خطرة وساخنة وشرسة، تلك المعركة التي يخوضها جيش الإمارات الإنساني ضد فيروس«كورونا». هذا «الجيش الأبيض»، كما يوصف، هو خط الدفاع الأول، قوامه الأطباء والممرضون والمسعفون وبقية أفراد القطاع الطبي الذين اعتبروا المستشفيات ميادين حرب يخوضونها بلا هوادة بكامل كوادرهم وقواتهم، لا يطلبون شيئاً سوى أن نكون بعيدين عن ساحة المعركة، نفر من الميدان، ونحتمي بجدران منازلنا.
اختفاؤنا من أهم أدواتهم؛ بل هو الدعم الذي نملكه فقط من أجل أن ينتصروا في معركتنا التي آثروا أن يخوضوها وحدهم وبسند من القيادة الرشيدة.
د. عمر عبدالرحمن الحمادي، طبيب أمراض باطنية بمستشفى الرحبة، بدأ حديثه قائلاً: مهنة الطبيب بشكل عام تفرض عليه أن يكون بمثابة الجندي المحارب في أي مكان يعمل به، فهو يحارب عدواً دوماً غير مرئي، ولكن تبقى لديه القدرة على مواجهته متسلحاً بأدواته ومستلزماته الطبية.
وتابع: البشر تعودوا على ذلك النوع من الحروب القتالية، دفاعية كانت أو هجومية، هذا النوع من القتال المرئي لذا كانت المفاجأة ثقيلة على ساكني الكرة الأرضية والبعيدين عن مهنة الطب بكل تفاصيلها؛ إذ إن المعركة القائمة فرضت أن يكون عدوهم خفياً والكارثة أنهم يواجهونه بلا أسلحة.
ولفت إلى أن تلك هي حرب الأطباء الأزلية والمعروفة مع الفيروسات والأمراض التي يواجهونها طوال الوقت. وقال: مع ظهور فيروس«كورونا» برز دور الكادر الطبي للعالم أكثر من السابق، خاصة أن الحرب ليست سهلة على الإطلاق، وأطرافها كثيرون وطرق العلاج مختلفة، بمعنى أن البشر يمكن أن يعالجوا أنفسهم بالوقاية منه وهي تخضع لقراراتهم الذاتية بالابتعاد الجسدي، وتغيير عاداتهم في المعيشة والنظافة الشخصية.
وعن طرف المعركة الثاني، قال الحمادي: هناك عبارة شائعة تقول: «إن الأزمات والمصائب تظهر معادن الرجال»، ولكني أعدلها إلى «تظهر معادن الرجال والنساء»، وأقصد هنا الشجاعة التي لمستها مع زملائي ليس الأطباء فحسب؛ بل الممرضون، والصيادلة، والمسعفون، ورجال الأمن، ومسؤولو التنظيف والتعقيم، والإداريون. كل هؤلاء يخوضون معركتنا ضد الفيروس، لذلك الذي أشهده ولن أنساه طالت أم قصرت الحياة، كم الصلابة والمتانة والإرادة والتحدي والقوة من العاملين في المهنة في مواجهة الفيروس.
وثمّن الحمادي دور الأطباء الإماراتيين بقوله: كلنا نخوض المعركة بكل ما نملك من خبرة ومهارة، وأكثر ما يلفت النظر هو أن الفيروس جعلنا نوزع الأدوار دون أن نشعر أو نخطط. مثلاً، بعضنا يؤدي مهمته في ميادين المستشفيات لمعالجة مرضى «كورونا»، وآخرون يمارسون أدوارهم في عياداتهم أو الأجنحة الطبية، خاصة أن لدينا مرضى آخرين لا يمتون إلى معركة الفيروس بصلة وفي حاجة إلى الأطباء على مدار الساعة. أما بالنسبة للدور الحيوي الذي يلعبه الأطباء في تلك المرحلة الدقيقة التي نمر بها ألا وهو التثقيف والتوعية، فيشترك فيه كل الأطباء الذين يستقطعون من أوقاتهم لتسجيل الفيديوهات والصور وإرسالها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك الدور ضروري للغاية؛ إذ إنهم أسهموا بالفعل في توعية الناس بالفيروس وطرق الوقاية.
