محمد ياسين
تعد قوانين دولة الإمارات وتشريعاتها سبّاقة في شتى المجالات، فلم تدخر جهداً في سبيل تعديل بعض إجراءات التقاضي وقوانين نذكر منها قضايا اليوم الواحد، ووضع حد للفصل في القضايا العمالية؛ بحيث لا يزيد الفصل فيها على ستة أشهر للمطالبات العمالية أقل من 20 ألف درهم، و50 ألف درهم للمطالبات المدنية، وأن يكون الفصل بقضايا اليوم الواحد أول درجة فقط.
المشرع الإماراتي عمل على التيسير على كافة الأطراف، وسهل الأمور على العامل، وحفظ حقوقه، كما حفظ حقوق الشركات والمستثمرين داخل الدولة بأن أوجد لهم قضاء نافذاً ناجزاً، وسخر كافة الإمكانات للفصل في القضايا؛ لأن حقوق العمل تعد مبدأ أصيلاً في الدولة لا يقبل التأويل أو التلاعب فيه.
بيد أنه قد يستغل أحد طرفي المعادلة العمالية (الشركة أو العامل) بعض الإجراءات والقوانين لإطالة أمد القضايا؛ لتأخير مستحقات نهاية الخدمة للمطالبات أكثر من 20 ألف درهم كوسيلة للضغط على العامل؛ للتنازل عن مستحقاته وإلغاء إقامته والبحث عن عمل آخر، كما قد يستغل العامل القضية العمالية لوجوده بالدولة على إقامة مؤسسة تريد إقالته.
«الخليج» التقت بعدد من الموظفين بين أروقة محاكم دبي بعضهم من العمال البسطاء من جنسيات مختلفة إلى جانب موظفين يعملون في مهن متنوعة؛ حيث اشتكى بعضهم من طول فترة التقاضي، واستغلال الكفيل لإجراءات قانونية لإطالة أمد القضية، كما أن هناك آخرين تحدثوا عن دور وزارة الموارد البشرية والتوطين ومراكز الخدمة بها في محاولة حل المشكلات بين أصحاب العلاقة العمالية.
طالب عدد منهم بدور أكبر للباحثين القانونيين في وزارة الموارد البشرية والتوطين؛ للمساعدة بشكل أكثر فاعلية لحل المشكلات العمالية؛ حيث وصف بعضهم دور الباحث القانوني بالهامشي على الرغم من إنشاء مراكز توافق تعنى بحل الخلافات العمالية؛ بسبب تلاعب أقسام الشؤون القانونية بالمؤسسات من وجهة نظرهم ومعرفتهم بسبل إطالة أمد القضايا على الطرف الأضعف في الخلاف وهو الموظف؛ الأمر الذي يؤدي إلى تنازله عن حقة وقبوله بما يقدم له من مستحقات أو التنازل عنها في سبيل أن تلغى إقامته من قبل الوزارة، ويبدأ في البحث مرة أخرى عن عمل قبل أن يتورط في ديون على أمل الفصل السريع في الدعوى القضائية أو الشكوى العمالية في الوزارة.
وتحدث «م. س» عن مشكلته العمالية، وخلافه مع صاحب العمل أو بالأحرى موظف شؤون العاملين فيما يخص حساب نهاية خدمته التي حددها القانون، فقام العامل بالشكوى لدى وزارة الموارد البشرية والتوطين، التي تواصلت مع إدارة الشركة التي بادرت بتقديم مستندات تخالف حساب فترة الإجازة ومدة العمل وغيرها.
وقال: إن فترة عمله زادت على عشرة أعوام في وظيفته وبنود عقد العمل واضحة وتم فصله تعسفياً وبدون إنذار، فتوجب على الشركة التعويض المنصوص عليه في القانون؛ لكنها وعبر مستشارها القانوني ماطلت في تسليم مستحقات نهاية الخدمة. ويبدو أن الموظفين المسؤولين من المتمرسين في تلك الدعاوى؛ فحولت الشكوى إلى محاكم دبي التي قامت بدورها في النظر في القضية، التي استمرت أكثر من عام، ولا تزال القضية حتى يومنا هذا في أروقة المحاكم.
إنهاء التعاقد بشكل مفاجئ
أما «ز. أ» وهو عامل في مؤسسة كبرى بها أفرع داخل الدولة وخارجها تدار من قبل إدارة للشؤون القانونية، وفيها عدد من المتخصصين في القضايا العمالية؛ حيث قامت المؤسسة بإنهاء التعاقد بشكل مفاجئ، ودون إنذار على الرغم من عمله في الشركة الذي زاد على ست سنوات.
