«مختارات من ديوان شمس تبريزي» أحدث ما أصدرته دار آفاق للنشر والتوزيع، من كتب لجلال الدين الرومي، وقد ترجمه إلى العربية د. محمد السعيد جمال الدين، والمقصود بديوان شمس تبريزي مجموعة الأشعار التي نظمها جلال الدين الرومي، تخليداً لذكرى صاحبه شمس الدين التبريزي، وقد صرح الرومي في أغلب القصائد باسمه وأشاد به وعدّه «الإنسان الكامل» وقد تجلت فيه مظاهر الإنسانية، فهو سلطان دولة العشق، وأمير قافلة الحب الإلهي في عصره.
يشتمل الديوان على 42 ألف بيت من الشعر، فقد ترك سليل الفقهاء جلال الدين الرومي موقعه في الإفتاء، وكعالم بفقه الحنفية وأنواع العلوم، ليتصوف ويكتب الشعر، وربح العالم شاعراً متصوفاً ذاعت شهرته، ويعتبر شمس الدين التبريزي الشاعر المتصوف الشهير بدوره المعلم الروحي لجلال الدين الرومي.
كان لقاء شمس الدين التبريزي الأول بجلال الدين الرومي في عام 1244 ميلادية، وتكونت بهذا اللقاء الصداقة التي غيرت مجري حياة الاثنين، اللذين اعتكفا لأربعين يوماً، وخرجا بقواعد العشق الأربعين الشهيرة، وهناك قصتان لرحيل التبريزي، فقد قيل إنه اختفى في ظروف غامضة، وقيل إنه قتل على يد بعض تلاميذ جلال الدين الرومي الغيارى، وأن له ضريحاً معروفاً، وفي الحالين حزن الرومي على رحيل أستاذه وصديقه التبريزي حزناً عميقاً، بعد أن بحث عنه طويلاً ولم يجده، وخلف هذا الحزن ديواناً أسماه الرومي «شمس الدين التبريزي» أو «الديوان الكبير».
كان جلال الدين الرومي يجمع بين شخصية العالم الفقيه والشيخ الصوفي، وكان يختلف إلى دروس فقهه طلبة العلوم الدينية، كما كان يفيد من إرشاداته وتوجيهاته المريدون، الذين يسعون إلى كسب المعارف الروحية، ويبدأ التحول الكبير أو الولادة الجديدة لجلال الدين الرومي، في اللحظة التي يلتقي فيها شمس الدين التبريزي.
يصف «رينولد آلين نيكلسون» شمس الدين التبريزي في مقدمة ترجمته لمختارات من الديوان بأنه «شخصية غامضة تتدثر بلباد أسود خشن، تضوي لحظة قصيرة على مسرح الحياة ثم تختفي فجأة وفي سرعة فائقة» ثم يصفه في ملحقات ترجمة المثنوي بأنه: «كان إلى حد ما أمياً، لكنه امتاز بحماس روحي شديد، مصدره الفكرة التي استولت عليه فجعلته يتخيل أنه مبعوث العناية الإلهية».
أمية شمس الدين تبريزي يرفضها د. محمد السعيد جمال الدين مؤكداً أن له كتاباً اسمه «المقالات» يتبين منه أنه كان متبحراً في العلوم الدينية، فضلاً على درايته الواسعة بآراء المتكلمين والفلاسفة، ما جعله يوجه إليهم الكثير من الانتقادات، كما يشتمل الكتاب على تحليل لعقائد الفرق المختلفة، وأبيات لشعراء من العرب والفرس، ونظرة نقدية للعلوم الرائجة في عصره، وعناية بالأحداث التاريخية ودلالتها، مما لا يمكن القول معه بأن الرجل كان أمياً.
