرز التحديات التي تواجهه، وسبل تطويره، والنهوض به في ظل مشروع قانون «العمل التطوعي» والذي تمت مناقشته بحضور ممثلين عن جهات معنية بمشروع القانون، وتم تبادل الآراء وممثلي تلك الجهات بشأن بعض بنود مشروع القانون، والاستماع إلى آرائهم، والاستفسار عن بعض معوقات التطوع، حيث تم الأخذ بآرائهم ومقترحاتهم لتضمينها بمشروع القانون.
تتبنى الإمارات عن طريق مؤسساتها ذات النفع العام، دوراً ريادياً في العمل التطوعي من خلال نشر الوعي التطوعي بين أبناء الدولة، يهدف إلى إبراز الوجه الإنساني والحضاري للعلاقات الاجتماعية.. هذا ما أشارت إليه سحر العوبد، رئيسة مجلس إدارة جمعية الإمارات للتطوع، وأوضحت أن مجال التطوع في الدولة خلال السنوات الماضية كان بحاجة إلى تشريع وأطر واضحة لتنظيمه، خصوصاً أن دولة الإمارات من الدول المشهود لها بأعمال التطوع والخير وهي سباقة في هذين المجالين، وجاء مشروع قانون «العمل التطوعي» ليحد من التحديات، المتمثلة في تشتت الجهود، وضرورة إيجاد ثقافة تخصصية للعمل التطوعي.
وأضافت: إلى جانب أننا عضو في الاتحاد العربي ويفترض أن تكون لدينا ميزانية، خصوصاً أن لدينا مشاركات خارجية، وبالتالي ليس لدينا موارد تغطي عملنا، ثم إن ميزانيتنا مثل ميزانيات جمعيات النفع العام، لا تتعدى 70 ألف درهم في العام الواحد، وتشمل بطبيعة الحال رواتب الموظفين ونفقات سفرنا إلى الخارج، ولذلك نحن بحاجة إلى ميزانية أخرى لتغطية النفقات الضرورية، ومع الأسف، نحن نعمل بلا ميزانية، ولتسيير العمل التطوعي أؤكد ضرورة توفير ميزانية مناسبة لتسيير أعمال الجمعية.
وشرحت: لقد ساهمنا بمقترحات إلى اللجنة المختصة بمشروع القانون، حيث شرحنا التحديات والصعوبات، والتي تتمثل في تشتت العمل التطوعي في ظل وجود العديد من الفرق التطوعية، وانشطار بعض هذه الكيانات، ولا شك أن استراتيجية الدولة من خلال مشروع القانون تقوم على تشجيع وتمكين العاملين في هذا المجال ضمن إطار قوانين وتشريعات الدولة التي ستنظم العمل التطوعي، وأوضحت سحر العوبد أن الجمعية تعكف خلال الوقت الراهن على إجراء عدد من الدراسات والمبادرات، وهناك استبيان تجريه حول (مفهوم ثقافة العمل التطوعي في دولة الإمارات) ستنشر نتائجه قريباً.
ركيزة أساسية
وبدوره قال الدكتور عادل الشامري الرئيس التنفيذي لمبادرة زايد العطاء، إن الإمارات قيادة وشعباً تضع العمل التطوعي الإنساني والمجتمعي في أولويات اهتمامها، ويمثل العمل التطوعي أحد أبرز أوجه التكافل والتلاحم المجتمعي الذي يتمتع به أبناء دولة الإمارات، كما يعكس مدى تمسكهم بالمبادئ والقيم المرتبطة بالهوية الوطنية.
وأشار إلى أن مشروع القانون يعتبر ركيزة أساسية للعمل التطوعي، وفي إطار التشريع الذي يعزز مكانته الاجتماعية باعتباره عملاً إنسانياً يعكس مدى حب المتطوعين للعمل في خدمة الآخرين والوطن، ويعطيه الديمومة والاستمرارية في قيام الناس بواجباتهم تجاه المجتمع.
آثار إيجابية
تعتبر هيئة الهلال الأحمر واحدة من أبرز المؤسسات الوطنية في مجال جذب المتطوعين وإشراكهم في الأنشطة التي تدعم المجتمع على المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بصورة فردية أو من خلال جماعات تابعة للهلال لتوزيع الأدوار التطوعية، وفي هذا السياق، قالت نادية الهرمودي رئيسة قسم المتطوعين بالهيئة - فرع الشارقة: يُعبّر العمل التطوعي عن إحساس عالٍ بالمسؤولية من الأفراد تجاه محيطهم الاجتماعي وتجاه الإنسانية بشكلٍ عام، بهذه الكلمات، وأضافت: وهذا يدلل على المقدار الذي يمكن للإنسان أن يحدثه من أثر إيجابي في حياة الآخرين، من دون انتظار أي مقابل مادي أو معنوي من عمله، ولعل التطوع من أقدم الأفعال الإنسانية التي تعبر عن تعاطف الإنسان مع أخيه الإنسان.
