دبا الحصن: محمدو لحبيب

المرايا لا تعكس الصورة الماثلة أمامها، بل إنها تشظيها وتظهرها مكسورة مجزأة، والموسيقى تحولت إلى وخز يضرب الضمير لكي يكتشف هويته، والجسد يهتز لكنه لا يرقص، فثمة شيء ما أصاب الروح فانفصلت عن إيقاع جسدها، والمتفرج محاصر بمجموعة من الأسئلة التي تتوالد في كل لحظة، وتكشف جزءاً من القصة التي تدور أمامه، والمخرج والمؤلف الإماراتي حافظ ثاني أمان يزيح في كل لحظة من عرضه «ما زال الثلج يسقط»، قطعة من ذلك الثلج الذي يخفي الحقيقة، لتظهر أزمة الهوية والوجود والانتماء التي تجسدها شخصيتا العرض «جليل وعادل».

العرض افتتح الدورة الرابعة من مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي، مساء أمس الأول في المركز الثقافي لدبا الحصن، وحضره الشيخ سعيد بن صقر القاسمي نائب رئيس مكتب صاحب السمو حاكم الشارقة في خورفكان، وأحمد بورحيمة مدير إدارة المسرح في دائرة الثقافة في الشارقة مدير المهرجان، إضافة إلى جمهور غفير ضم ضيوف المهرجان من مسرحيين ونقاد وإعلاميين، وجمع كبير من أهالي المدينة.

ومنذ أول جملة مسرحية يدخل المخرج المؤلف جمهوره في لعبته الانزياحية الخاصة، والتي حاول فيها تناول مأزق الهوية عند شابين وجدا أنفسهما في كنف رجل غربي يدعى سميث، رباهما منذ الصغر، حين استلمهما من مأوى للأطفال المشردين في إحدى الدول العربية أو الشرق أوسطية، وتبناهما، وبدأ يغرس فيهما القيم الثقافية لمجتمعه، ويعلمهما ترسيمات تلك الثقافة ممثلة في الموسيقى والرقص والذوق الجمالي الخاص بها، لكن أحدهما وفي لحظة مواجهة للذات المكسورة يقرر أن يتوقف عن عزف الموسيقى التي تنتمي لعالم سميث لأنه لا يحس بها، ولا تأتي من أعماق روحه، ويقنع أخاه راقص الباليه المفتون على عكسه هو بالموسيقى الغربية، بأنه سيعزف له لحناً آخر وموسيقى مختلفة تتجلى فيها الثقافة الشرقية الممزوجة ببعض السمات الإفريقية، إنها موسيقى أعطاها له كما قال «ذلك الرجل الأشيب الذي يشبههما في دموعه»، لكن الآخر الذي يطمح للمشاركة في مسابقة للرقص لا يبدو مستسيغاً لتلك الموسيقى، ويحث أخاه العازف على أن يعزف له قطعة أخرى لباولو باندونتي، لأنه يحس بها متماهية مع جسده وقادرة على تحريكه بمنتهى السلاسة.

هذا التضارب في الذوق الموسيقي شكل بداية لسلسلة من المفارقات بين الشقيقين، أظهرت الصراع الذاتي الذي يعيشه كل منهما بين انتمائه الأصلي، و انتمائه «بالتبني» لمنطقة لجوئه ولعالم سميث المختلف تماماً عن جذورهما، كما أظهرت الصراع بينهما حول أي الانتماءين يستحق التمسك به واعتباره حقيقة وعنواناً للهوية الدائمة الثابتة.