ويشعر د. عمر الحمادي بالطمأنينة من الداخل لأنه شارك في المعركة ضد «كورونا»، وعبر عن ذلك بالقول: لم تكن معركتنا وحدنا ضد عدو البشرية، لكنها معركة البشر من أجل البقاء، والحقيقة أن «كورونا» نجح في أن يوحد سكان الكرة الأرضية وهي من المرات القليلة التي تشهدها.
أهمية العلم والطب
د. عبد الله سلطان المرزوقي، وهو خريج الكلية الملكية للجراحين في أيرلندا، وعمل في مستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية ببرنامج التدريب والإقامة في الطب الباطني وحصل على البورد العربي والأردني في الطب الباطني، اعتبر أن «فيروس»كورونا«دق النواقيس وأضاء الأنوار وفتح الأذهان حول أهمية العلم والطب في الحياة اليومية».
وقال المرزوقي، وهو طبيب أمراض باطنية بمستشفى الرحبة: هذا الوباء الذي نتمنى أن يزول بسرعة اكتشف الناس من خلاله أن الطبيب يخاطر، وليس دوره فقط أن يكشف وينصح بوصفة للدواء. وتاريخياً، الحرب ضد «كورونا» ليست أول الحروب التي تخوضها البشرية، فمن لا يذكر الإنفلونزا الموسمية والدرن وغيرهما من الأوبئة التي عاناها كوكبنا، والطبيب دوماً يكون خط الدفاع الأول وأول المؤهلين للتعرض للإصابة.
وتابع: أمام تلك الجائحة وهبنا أنفسنا لكل فرد يعيش تحت سقف الإمارات، وطننا الذي قدم لنا كل سبل الدعم منذ بداياتنا، والأمر لا يقتصر على الطبيب؛ بل كل العاملين في الكادر الطبي بمن فيهم الإداريون وعمال النظافة، أثبت الجميع إخلاصهم وتفانيهم من أجل الإنسانية والقضاء على الفيروس.
واجب وطني
د. سجى يوسف شاهين، استشارية ومدير قسم الباطني في مستشفى الرحبة، رأت أن تقدير واحترام الإمارات لكل العاملين في مهنة الطب ليسا بجديدين. وقالت: المجتمع الإماراتي، قيادة وشعباً، يعتبرنا جنوداً في اختصاصاتنا، وأرى أن كل ما نبذله من جهد يواصل النهار بالليل هو واجب وطني وجزء من رد جميل قياداتنا الرشيدة التي دعمتنا بكل قوتها وإمكانياتها، وما نفعله يتعلق بصلب مهنتنا التي تتفرد بإنسانياتها.
وطمأنت د. سجى شاهين كل من يقطن على أرض الإمارات بقولها: كنا من الأوائل في فرض الإجراءات الوقائية والاحترازية التي تأخرت فيها دول كثيرة، ما أسهم بشكل كبير في محدودية أعداد المصابين، وعلينا ألا ننسى كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة «لا تشلون هم» من ناحية الدواء والغذاء.
ورسالتي التي أود أن أوجهها إلى الأهل والمقيمين في الإمارات أننا مستعدون لمواجهة أقسى السيناريوهات التي لن تحدث إذا التزم الجميع، عودوا إلى بيوتكم واتركوا لنا أرض المعركة.
باقات شكر على معاطف القطاع الطبي
الأطباء دوماً محل تقدير واحترام؛ بل وفخر لدورهم الإنساني الذي يتعاظم الآن ومعه تزداد مساحات الثقة فيهم والتبجيل، فهم الذين يتصدرون مشهد المواجهة مع فيروس «كورونا» مع بقية العاملين في القطاع الطبي والفرق الوطنية الواقفة في وجهه بقوة.
في هذه اللحظة الفارقة تُجمع كل الفئات على تزايد تقديرها لأفراد القطاع الطبي الذين حُرموا من أسرهم ويتواجدون على مدار الساعة في ساحة التصدي لعدو البشرية أجمع خدمة منهم للوطن بكل أفراده.
