الشارقة: أوميد عبد الكريم إبراهيم

«باتت سراييفو أشبه بامرأة جميلة تملأ وجهها كدمات. اختفت منها جنائن زهر مارغريت الصفراء والبيضاء، وزاد المشهد كآبة رائحة الموت المنبعثة من تحت التربة»، هكذا يصف الروائي الجزائري سعيد خطيبي، مدينة «سراييفو» عاصمة البوسنة والهرسك، التي مزقت أوصالها حروبٌ متتالية لم يهدأ فيها أزيز الرصاص، في روايته «حطب سراييفو» الصادرة عن منشورات الاختلاف في الجزائر، ومنشورات ضفاف في بيروت 2019، وفيها يعقد الكاتب مقارنةً بين ما حدث لبلده الجزائر، وما تعرضت له البوسنة من ألم الحرب والدمار خلال تسعينات القرن المنصرم.
يغوص الروائي الجزائري بانسيابية إلى عمق الأحداث من خلال حكايتين منفصلتين، الأولى عن الصحفي الجزائري «سليم»، الشاب الذي يحظى بفرصة هَجرِ وطنه بعد طول انتظار، أما الثانية، فتدور حول فتاة بوسنية تدعى «إيفانا»، والتي يدفعها الطموح إلى البحث عن العمل في التمثيل والكتابة للمسرح، إلا أن المآسي والمصاعب تعترض طريقهما، ثم ينتقل الكاتب للحديث على واقع كلٍّ من «سراييفو والجزائر العاصمة» وشعبيهما على حِدة.
يولي سعيد خطيبي اهتماماً جليَّاً بنقل الأفكار الإنسانية في روايته، ويؤكد أن ما يجمع البشر أكثر مما يفرقهم مهما كان الواقع موجعاً، كما يُسلط الضوء على الويلات التي تتسبب بها الحرب، حيث يقول في جزء آخر من روايته: «يحصل أن نجد مقبرة جماعية يقف أمامها مقهى أو مطعم يتحوّل في الليل إلى حلبة رقص يتناوب فيها الأحياء على تحريك أجسادهم، وقبالتهم الموتى يتفرّجون وهم صامتون».
تفاعل عدد كبير من القراء مع رواية «حطب سراييفو»، خصوصاً القارئ الجزائري الذي لامست هذه الرواية وجدانه الجريح، وسافرت به إلى حقبة «العشرية السوداء أو الحرب الأهلية» التي عصفت ببلدهم مطلع تسعينات القرن الماضي، حيث يقول أحد القراء: «يضعُ سعيد خطيبي القارئ في إطار ممزق ومبعثر من الألم تمتد شظاياه من الجزائر أيام العشرية السوداء إلى البوسنة والهرسك في حربها أوائل التسعينات. هذا التمزّق يتجسّد بشخصيتين روائيتين أساسيتين تتبادلان الأدوار في السرد، كلٌّ عن ألمه الذي يشكل انعكاساً لآلام بلاده من قتل وذبح وتشريد».
يُسلط قارئ آخر الضوء على مآسي الحروب التي تناولتها الرواية، حيث كتبَ يقول: «(حطب سراييفو) من الروايات التي تتناول الحروب ومآسيها. تدور أحداثها ما بين الجزائر والبوسنة. جزائرُ التسعينات في فترة العشرية السوداء من جهة، وحرب البوسنة والهرسك من جهة أخرى. شخصيات وأحداث كثيرة متشابكة ومتشابهة يجمعها ويوحدها البؤس وويلات الحرب، وتكاد تشم راحة الدم والدخان خارجة من بين الكلمات».
يُبدي أحد القراء إعجابه بالأسلوب التعبيري لسعيد خطيبي، ويقول: إن «خطيبي أجاد في تمثّل حالة بَطَلَي روايته والتعبير عنهما بشكلٍ واقعي، وذلك من خلال تقنية تعدد الأصوات، حيث ترك لكل بطلٍ منهما أن يعبّر عن نفسه بشكلٍ كامل، وانطلق من خلال تيار الوعي لنقل مشاعر أبطاله وعالمهم، وإشراك القارئ في تلك التفاصيل الدقيقة لكلا العالمين بالتوازي».
«نهران متوازيان من الهزائم؛ منبعهما الألم، ومصبهما الشتات»، بهذه العبارة بدأ قارئ آخر حديثه عن «حطب سراييفو»، واستطردَ قائلاً: «يقدم سعيد خطيبي عملاً أدبياً شديد التميز، نرتد فيه بصحبته إلى نهايات حقبة عشرية الدم في الجزائر، وما يوازيها من سنوات العنف في سراييفو، عبر بناء سردي بُني على المزج المتناوب بين سيرتين مرويتين بضمير المتكلم».