«يجب التركيز، إنها لعبة العقل، لا يمكنني الخروج من هذه المتاهة دون التركيز»، تلك الجملة التي ظهرت في البداية على لسان الأخ «الراقص»، جعلت المتفرج يتوقع حكاية تقليدية تفصح عن معاناة تشمل ملايين المهاجرين واللاجئين من أصول عربية، والذين يستوطنون أوروبا والغرب عموماً منذ الولادة أو منذ الصغر، ويبحثون بلا كلل عن نقطة للوقوف عليها دون قلق، وتحديد من يكونون وإلى من ينتمون، لكن المخرج المؤلف فضل أن يمسك في عرضه بكل التفاصيل، ويقدمها عبر الموسيقى والرقص ودلالاتهما الثقافية، وحاول من خلال الحوار وتقنيات المسرح الأخرى، مقاربة علاقة الشقيقين بسميث وما يمثله رمزياً وثقافياً، بالإحالة إلى علاقة العبيد الذين كانوا يأتون من إفريقيا بالمجتمعات الأمريكية والأوروبية التي كانوا يدمجون فيها قسراً، فترغمهم على خلع قميص الأب الأصلي وإلقائه نحو مكان سحيق في ذاكرة النسيان. وخلص من خلال ذلك إلى أن الأخوين يعانيان بدورهما من عبودية من دون سلاسل، ومن ارتهان لسميث الذي أنفق عليهما ورباهما حتى كبرا والذي مسخ كل هويتهما الأصلية مقابل ذلك.

وفي ذروة الفعل الدرامي في العرض يتضح أن الأخوين مختلفان تماماً في تقديرهما للرضوخ لعالم سميث، فأحدهما يقول محاولاً التخلص من إلحاح أخيه على أن يبحثا عن والديهما الأصليين ويذهبا إلى موطنهما ويستعيدا هويتهما: «دعني أريد الرقص، أريد التنفس، أريد أن أجري في فضائي»، أما الآخر فيقول معبراً عن حنينه للأصول: «أريد أن أركض بين الحواري وأتناول حلوى العيد».

وفي نهاية العرض تتحدد المواقف بينهما بشكل قاطع فلا نقطة التقاء يمكن أن تجمعهما، فلا سميث بات مقبولاً عند الأخ الذي يحن لصوت أمه وموسيقى أبيه ذات الإيقاعات الإفريقية الشرق أوسطية، ولا الآخر يرضى بنكران وجحود ما فعله سميث لهما، والاندفاع نحو ماض لم يعد له وجود، وأب قرر أن يتركهما للتشرد ولكنف الملاجئ والغربة في بلاد الثلج الذي يغطي كل شيء حتى الأصول.

استدعى المخرج مجموعة من الإحالات السمعية البصرية التي حاول من خلالها تكثيف دلالات الأفكار التي تعرضها دراما الصراع والاختلاف بين الأخوين، فوظف أغنية «شادي» لفيروز، ووظف فيلم «اميستاد» للمخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرج والذي يحكي عن استجلاب العبيد، ووظف الفيلم الأمريكي أيضاً «جانغو» المتحرر من القيود للمخرج كوينتن تارانتينو.

تميز العرض بشكل عام بقدرة ممثليه على الأداء العالي جداً، وبتوظيفهما المتقن لحركة الجسد، وإن عابه غلبة الحوار على الحركة أحياناً، كما لعبت السينوغرافيا المشكلة من ثلاث مرايا مجزأة دوراً تشخيصياً مهماً في تكثيف دلالات العرض ورسم الشخصيات، ووظفت الإضاءة توظيفاً متناسباً كذلك مع الحركة.

أسئلة متداخلة

وفي الندوة النقدية التي أعقبت العرض والتي حضرها مخرج العمل ومؤلفه، تحدث الباحث المسرحي الجزائري عبد الناصر خلاف الذي أدارها، فأبرز أن العرض طرح أسئلة كثيرة، وأنه مبني على سؤال الكينونة والهوية، وأكد أن المخرج استخدم ثنائيات الموسيقى والرقص والروح والجسد لتشكل قناعاً ذكياً لطرح موضوعات الهجرة والعنصرية والغربة والحرب الأهلية والحب والحرية والعائلة والوطن. وأضاف خلاف قائلاً: «إنها مسرحية الأسئلة بامتياز»، وشدد على أن صراع الشخصيتين في العمل كان صراعاً داخلياً بامتياز، واعتبر أن العرض شهد مجموعة من الإحالات التي عبرت عن الثقافات المتشابكة والمتضادة.