السطور المقبلة تحمل نماذج من التقدير والفخر لكل العاملين في الكادر الطبي.
ترى المهندسة مريم آل علي، رئيس قسم إدارة أصول البنية التحتية في وزارة تطوير البنية التحتية، أن الكادر الطبي، أو «الجيش الأبيض»، كما أصبح يسمى، كسب الرهان الإنساني.
وتقول آل علي: منذ بداية انتشار «كورونا»، نجح كل العاملين في المجال الطبي في كسب حب وثقة الناس، لتضحياتهم المتواصلة ومثابرتهم لتقديم يد العون والمساعدة لكل محتاج في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها الإمارات، كما يمر بها باقي دول العالم.
وأضافت: الجيش الأبيض الإماراتي في الصفوف الأولى لمواجهة الجائحة العالمية، وكما أن الجنود بالصف الأول لهم الفضل دائماً في تحقيق الانتصارات، فإن الأمر ينطبق على الكادر الطبي، وبفضل إنسانيتهم وعملهم الدؤوب دون كلل أو ملل تاركين خلفهم عائلاتهم وأبناءهم، ازداد إيماننا وعزيمتنا بمقدرتنا على تجاوز هذه الأزمة والانتصار عليها.
وأشارت إلى أن أفراد «الجيش الأبيض» لعب دوراً بارزاً في الحد من انتشار الفيروس بشكل أكبر من خلال عملهم المتواصل ليلاً ونهاراً، ودورهم التوعوي لأفراد المجتمع بالسبل والطرق السليمة لتجنب الإصابة بالفيروس.
ولفتت آل علي إلى أن الكادر الطبي في الإمارات، أثبت على مدار الأيام الماضية كفاءته وقدرته على حماية المجتمع، ويعتبرهم مبعث طمأنينة وراحة للجميع.
أروع الصور
بدأت الشاعرة مريم النقبي، حديثها بالقول: لكل فرد دور في هذا المجتمع، والطبيب في مجتمعنا يحظى بتقدير ومكانة كبيرة، ولعل ما يحدث الآن أكبر دليل على الأهمية الكبرى للأطباء والعاملين في هذا المجال.
وأضافت: نشعر بالفخر لما يقدمه الأطباء لمواجهة هذا الوباء، وأثبت كل العاملين في المجال الطبي من أطباء وممرضين ومسعفين من أبناء الوطن والمقيمين كفاءتهم وقدرتهم الكبيرة على تحمل هذه المسؤولية العظيمة مقدمين أروع صور التضحيات من أجل الوطن.
ولفتت النقبي أيضاً إلى الدور الحيوي الذي لعبه الأطباء عبر مواقع التواصل، والبرامج التلفزيونية، والصحف اليومية، وتقديمهم لكل المعلومات المهمة والرسائل التوعوية التثقيفية لأفراد المجتمع.
خالد مسلط، مدير إدارة الاتصال الحكومي بدائرة الثقافة بالشارقة، رأى أننا نجني الآن في الإمارات ثمرة سياسات الاستثمار في الإنسان، واستقطاب المواهب في المجال الطبي، وبناء نظام صحي متطور قادر على التصدي للأزمات بكوادر نراها تبلي بلاء رائعاً، وهو أمر تكشفت مزاياه وفاعليته في التعامل مع الفيروس؛ بل أن خدماته امتدت إلى دول أخرى.
وقال: نلاحظ انهيار أنظمة صحية حول العالم كان ينظر إليها باعتبارها الأكثر قوة، فإذا بها تسقط من الضربة الأولى. وكل التقدير لجهود الفرق والكوادر الطبية كافة وكل العاملين في القطاع الصحي في الدولة، من أطباء وممرضين ومسعفين وإداريين وفنيين، الذين يعملون على مدار الساعة، في ظل الظروف والتحديات التي يعيشها العالم.
وختم مسلط حديثه بشكر قيادة الإمارات الرشيدة في إدارة تلك الأزمة التي أثبتت أن الدولة بكل كوادرها وفي كافة مجالاتها قادرة على مواجهة الأمور والأزمات.