وفي هذا الصدد، قال: اتبعت الإجراء القانوني لاستلام مستحقاتي العمالية لأتمكن من دفع مستلزماتي المختلفة من أقساط المدارس والمنزل والقروض؛ لكن تعنت الشركة في تسليمي المستحقات بدأت بالضغط والمماطلة وإطالة أمد القضية مما أدى إلى تراكم ديوني.
مستحقات نهاية الخدمة والجواز
وفيما يخص حالة «م. د» موظف آخر لديه قضية عمالية؛ حيث امتنعت شركة يعمل بها عن تسليمه مستحقات نهاية الخدمة، ورفضت أيضاً تسليمه جواز سفره المحتجز لديها، فقام بفتح ملف في وزارة الموارد البشرية والتوطين؛ لاستلام مستحقاته، فحولت شكواه إلى المحكمة، وأقام دعوى أخرى لاستلام جواز سفره؛ ليلغي إقامته في الشركة، ويبحث عن عمل آخر.
وقال: صرفت كل مدخراتي، واضطرت إلى الاستدانة بمبالغ كبيرة حتى أتمكن من سداد رسوم الدعوى، وندب خبير بعد جلسات كثيرة في المحاكم امتدت على مدار أعوام وأخيراً استلمت جواز سفري، واستغلت الشركة بعض النقاط في القانون التي لا تخول وزارة الموارد البشرية والتوطين من إلغاء الإقامة إلا بعد موافقة الشركة الخصم فزاد الأمر تعقيداً علي.
بمفرده أمام قانونيين
فيما قال عامل آخر يعمل بشركة كبرى، إنه غير ملم بكافة الإجراءات القانونية، في حين يطلب منه بعد تحويل ملف شكواه إلى المحكمة نشر إعلانات وأرشفة مستندات وغيرها من الأمور التي تكبده مصاريف ووقتاً لا يستطيع أن يلبي ذلك؛ من أجل الاستمرار في مطالبته، وعلى حد تعبيره أنه يقف بمفرده أمام قانونيين يجيدون فنون التلاعب وإطالة أمد القضية.
وعبّرت «ع» وهي أم لطفلين منفصلة عن زوجها عن حزنها لما طالها من مشكلات؛ بسبب إطالة أمد قضية نظرتها المحاكم؛ حيث امتد النظر بها إلى أكثر من عامين، وحاولت نقل كفالتها على مؤسسة أخرى؛ لكن المؤسسة التي كانت تعمل بها تعنتت في إلغاء إقامتها ولم تستطع الاستفادة من تصريح العمل الذي تمنحه لها المحكمة؛ لكون إقامتها تنتهي قبل ستة أشهر.
وحالة «ن.م» موظف آخر تتشابه مع الحالات السابقة؛ لكن تزيد عليها في أن صاحب العمل من حيث رهن تسليم جواز السفر بموافقة الموظف على شروط تتعلق بمكافأة نهاية خدمته، مثل عدم الحصول عليها أو تقليلها إلى أكثر من نصف قيمتها المحددة.
80 يوماً
وقال المستشار جمال الجابري، رئيس المحكمة العمالية في دبي، إن القضايا العمالية وفق التعديل الجديد لا تستغرق فترة طويلة وبعضها ينظر في محكمة اليوم الواحد خاصة للمطالبات أقل من 20 ألف درهم، وعزا تأخر الفصل في بعض القضايا وهي حالات نادرة؛ إلى زيادة الضغط في تسجيل القضايا أو بسبب وصول بعضها إلى محكمة الاستئناف أو التمييز للمطالبات أكثر من 20 ألف درهم.
وأكد أن المحكمة العمالية في دبي حددت 80 يوماً مؤشراً للفصل في القضايا العمالية، مؤكداً أن بعض القضايا تم الفصل فيها خلال يوم واحد وقضايا أخرى تمتد إلى 9 شهور حسب اتباع الخطوات ومتطلبات التقاضي التي تمر بها كل قضية؛ حيث قد لا تحتاج بعض الحالات إلى ندب خبير أو إعلان الخصم بسبب حضور الطرفين أو غيرها من الإجراءات.