وأوضحت أن هيئة الهلال الأحمر توفر عدة برامج تطوعية تعمل مع مهنيين وطلاب من الجامعات والمدارس، وأشارت إلى أن هيئة الهلال الأحمر تعمل ضمن أكثر من 15 من الفرق التطوعية، وهذا ينمي لدى المتطوعين الشعور بقيمة العمل وبخاصة من أجل المجتمع، كما يعزز الثقة بالنفس واحترام الذات، ويسهم في تنمية الخبرات والمهارات الشخصية ويحفز على الابتكار والإبداع في العمل التطوعي، ويكتسب المتطوع مكانة اجتماعية في المجتمع، وللوطن ويعبر عن مشاعر الولاء والانتماء.
ولا يرتكز العمل التطوعي على الأفراد بل المؤسسات الحكومية والخاصة للمشاركة في الأعمال التطوعية من خلال برنامج التطوع المؤسسي، حيث يهدف هذا البرنامج إلى تفعيل دور المؤسسات الحكومية والخاصة في العمل التطوعي، وترسيخ قيم وثقافة الخير والعطاء لدى الأفراد والمؤسسات، دعم ومشاركة المؤسسات للبرامج الإنسانية التي تنفذها هيئة الهلال الأحمر الإماراتي داخل الدولة وخارجها.
تعزيز التنمية المستدامة
ووصفت عائشة الحويدي مديرة إدارة التطوع وخدمة المجتمع في جمعية الشارقة الخيرية، إقرار المشروع بأنه ذو أهمية كبيرة، وبخاصة أنه صدر في ظل المتغيرات والمستجدات التي طرأت في فلسفة العمل التطوعي، ونماء وازدهار قيم المساواة والعدالة والتعاضد والتراحم وتكوين الجمعيات والبرامج التطوعية.
وأضافت: جاء إقرار مشروع قانون اتحادي للتطوع، والذي سيسهم في تنظيم عمل القطاع التطوعي وازدهاره، ليكتسب أهمية متزايدة في تعزيز التنمية المستدامة وبناء مستقبل أفضل للأجيال الجديدة، حيث يشكل المتطوعون مورداً حيوياً للدولة في القطاعين الحكومي والخاص، تتم الاستفادة من إمكاناتهم ومؤهلاتهم في العديد من المشاريع والمبادرات المجتمعية المحلية وحتى الإقليمية والدولية.
وقال محمد صالح بداه، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للتطوع، إن ثقافة التطوع بدأت بالانتشار بشكل كبير، خصوصاً مع التوجه القوي للدولة والمؤثر في مسار العمل التطوعي، لدينا الكوادر البشرية المتطوعة العاملة في الكثير من المؤسسات الأهلية في الدولة، وما لا يقل عن 80% من أعداد المتطوعين في الجمعيات والجهات الحكومية، هم على دراية تامة بثقافة العمل التطوعي، ثم إن هناك الكثير من الجهات تمتلك قوانين وتشريعات وأنظمة تساعد على تكريس ثقافة العمل التطوعي، سواء في القطاع الأهلي أو الحكومي.
وأضاف: إن الجمعية ساهمت مع وزارة تنمية المجتمع في وضع المقترحات لمشروع القانون، من واقع تحديات العمل التطوعي، والذي يأتي كمظلة تشريعية وتنفيذية للمؤسسات التطوعية في الدولة، وأن وضع مشروع قانون التطوع، جاء لعدة مبررات أبرزها عدم وجود قانون للعمل التطوعي، ما يستوجب إيجاد قانون لتنظيم العمل التطوعي، ووضع معايير وضوابط المتطوعين والمؤسسات المعنية في حالات الأزمات والطوارئ لرعاية الفئات المحتاجة إلى المساعدة بشكل خاص، وفئات المجتمع بشكل عام.
ركيزة أساسية
من جهتها أشارت راية خميس المحرزي، إحدى رائدات العمل التطوعي والاجتماعي والديني في الدولة، إلى أن مشروع القانون سوف يسهم في الاستثمار في العنصر البشري وخلق كوادر بشرية متطوعة على دراية بثقافة العمل التطوعي، وتعريف الجمعيات بأساسيات العمل التطوعي، كما يتطلب الأمر وضع ميزانية للعمل التطوعي للتغلب على مشكلة ضعف الموارد المالية، ولا شك أن تقنين العمل التطوعي من خلال هذا القانون، وإيجاد مظلة رسمية حكومية تعنى بالعمل التطوعي في الدولة، تضم جميع المؤسسات والفعاليات المنخرطة في هذا القطاع.
وشرحت أن مشروع القانون جاء موضحاً الأشكال المختلفة كالتطوع المهني والإلكتروني والجهات المعنية بتطبيق القانون، وتضمين ممكنات التطوع في النظام التعليمي والثقافي والإعلامي والوظيفي، وأخيراً وضع نظام الحوافز والامتيازات للأفراد والمؤسسات.