وقفة إجلال
وقالت محبوبة عبد الرحمن، مدير المعهد الدولي للدبلوماسية الثقافية: نقف اليوم وقفة إجلال وتقدير لكل العاملين في القطاع الطبي، خاصة الأطباء والممرضين، الذين تركوا بيوتهم وتصدوا للخطر وسهروا على راحة المرضى ويعملون جاهدين للوصول إلى شفاء الحالات المصابة دون ملل أو كلل، واضعين نصب أعينهم صحة الوطن والمواطن.
وذكرت أنه يجب علينا أن نبرز أهمية دورهم ومكانتهم في مجتمعنا، فهم الصفوة، وصحة المجتمع أساس قوي للإعمار والازدهار، لأن المجتمع غير الصحي لا يقدر على التقدم والعمل.
وتابعت: سيظل الأطباء والممرضون هم الأبطال الحقيقيون، فهم يعملون دائماً من أجل صحتنا وسلامتنا، ولا يبحثون عن الشهرة وتسليط الضوء عليهم؛ نظراً لإخلاصهم في عملهم وإيفاء بالقسم أثناء تخرجهم، فيستحقون منا كل الإجلال والتقدير ومكانتهم ستظل محفوظة في قلوبنا، فهم الصفوة والمؤثرون الحقيقيون.
جهود جبارة
يرى عادل حسن محمد، منسق إعلامي بحكومة الشارقة: كل الكادر الطبي يحظى برعاية ودعم القيادة الرشيدة عبر تأمين مختلف الاحتياجات والإمدادات والتجهيزات اللازمة، لتوفير أفضل مستويات الرعاية للمصابين بهذا الفيروس. والأطباء في الإمارات بذلوا جهوداً جبارة ليس في ميادين المستشفيات التي يواصلون فيها العمل ليلاً ونهاراً؛ بل أيضاً على مستوى التوعية والتثقيف الصحي عبر مواقع التواصل، التي من خلالها عرفنا معلومات كثير منذ أول لحظة انتشر فيها الفيروس في الصين، ومهما قلت من كلمات شكر لكوادرنا الطبية الإماراتية لن أوفيها حقها، فقط لا نملك سوى الدعاء لهم بأن يحفظهم المولى من كل شر.
بلال البدور: ابنتي تحمل رسائل الإمارات إلى العالم
بلال البدور، رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، لا ينكر إحساسه بالقلق على ابنته د. بدور التي قررت البقاء في بريطانيا لإكمال مهمتها الإنسانية في غرف العناية المركزة، ولم تعد مع المبتعثين إلى الدولة .
حاول الأب أن يثنيها عن قرارها خوفاً منه على فلذة كبده من الفيروس القاتل الذي يهدد البشرية، لكن أمام رؤيتها التي وصفها بالثاقبة اقتنع بأنها تؤدي مهمة جليلة تتعدى الحدود والبلدان.
يقول البدور: احترمت قرار ابنتي وشعرت بالفخر والاعتزاز بها؛ بل أحسست بأنها سفيرة لوطنها الذي عشقت ترابه. بقاؤها على أرض المعركة في بريطانيا وعدم تخليها عن زملائها الذين يعانون نقصاً كبيراً في مجال العناية المركزة الذي تخصصت فيه، رسالة شديدة الرقي من أبناء الإمارات في الخارج الذين نشؤوا على مبادئ علمتها لنا قياداتنا.
ويتابع: لا أنكر أننا نشعر بالقلق، ولا أخفي الهواجس التي تنتابني خوفاً عليها خاصة أنها في ميدان ساخن ومشتعل بوباء «كورونا»، لكن أمام هذا التحدي الذي تخوضه بدور ورسالتها التي تحملها من الإمارات إلى العالم، لا أملك سوى الفخر بها والدعاء لإتمام مهمتها والعودة سالمة إلى وطنها.
قلب إماراتي رحيم وسط أزمة بريطانيا
د.بدور البدور: حافظوا على أحبائكم
د. بدور البدور طبيبة إماراتية، تخرجت عام 2010 في الكلية الملكية للجراحين في أيرلندا، التحقت بقسم الأمراض الباطنية في مستشفى خليفة بأبوظبي حتى 2015، أكملت الماجستير في تخصص زراعة الأعضاء بجامعة برشلونة، والتحقت ببعثة إلى المملكة المتحدة لاستكمال الزمالة في العناية المركزة بمستشفى «كينجز كولدج» في لندن.