بعد ذلك فتح النقاش مع المسرحيين والإعلاميين ضيوف المهرجان، فاعتبر الدكتور عبد الكريم عبود من العراق أن جمع المخرج بين وظيفة الإخراج والتأليف في العرض لم تمكنه من الإجادة، وقال: «لقد حضر المؤلف وانزاح المخرج»، وأكد محمد ولد محمد سالم أننا كنا أمام عرض جميل وبإسقاطات وتجليات جيدة، ولكنه انتقد كثرة الأخطاء في اللغة العربية من قبل الممثلين، كما لاحظ أن الحركة كانت أقل من الحوارات وهو ما شكل فتوراً في العرض بحسب قوله.

فهمي الخولي من مصر انتقد بدوره العرض وقال إنه كان أثناءه يرى المسرح الطارد وليس الجاذب، وأكد أن العرض تحول لشيء غامض لا يستطيع الجمهور أن يفهمه، ووجه دعوة للمخرج بأن يبذل جهده ليكتب ويخرج ما يفهمه الجمهور وما يصل إليهم، لكنه أثنى على التمثيل واعتبره ممتازاً، وأشاد محمد رفعت بدوره بالممثلين وأكد أن أداءهما كان متدفقاً في انسيابية، لكنه أضاف أن العرض لديه مشكلة مضمون، وقال: «إن كان العرض يناقش الهوية فهو لديه مشكلة هوية في أسلوبه»، وشدد على أن العرض تميز بالغموض ولم يكن جاذباًَ، سماء إبراهيم بدأت مداخلتها بشكر المؤلف، وأشادت بأسلوبه الذي اعتمد التدريج في كشف الأحداث والقصة، لكنها انتقدته في الجزء الإخراجي وقالت: «كل اختياراتك الإخراجية تشبه بعضها ولم أفهم ما سبب ذلك»، وأشادت من جهة أخرى بتقنيات العرض وأكدت أنها كانت جيدة، وشكرت الممثلين على حسن أدائهما.

وتناول طارق الدويري الرؤية الموسيقية في العرض وقال إنها لم تكن واضحة، واعتبر أن السينوغرافيا كان فيها ضعف كبير لأن المرايا لم تؤدي كل ما كان يتوقع منها، وأشاد بالنص واعتبره جيداً.

المخرج حافظ أمان رد على جملة الملاحظات التي وردت في المداخلات في الندوة، وبين أن عرضه كان مجموعة من التساؤلات ومجموعة من الأفكار التي تشتبك مع بعضها، وأنه لم يتعمد أن يتخذ أسلوباً محدداً لروايتها، بل حاول الانسجام مع الموضوع أولاً قبل أن يفكر في شكل عرض،. وأكد أمان أن أزمة الهوية بشكلها الظاهر في العرض ما زالت موجودة لدى العديد من الأجيال المهاجرة والتي ولدت وعاشت في الغرب، وشدد على أنه كمخرج كان أمام قصة يرويها ثم يترك للآخرين تفسيرها.

جدير بالذكر أن فعاليات يوم افتتاح المهرجان بدأت بورشة تدريبية قبل العرض تحت عنوان «تصميم الاستعراض في المسرح المدرسي» وأشرف عليها مناضل عنتر من مصر، وقد توجهت تلك الورشة إلى طلاب المدارس أساساً، وقال عنتر للخليج إنه تفاجأ من كثرة الحضور ومن الاهتمام البالغ بالموضوع من طرف المتدربين، وعبر عن أمله في أن تسهم في تطوير المسرح المدرسي.