للوحة «المأساة» التي رسمها الفنان التشكيلي والشاعر وكاتب النصوص المسرحية الإسباني الكبير بابلو بيكاسو عام 1903 من اسمها نصيب، حيث كان انتحار الشاعر الفرنسي كارلوس كاسيجماس، الذي كان صديقاً مقرباً من بيكاسو، سبباً في رسم هذه اللوحة، كما أدت هذه الحادثة إلى سيطرة التراجيديا على لوحات الفنان الإسباني في الفترة الممتدة بين عامي 1901 و1904، والتي أُطلق عليها اسم «الفترة الزرقاء» نظراً لسيطرة اللون الأزرق بمختلف تدرجاته على لوحات بيكاسو التي اتسمت بشكل عام بالمواضيع المأساوية الحزينة في تلك الفترة.
تطغى على اللوحة مشاعر الحزن، الكآبة والفقر الذي يعيشه الإنسان، والتي رُسمت على القماش بظلال زرقاء بشكل كامل، وتُجسد عائلة مكونة من ثلاثة أفراد «رجل وامرأة وطفل» يقفون على شاطئ البحر، وتظهر عليهم علامات العوز، ويكاد المرء يرى رجفانهم ويسمع أصوات رعشاتهم خارجة من اللوحة، يقف الرجل والمرأة مُغمضي العينين مكتوفَي اليدين وكأن البرد القارس ينخر عظامهما، في حين يفرد الطفل راحَتَي يديه وكأنه يسأل عن شيءٍ ما، وقد عُرضت اللوحة في المتحف الوطني للفنون بالعاصمة الأمريكية واشنطن.
انفعالات عاطفية
بحسب دراسة حديثة، لجأ الفنان الإسباني الكبير إلى استخدام «الكانفاس» في أعمال عديدة، من بينها لوحة «المأساة»، واستخدم فيها الأسلوب التعبيري الرمزي الذي يجنح إلى الانسيابية ونزيفٍ من الألوان القوية على القماش بما يعكس الحالات والانفعالات العاطفية للرسام نفسه، علماً بأن بيكاسو يُعتبر في الوقت ذاته رائد الفن التكعيبي الذي ظهر في مرحلةٍ لاحقة، والذي وصفه صديقه الكاتب والناقد الفرنسي ماكس جاكوب، بأنه «صورة بحد ذاتها. كما في الأدب استخدمت الواقع كوسيلة، وليس كغاية».
اللانهاية
أنجز بيكاسو لوحة «المأساة» في مدينة برشلونة الكتالونية خلال «الفترة الزرقاء»، ووسط مشاعر كآبة ووحدة شديدتين، يقف الثلاثة بجوار بعضهم وليس لهم سوى أجسادهم النحيلة الواهنة ليضمّوها، ورغم أن الفضاء العام للوحة يُظهر قُرب المسافات فيما بينهم بما لا يتجاوز سنتيمترات قليلة، إلا أن احتياج كلٍّ منهم لمواساة الآخر يوسع تلك المسافات إلى اللانهاية، وقد وُظفت هذه اللوحة في أحد الإعلانات التي تحذّر من مخاطر مرض نقص المناعة المكتسب «الإيدز».
برودة الأزرق
يتحدث الناقد الفنّي الفرنسي فرانك إلغر «1899 - 1978» في كتابه المعنون ب«Picasso, a study of the artist work» عن لوحة المأساة، بالقول إن «الظلال المُشرقة والنابضة بالحياة قد لا تكون مناسبة لأجساد تعوزها الحيوية، ووجوه مُظلمة وخائفة لبشر يذبلون تحت وطأة عذاب لا يستطيعون فهمه. فبرودة الأزرق أكثر انسجاماً مع عالم المُعذَبين والمحرومين».
جلدُ الذات
طغى الحزن والكمد على شخصية بيكاسو طيلة سنوات «الفترة الزرقاء» التي أعقبت انتحار صديقه الحميم الشاعر الفرنسي «كاسيجماس»، والتي امتدت بين عامي 1901 و1904، وانعكس ذلك جلياً على اللوحات التي رسمها الفنان الإسباني في تلك الفترة الكئيبة، وقد قال بيكاسو آنذاك: «كان التفكير في ذلك الصديق هو ما دفعني لكي أرسم بالأزرق»، ومن بين لوحات تلك الفترة، لوحة «المأساة» التي لفتت الأنظار منذ ظهورها، وأجري حولها عدد كبير من الدراسات النفسية والقراءات، بسبب محتواها الغامض والمعقد، فهذه اللوحة متخمة بالتأويلات، فهل قصد بيكاسو من اللوحة تسليط الضوء على فجيعة فقدان الأحبة، العوز والفقر، النبذ والعزلة، أم كانت هناك مقاصد أخرى للرسام بلجوئه إلى أسلوب جلد الذات في تلك الفترة؟
تراجيديات
في هذا الإطار يضيف فرانك إلغر، أن «اللوحة مُشبعة بالعديد من القراءات. هل قصد بيكاسو تراجيديا المرض؟ أم تراجيديا الموت؟ أم تراجيديا الفقد؟ رُبما تراجيديا الفقر والعوز؟ أم هي، دون الوقوف على مأساة بعينها، تصوير لإحساس الفجيعة المُقترن بالوجود الإنساني على الأرض؟»، وأردف يقول: «هناك سرديّة كُبرى تفرضها اللوحة، من مُجرد ذكر الاسم، سرديّة التراجيديا الأبدية المُلازمة للوجود الإنساني. السردية التي لا يحدها زمان. تراجيديا بيكاسو كانت نوعاً من السفر. السفر نحو الداخل الإنساني.
القفص الوردي
وضع بيكاسو حداً لحقبة الكآبة والحزن على فقدان صديقه الحميم، وخرج من «قمقم المأساة» ليدخل «القفص الوردي» بعد أن وقع في حب فنانة فرنسية كانت تدعى «فيرناند أوليفييه»، وكان لها دورٌ في إعادة البهجة والسرور إلى شخصية وأعمال بيكاسو، فطغت الألوان المبهجة ومزاج التفاؤل على لوحاته، وحلَّ الوردي بارتداداته الرومانسية محلَّ الأزرق البارد، وخلال الفترة ذاتها أسس بيكاسو لعملية الجمع بين الكلاسيكية والتعبيرية، وبات اهتمامه منصباً على اللوحات نفسها لا على المحتوى أو الموضوع، ويُعتَقد أن ذلك كان من الأسباب التي ساهمت في بيع لوحاته بنسبة أكبر من السابق بفضل طبيعة الألوان التي جعلت اللوحات أكثر جاذبية.