ذكر شمس الدين عدداً كبيراً من شيوخ عصره، لم يكن يوافقهم على آرائهم، وانتقد طرقهم وسلوكهم الواحد تلو الآخر، لكنه أشار إلى أنه لم يستفد من شيخ جلس إليه، مثلما أفاد من جلال الدين الرومي، وكان شأنه شأن جلال الدين الرومي معارضاً للفلسفة، ويبدو أنه ورث كرهه للفلسفة عن أبيه، وعن شيخه شمس الدين، بينما ورث قسوته على مشايخ الصوفية عن شمس الدين.
كان شمس الدين يتحرك من مكان إلى آخر، لا يمسكه بلد ولا وطن، فقد كان كثير الأسفار، حتى توجه إلى قونية- المدينة التي كان يقيم فيها جلال الدين- بعد رؤيا جاءته في المنام، ووصلها يوم السبت سنة 1244 ميلادية والتقى فيها الرومي، ومنذ ذلك اليوم حدث التحول الكبير، فلم يفترق عن شمس الدين إلا بعد أن اضطر شمس إلى الارتحال إلى حلب، بعد أن لقي العنت من رفاق الرومي ومريديه، رغم أنه بدا في نظره «مبعوث العناية الإلهية إليه ليهديه إلى نوع من المعرفة اليقينية لم يتح له من قبل».
أخذت الدهشة أهل قونية، حين رأوا كيف فتن رجل، يشار إليه بالبنان في الوعظ والفتوى، برجل مجهول، كشمس الدين، تحيط علامات استفهام بأصله ومنشئه، وكانت قد مضت نحو ستة أشهر على اللقاء بين الرجلين، ترك فيها جلال الدين الرومي ما كان قد اعتاده في حياته السابقة، ولم تظهر منه بادرة، تدل على العودة إلى التدريس والفتيا، بل إنه صار من أهل المحبة والجذب، وترك كرسي الدرس ولقاء الطلبة.
حث شمس الدين صاحبه على أن يضرب صفحاً عن كل ما يهواه ويجد فيه لذة ومتعة، ولم يسمح له بقراءة كتاب «المعارف» وديوان المتنبي، فضلاً على أنه لم يكن يسمح له بلقاء أحد، وكان ذلك يستفز تلاميذ الرومي، ويستثيرهم بطبعه الحاد، ولم يكن بوسع الرومي أن يفعل شيئاً حيال ما كانت تتصف به أعمال صاحبه وأقواله من حدة ظاهرة وشدة بالغة، لا تتناسب مع ما اعتاده المريدون من شيوخهم، وثار أتباع الرومي على شمس الدين، وتحرشوا به، وقد أحس بالعداء فآثر الابتعاد عن قونية، وذات يوم غاب ولم يعثر له على أثر.
مكث شمس في قونية ستة عشر شهراً، قبل أن يغادرها هارباً من عداء تلاميذ جلال الدين الرومي، الذي أشاح بوجهه عن كل من له علاقة برحيل شمس الدين، وبعد بحث عاد شمس الدين مرة أخرى إلى الرومي، ولم يمض وقت طويل حتى بدأت حملة جديدة من العداء، أشد ضراوة من الأولى، حتى إنه قال: «سوف أرحل هذه المرة، فلا يعرف أحد أين أكون، سوف تمر سنوات، لن يجد فيها أحد لي أثراً، سأختفي، وتمر أوقات وأزمان، حتى يقال إن أحد الأعداء قد قتله» وظل شمس يكرر هذه الأقوال حتى اختفى فجأة ذات يوم.
مباهج الروح
أطلع شمس الدين تبريزي الرومي، على جانب من مباهج الحياة الروحية، لم يكن يدري عنه شيئاً، ولم يتركه إلا بعد أن اطمأن إلى أنه يمضي وحده قدماً في الطريق الصحيح، الذي يسير فيه، وجاءت غيبة شمس الثانية في وقت كانت طريقة جلال الدين الرومي قد تحددت معالمها، واستبانت ملامحها، فقد انفتح أمامه باب علم آخر من المعرفة، وتفجرت في نفسه ينابيع الشعر.