«الأم الغراب»، هو مصطلح بالألمانية يصف الأم شديدة القسوة التي تهمل أطفالها، ولا تشملهم برعايتها، إلا أن الطفل «بيتر فافريتسينيك» يحب هذه الأم، ويبحث عنها طوال حياته، ويلتمس لها الأعذار، لذا أطلق على روايته اسم «حب الغربان»، وقد ترجمتها إلى العربية علا عادل.

تلك الرواية تكاد تكون بمثابة قصيدة طويلة امتدت لأكثر من 400 صفحة، فقد نجح «فافريتسينيك» في أن يملأ هذه الصفحات بمشاعره، بقصته الشخصية التي تتكون من ومضات أفكار، وذكريات، وتأملات، وآمال، فالقصة ليس لها بطل بعينه، أو بنية أحداث، حيث يصور الكاتب نشأته يتيماً في إحدى الدور، وصراعه مع وجوده محروماً من الأم، ما دفعه إلى البحث عنها، حتى نصل إلى لحظة اللقاء الدرامية بينهما.

وقد أقر الكاتب في حوار صحفي بأنه ظل سنوات يصارع نفسه، حتى اتخذ القرار بكتابة سيرته الذاتية، فراح طوال سنوات يزور كل الأماكن التي عاش فيها مرة أخرى، ما سبب له الكثير من الألم، أي أنه اضطر لمعايشة هذا الألم مرتين.

ويستخدم الكاتب طريقة مبتكرة في الكتابة تعتمد على عناصر كثيرة، منها تقنية استمطار الأحداث، فهو لا يحكي قصته بتتابع زمني منطقي، بل يجعلنا ننتقل معه من الحاضر، إلى الماضي، والعكس، من دون تمهيد، وكثيراً ما تتخلل الأحداث مقاطع من نشرات الأخبار عن حوادث وقعت لأطفال ضحايا لها، ربما ليبرر لنفسه، أو يواسيها، بأن هناك أطفالاً كثراً عانوا مثله تماماً، كذلك يدفع الكاتب بمقاطع من قصص شعبية، أو أغنيات أطفال، أو قصائد بتصرف.

ويتميز أسلوب الكاتب كذلك بالتصوير السينمائي، فهو يصف الأحداث كأنها مشهد في فيلم، يراه هو من الخارج، لذا نرى كثيراً من مطلع العديد من الفقرات كلمات مثل «أراني وأنا طفل في السادسة»، أو «أرى أمي وهي طفلة في العاشرة»ز ويعد «فافريتسينيك» خبيراً في اختراع الكلمات الجديدة، والتراكيب المبتكرة، فهو متلاعب باللغة، ويستخدم الكلمات الإبداعية استخداماً علاجياً لنفسه، ويمتد هذا الانصهار بين الجمل على مدار الرواية بأكملها.

وفازت هذه الرواية بجائزة «انجبورج ناخمان» عام 2010 وهي واحدة من أهم الجوائز الأدبية في المناطق المتحدثة بالألمانية، ويتناول المؤلف في رواية «حب الغربان» قصته الحقيقية، فهو ذلك الطفل الذي تركته أمه، وهو لم يتجاوز العامين، مع أخته التي تكبره بعام واحد، في شقة صغيرة في مدينة روستوك عام 1956 لتفر إلى الغرب، وبعد أن عثر عليهما الجيران في حالة مزرية، انفصل بيتر عن أخته، ولم يعرف عنها شيئاً أثناء سنوات طفولته التي قضاها متنقلاً من دار أيتام، إلى أخرى، حيث مر بالعديد من التجارب الأليمة، حتى تبناه زوجان يعملان في التدريس.