استمرت البدور في المستشفى؛ حيث تسهم في علاج مصابي «كورونا» استمراراً للمهمة الإنسانية التي تقوم بها الإمارات في هذه الأزمة العالمية. وتحت وطأة المشاهد التي تراها هناك تناشد الجميع بالالتزام حفاظاً على أنفسهم وأحبائهم.
يأتي صوت د. بدور البدور عبر الهاتف من العاصمة البريطانية خافتاً مجهداً بعد يوم شاق لم ترتح فيه سوى ساعتين قبل أن تواصل العمل في غرف العناية المركزة. بدأت البدور حديثها قائلة: قرار بقائي في لندن وعدم عودتي مع زملائي لم يستغرق مني أي تفكير، بلا تردد، أبلغت والدي الذي لم يحاول كثيراً أن يثنيني عن قراري؛ بل أمام إصراري وإنصاته لوجهة نظري اقتنع بأنني أؤدي واجبي وعملي الإنساني، فهي وظيفتي التي أنتمي إليها، والحقيقة أن الوضع في بريطانيا فرض علي عدم الاختيار؛ إذ لا بديل أمام نقص الأطباء خاصة في تخصص العناية المركزة، فكيف لي أن أترك زملائي والمستشفى الذي أعمل فيه وهم وسط هذا الهم والمأزق الخطير؟ تصمت د. بدور البدور وكأنها تستعيد مشاهد أمام عينيها ثم تعاود الحديث قائلة: نحن أمام مرض غريب لا علاج له إلى الآن، كم من المرضى يموتون أمام عيني، وحالات تعاني الاختناق وأجهزة تنفس صناعي، وكمامات، شوارع خاوية، ووجوه ترحل دون أن تودع أحباءها، فيروس لا يفرق بين المشاهير والمشردين في الشوارع، رائحة الموت في بريطانيا تفوح من كل مكان، ونحن وكل كوادرنا وفرقنا نحاول أن نبذل قصارى جهودنا، بلا مبالغة قد لا ننام لأربعة أو خمسة أيام متواصلة، ونصاب جميعاً بخيبة أمل عندما يفارق مرضانا الحياة ونحن لا نملك سوى العجز.
تعاود د. بدور الصمت فآثرت ألا أقطعه لتستكمل بعد دقائق بصوت مختنق: الوضع صعب، لكن الأصعب هو أن الموت بسبب فيروس «كورونا» يكون بلا وداع، أهل المريض لا يرونه، ولا يلقون عليه السلام، أما المريض الذي يرقد للعلاج فحاولنا أن نجعله يتواصل مع أهله من خلال الكاميرات.
وختمت البدور حديثها: أتابع جيداً أخبار «كورونا» في مختلف أنحاء العالم، وبشكل خاص في وطني الإمارات، والوضع في الدولة مطمئن وتحت السيطرة، وأشعر بتفاؤل شديد؛ بل وأيضاً بيقين أن الإمارات ستعبر تلك المحنة بفضل قيادتنا الرشيدة وحكمتها في إدارة الأمور، لكن على كل من يقطن تلك الأرض أن يتبع الإجراءات الاحترازية بجدية، وكلمتي الأخيرة هي «حافظوا على أحبائكم فما أقسى الرحيل دون وداع».
الكادر الطبي ..الاستثمار الناجح والحقيقي
رأى د. سيف الجابري، أستاذ الثقافة والمجتمع بالجامعة الكندية في دبي، أن نظرة المجتمع تغيرت بدرجة كبيرة وأعادت ضبط ميزان العلم والمعرفة.
وقال: الطبيب كالذهب يزداد بريقاً يوماً بعد آخر خاصة في أوقات الشدة والأزمات، فهذه مهنة التضحية والعطاء، والطبيب والمجاهد يشتركان في كون كل منهما قد يقدم حياته فداء لله ثم الوطن. وفي محنتنا العالمية أثبت الطبيب والكادر المرافق له أنهم الاستثمار الناجح والحقيقي للدول ولا يسبقه إلا من علَّمه وهو المعلم، ولذلك لا بد للآباء أن يفكروا ويخططوا لأن يوفوا للوطن حقه بأن يهدوه الطبيب أوالطبيبة، والجراح والاستشاري، والمسعف الناجح والممرض.