وبيّن أن المحكمة العمالية بدبي تمكنت من الفصل في أكثر من 9 آلاف قضية عمالية من أصل حوالي 11 ألف قضية حتى نهاية الربع الثالث من العام الجاري؛ حيث يعمل 22 قاضياً على النظر في القضايا بدقة وسرعة؛ للفصل في الدعاوى العمالية.
المماطلة
أكد المحامي علي الزرعوني، أن هناك بعض الممارسات التي تنتهجها بعض الشركات لإطالة أمد القضية، وتعمل على استغلال ثغرات في القانون رغم أن المحكمة تحاول أن تنجز القضايا بشكل سريع، وأن بعض الحالات تزيد فيها الجلسات؛ بسبب عدم حضور الجلسات وما يتطلبه من إعلان بالنشر أو التحري، وبعضها يصل الاستئناف ومحاولة أن تشطب القضية وإعادتها مرة أخرى لمحكمة الاستئناف.
ورغم أن القضايا العمالية تحظى باهتمام القيادة الرشيدة التي سنت القوانين لتسريع الفصل بها، فإن بعض الشركات تجد سبلاً لإطالة أمدها والضغط على الموظف ليوافق على طلباتها، أو يعمل الموظف على رفع دعوى عمالية ليبقى على كفالة المؤسسة ويستفيد من مد أجلها بأن يبقى بجميع المميزات التي منحتها له مؤسسته؛ حيث يمنح القانون العامل كافة الحقوق المتفق عليها في عقد العمل من سكن إذا وجد أو جدد الإقامة والضمان الصحي.
وطالب بزيادة شريحة المستفيدين من قضايا اليوم الواحد لتشمل المطالبات حتى 50 ألف درهم بدلاً من 20 ألف درهم؛ لتسهل على طرفي المعادلة العمالية الفصل في مطالبتهم المالية.
استغلال
أما المحامي علي مصبح فقد تحدث عن تزايد نسبة تضرر العمال من تصرفات بعض الشركات التي تستغل المعيار الزمني، الذي وضعته القوانين لتأجيل القضايا ريثما تستوفي المحكمة إجراءات القضية ويكتمل لديها الشكل القانوني لانعقاد الخصومة، وقد ظهر استغلال ذلك التأجيل بشكل واضح من جانب بعض الشركات في القضايا البسيطة قليلة القيمة المتعلقة بحقوق العامل التعاقدية المنظورة أمام المحاكم عن حقوقهم المتعلقة بمستحقاتهم العمالية ونهاية خدمتهم، في اختلاق التسويف والتخلف عن حضور الجلسات لتعطيل الفصل رغم كون المبالغ المطلوبة في تلك القضايا في بعض الأحيان لا تكفي لسد حاجة الموظف من النفقات الضرورية خلال أمد التقاضي.
مراكز «توافق»
تعمل وزارة الموارد البشرية والتوطين على حل المشكلات العمالية التي يقدمها صاحب العمل أو العامل عبر باحثين قانونين متخصصين، وعززت الوزارة من دورها في حل النزاعات العمالية قبل وصولها إلى قضايا عمالية بمراكز الخدمة «توافق» التي دشنتها العام الماضي؛ حيث تعمل المراكز وفق ضوابط ومعايير وهوية مرئية موحدة وبإشراف الوزارة، وتخدم أصحاب العمل والعمال العاملين في القطاع الخاص؛ من خلال تقديم خدمات الشكاوى العمالية التي يرغب في تقديمها صاحب العمل أو العامل.
وتعد المهمة الرئيسية لمراكز «توافق» هي السعي للوصول لتسوية ودية بين أطراف النزاع العمالي.
مراكز «عضيد»
تعمل محاكم دبي على التيسير على العمال من خلال عدة مبادرات شملت قضايا اليوم الواحد وتدشين مراكز «عضيد» العام الماضي والتي استفاد منها حسب إحصاءات الربع الأول من العام الجاري أكثر من 50 ألف شخص، وتقدم مراكز «عضيد» خدمات متعددة منها تقديم الطلبات الإلكترونية لقيد جميع أنواع الدعاوى ومتابعتها، والاستفسار عن بيانات وتفاصيل الدعاوى، وتقديم طلبات القضايا ومتابعتها، وخدمات الكاتب العدل الخاص، وخدمات التوثيقات المتعلقة بالأحوال الشخصية «الإشهاد الذكي»، وخدمات الزواج، وخدمة الاستعلام عن التصرفات العقارية، فضلاً عن خدمات إضافية أخرى.