حلت قبل أيام الذكرى 231 لميلاد الفيلسوف الألمانى آرثر شوبنهاور «1788 - 1860»، وهو المفكر الذي كان له تأثير كبير على الفلاسفة من بعده، وعاش حياة ملؤها البؤس والخيبات التي انعكست في إنتاجه الفكري حتى لقب ب«فيلسوف التشاؤم»، وهو لقب رأى فيه الكثيرون لاحقاً ظلماً وعدم فهم دقيق وخاصة الفلاسفة المعاصرين من أمثال: فوكو، ودولوز، ودريدا وغيرهم من المفكرين الذين شغلوا العالم، ولا عجب، فهؤلاء جميعهم بشكل أو بآخر تلاميذ لنيتشه، التلميذ الأنجب للمعلم شوبنهاور.
إن الاقتراب من عوالم شوبنهاور الفيلسوف ظلت عصية وصعبة على الدوام، فهي بمثابة غابة تحيط بها أشجار عالية ومشتبكة من المفاهيم الغامضة والمعقدة، لذا فإن استجلاء ذاك الغموض لأجل الوصول إلى درر المعاني، يحتاج لأكثر من قارئ ذكي، أو فيلسوف عبقري، أو شاعر يستنطق الصخر، هو بحاجة إلى شخص يجمع بين كل تلك الصفات، بالإضافة إلى محلل نفسي حاذق، وقد اجتمعت كل تلك الأشياء في الطبيب النفسي والفيلسوف والأديب الأمريكي إرفين د. يالوم، الذي أسس لما يعرف بالتحليل النفسي الوجودي، وأنجز روايات تتقصى حياة الفلاسفة الكبار، وتخضعها للتحليل النفسي عبر سرد روائي ممتع، يأتينا بالتفسير للمواقف والدوافع ويزيل الغموض الذي كان حجر عثرة للقراء منعهم من الاقتراب من الفلسفة كثيراً، وقد فعل ذلك في مؤلفات عديدة مثل: «عندما بكى نيتشه»، و«مشكلة اسبينوزا»، و«مستلقياً على الكنبة»، فهو يبسط الفلسفة ويضيف إليها بعد المتعة عبر سيرة حياة حافلة لكل بطل من أبطاله، والذين هم ليسو مجرد أبطال عابرين عاديين، بل فلاسفة كان لهم تأثيرهم في الناس والحياة.
وتأتي رواية «علاج شوبنهاور»، التي صدرت طبعتها العربية عام 2018 عن دار الجمل، بترجمة لخالد الجبيلي، ضمن مجهودات يالوم في التوغل في حياة شوبنهاور، وأهم المواقف التي أنتجت مفاهيمه ونظرته للحياة والوجود، هي رحلة تقودنا إلى المنابع الأولى التي أسهمت في تشكل الفيلسوف وأفكاره.
تنفتح الرواية على قصة الدكتور جوليوس، المعالج النفسي الذي يصاب بالإحباط عندما يكتشف إصابته بمرض السرطان، فقد صار قريباً من الموت، تلك اللحظة التي تضع المرء أمام فسحة تأملية يراجع معها مجمل حياته، وهذا ما فعله جوليوس، وأثناء ذلك تذكر أحد مرضاه المصابين بالإدمان، وهو الطبيب فيليب، الذي فشل في علاجه، فقد كان فيليب يعاني تأثير الإدمان في حياته التي تحولت إلى جحيم لا يطاق، فيقوم جوليوس بالسؤال عنه وكيف صار؟ ليكتشف أن مريضه السابق قد تعافى تماماً، وأصبح دكتوراً أكاديمياً في الفلسفة، يقدم استشارات فلسفية على غرار الاستشارات النفسية، وذلك الأمر كان بمثابة مفاجأة لجوليوس، وأخذت الأسئلة تدور في رأسه: كيف تعالج من الإدمان؟ بل كيف استأنف حياته العملية بيسر وكأن شيئاً لم يكن؟.
ويكتشف جوليوس أن فيليب عالج نفسه بنفسه، من خلال التعمق في فلسفة شوبنهاور، والذي وجد في حياته تشابهاً كبيراً بالذي عاناه في هذه الحياة من ألم وقسوة، فعلى غرار ما حدث لشوبنهاور انتحر والده وابتعد عن والدته، وصار يحب العزلة والانقطاع، فهو يرى أن الارتباطات الإنسانية تزيد من أوجاع الحياة، وتضفي عليها مرارة، لكن أفضل ما وجده في سيرة شوبنهاور هو كرهه للعلاقات الحميمة، حيث كان يرى أنها تتدخل في كل مناحي الحياة فتفسدها، هي ذلك السرطان الذي يفسد كل شيء، ويحطم العلاقات القيمة، ويسلب ضمائر الشرفاء، وهكذا تعلم فيليب من شوبنهاور ضرورة حفظ المسافة بين كل شخص وآخر نفسياً وجسدياً، فسار على تلك التعاليم واعتزل الحياة، وانقطع للتفكير والتأمل، فكان ذلك بمثابة العلاج له من الإدمان، لكنه يقع في إدمان آخر، ربما هو أكثر خطورة، وهو التعلق بشوبنهاور، وهو الأمر الذي يساعده فيه جوليوس عندما يكتشفا معاً أن المعالج «شوبنهاور»، بحاجة إلى علاج.
يرى يالوم من خلال الاقتراب العميق من حياة شوبنهاور، أن الأسس المتينة في وجهة نظرنا للعالم، تتشكل في سنوات الطفولة، ثم تتطور وتكتمل، لكنها لا تتبدل من حيث الجوهر، ثم يشرع يالوم في تناول طفولة شوبنهاور وعلاقته بوالده «هينرش» ووالدته «يوهانا»، حيث يرى في تلك العلاقة اللحظة التي أسهمت في تشكيله وسيطرة التشاؤم عليه، فقد كان والده متغطرساً جباراً، ومات منتحراً، بينما كانت والدته غاية في الرقة والرومانسية، وجاء زواجها بوالده مأساوياً لحد كبير، فهي من طبقة أدنى تنظر إلى عائلة شوبنهاور باحترام وتبجيل، لكنها تندم على ذلك الخيار، وعلى تركها لحبيبها الأول، الذي لم يفارق حبه قلبها، فتحولت حياة الزوجين إلى معاناة وجحيم لا يطاق، وهو الذي تسرب إلى الابن «شوبنهاور الفيلسوف»، حيث عاش محروماً من الحب، فكان لذلك عواقبه النفسية، فالأطفال المحرومون من رابطة الحب الأسري لا يتمكنون من تعزيز الثقة اللازمة لحب أنفسهم، ويصبحون منكفئين ومنعزلين، وغالباً ما يعيشون في علاقة معادية للآخرين. وهذا هو المشهد النفسي الذي رسم آراء شوبنهاور عن الحياة في نهاية المطاف.