وختم د. الجابري حديثه قائلاً: أصبحنا ننظر باعتزاز وإكبار إلى تلك الفرق الطبية التي تعمل كخلية نحل دون كلل أو ملل لإنقاذ أرواح الناس، والكلمات تعجز عن إعطائها حقها، لكن دورها سيسطره التاريخ وتذكره الأجيال، وحكومتنا الرشيدة لن تنسى لهذه الفرق صنيعها الكبير في خدمة الوطن.
نعمة الإمارات
أعادنا عبد العزيز الرئيسي، مدير إدارة المواقع التراثية التابعة لهيئة الثقافة والفنون في دبي، إلى نظرة الإمارات لأطبائها منذ قيام الاتحاد، والتي اصطبغت بالحب والتقدير. وقال: نحن من أكثر الدول التي لديها مبتعثون في العالم لدراسة الطب بمختلف مجالاته، وهذا مؤشر مهم على مدى اهتمام الدولة بهذا المجال، وآن الأوان أن تجني الإمارات ما زرعته. ومستشفياتنا تتميز بأنها عالمية من كل النواحي، بل إن كثيرين حول العالم يأتون إلينا من أجل تلقي العلاج.
وأضاف الرئيسي: دور الطبيب الإماراتي ظهر جلياً في أزمة «كورونا»، وازداد احترمنا وتقديرنا للطبيب، ومهنة الطب عامة، فهو يهب نفسه ويضحي من أجلنا، يستقبل الفيروس بصدره غير مبال بأسرته وأطفاله.
وألقى الرئيسي نظرة متأملة على موقف الأطباء الإماراتيين المقيمين في فرنسا ومعظم دول العالم ورفضوا أن يغادروها تاركين ميدان حربهم على «كورونا»، ما يجعلنا فخورين رافعين رأسنا مرددين «نحمد الله على نعمة الإمارات».
الشائعات والوصفات الخاطئة مزعجة
أكثر ما يسبب الإزعاج والقلق للأطباء، هو حسب د. عبد الله المرزوقي، الشائعات التي تحمل كمّاً من الأكاذيب والافتراءات حول انتشار الفيروس، وتلك الوصفات التي تنتشر على مواقع التواصل عن صنع المطهرات والتي تودي بحياة الناس، وما يتعلق بالعلاجات واللقاحات التي تكمن في أكلات ووصفات في منتهى الغرابة. وقال: كل تلك الأمور تعيقنا، لذا أناشد كل القراء والمتابعين تحري دقة المعلومات وأخذ المعلومات من الجهات الصحية المعتمدة.
التواصل مع الأسرة عن بعد
السؤال الأصعب الذي قد يتلقاه طبيب في هذه المرحلة يتعلق بكيفية تعامله مع أسرته، خاصة بعد اقترابه من مرضى «كورونا» بشكل مباشر. د.عمر الحمادي قال عن ذلك: مشاعري مختلطة، ففي البداية والنهاية أؤدي وظيفتي وهي بمثابة واجب وطني أتشرف وأعتز به، ولكنني بالطبع أحاول أن أحمي نفسي قدر المستطاع، وأسرتي أمام عيني في كل الأوقات العصيبة التي أعيشها، لذا ألتزم بالإجراءات الوقائية التي تحميني كطبيب، بالإضافة إلى ذلك أعزل نفسي بشكل كلي لأحمي نفسي وعائلتي. وأتواصل مع أسرتي عن بعد وإن كان هذا الأمر لا يتقبله صغاري في أوقات عديدة.
وخاطب الحمادي أفراد المجتمع قائلاً: أرجو منكم جميعاً اتباع التعليمات الطبية والوقائية الصادرة من الجهات الرسمية، ودائماً افترضوا أنكم مصابون ب«كورونا» ومن أمامكم مصاب لتحموا أنفسكم.