الجهل بأهميته وأهدافه
وعللت تغريد زهدي محمد - أمينة سر جمعية الإمارات للتطوع، أهمية تشريع قانون للعمل التطوعي، لحاجة ملحّة للكثير من الأسباب، وقالت: إن هناك معوقات في هذا المجال، على رأسها الجهل بأهميته وأهدافه عند كثير من المتطوعين والمتطوعات، وعدم إجادة المتطوعين للدور المطلوب منهم، وعدم التقدير المناسب للجهد الذي يبذله المتطوع واستغلالهم بطريقة غير راقية في بعض المؤسسات واعتبارهم ملزمين وليس متطوعين ثم عدم معرفة بعض مؤسسات وشرائح المجتمع بأهمية العمل التطوعي، وعزوف بعض المتطوعين عن التطوع في مؤسسات ليست قريبة من سكنهم، وهناك عدم وضع المتطوع في العمل المناسب لقدراته وميوله واستعداداته وأخيراً سعي بعض المتطوعين إلى تحقيق مكاسب شخصية لذاتهم، وهو ما يتعارض مع طبيعة العمل التطوعي.
رخصة التطوع
وأجمل علي محمد المازم مؤسس ورئيس رابطة فخر الوطن للأعمال التطوعية، التحديات من وجهة نظره في مواجهة الاستغلال والمنافسة غير الشريفة، وتأهيل وتثقيف المتطوعين من الأعمار كافة، إلى جانب التوجيه الصحيح وما ينبغي القيام به لمعرفة الصواب والخطأ، وأعتقد أنه لا بد من وجوب توفير رخصة للتطوع، فهي تشكل وتحدد هوية المتطوع والعمل الذي يقوم به، إلى جانب أنها قد تسهل وتذلل له العقبات لممارسة عمله التطوعي.
وقال: نأمل أن يكون مشروع القانون محتوياً على «رخصة التطوع»، حيث إنها تبدأ بعدد من المواد الأساسية التي تسهم في صقل مهارات المتطوع ومن ثم تكون هذه الرخصة للاستخدام من قبل المتطوع تتضمن بياناته وأعماله، وبالإضافة إلى جميع الشكاوى التي ترفع على المتطوع، بحيث يكون معلوماً لجميع الجهات عن ملف المتطوع.
يتوافق مشروع القانون مع رؤية واستراتيجية الدولة 2021، التي تؤكد أن شعب الإمارات متحد في المسؤولية، كما يتماشى مع مبادرة عام الخير، من أجل إيجاد مبادرات متميزة للتطوع، وتنظيم عملها وفقاً لرؤية الحكومة في العمل التطوعي.
59 % من موظفي الحكومة أصحاب مبادرات
كشفت نتائج استطلاع أجرته الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية خلال العام الماضي، أن 83% من موظفي الحكومة الاتحادية الذين استُطلعت آراؤهم، مستعدون للقيام بأي أعمال تطوعية من شأنها خدمة دولة الإمارات العربية المتحدة وسكانها من مواطنين ومقيمين، وأظهرت النتائج التي عرضت مؤخراً ضمن ملتقى نادي الموارد البشرية خلال عام 2017 تحت عنوان «عام الخير بين التطوع والمسؤولية المجتمعية للمؤسسات» أن 59% من موظفي الحكومة الاتحادية المشاركين في الاستطلاع الإلكتروني سبق لهم المشاركة في مبادرات مجتمعية وأنشطة خيرية داخل الدولة وخارجها.
المنصة الوطنية
تلعب المنصة الوطنية للتطوع «متطوعين. إمارات» التي تم تطويرها من قبل مؤسسة الإمارات بالتعاون مع وزارة تنمية المجتمع دوراً بارزاً في ترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية وإيجاد منظومة متكاملة ومستدامة للعمل التطوعي في الدولة. وتؤدي المنصة دور الوسيط بين الراغبين بالتطوع من المواطنين والمقيمين المسجلين في الموقع والفرص التطوعية المعروضة من قبل كافة المؤسسات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص وجمعيات النفع العام.
وبلغ عدد المسجلين في المنصة الوطنية للتطوع «متطوعين. إمارات» 309 آلاف و579 متطوعاً ومتطوعة، فيما بلغ عدد الفرص التطوعية التي توفرها المنصة 5341 فرصة في 326 مؤسسة على مستوى الدولة.
صندوق الوطن
أطلق مجموعة من رجال الأعمال الإماراتيين «صندوق الوطن» عام 2016 كمبادرة مجتمعية تجسد تلاحم فئات المجتمع مع توجهات قيادة دولة الإمارات في تحقيق التنمية المستدامة، ودعم النشاط الاقتصادي عن طريق الاستثمار في الموارد البشرية الإماراتية. ويهدف الصندوق إلى دعم الطلبة الموهوبين من الإماراتيين واكتشاف 5000 من الطلبة الموهوبين من المواطنين بحلول العام 2020 وتقديم التسهيلات التي تضمن دخولهم عالم الابتكارات والاختراعات، كما يهدف إلى توفير التوجيه المهني ل 10 آلاف طالب إماراتي وإتاحة دورات تعليمية وفرص تدريبية صيفية وشتوية لاكتساب الخبرة العملية لحوالي ألف مواطن.