ترى ما الذي يفعله الروائي الياباني الشهير «جونيشيرو تانيزاكي»، في عالم السرد؟ هو يلعب لعبة المتعة من خلال التفاصيل الصغيرة، والغوص داخل النفس الإنسانية، هو يتجول مع الأفراد في محنتهم ويتلمس أوجاعهم ويناقش أفكارهم التي لم يصرحوا بها، هو عالم مجنون بلا شك، ولكنه ممتع، وقد تكون المتعة في الجنون أحياناً، وهذا بالضبط ما يفعله في روايته «المفتاح ومفكرة رجل عجوز مجنون» التي صدرت مؤخراً عن دار كنعان في دمشق، بترجمة خالد الجبيلي.
في هذا العمل يبقى تانيزاكي مع هوايته المفضلة «التفاصيل الصغيرة»، ويظهر ذلك في الرواية من خلال عالم المذكرات واليوميات، فهو يقدم حكاية رجل عجوز في منتصف العقد السادس من عمره، يدوّن يوميّاته في شكل دائم وثابت، ويضعها في خزنة ويغلق عليها بالمفتاح، ولا شيء يخيفه في شيخوخته تلك أكثر من هواجس الموت، لكن ذلك الخوف يتبدد مع مرور الوقت، ربما لأنه تعب من الحياة، ولم يعد لديه الرغبة في التشبث بها، وفي رأس السنة الجديدة، يستدل إلى لعبة يجدد بها روتين حياته، ويجدد من خلالها حبّه لزوجته وحياته معها، وهو المحكوم معها بالمتناقضات، ذلك أنه يشعر بالفتور من جانبها، في حين أنها شابة صغيرة، وكما يراها، فهي متقيدة بتعليمات التربية الصارمة التي تلقّتها على يدي والديها الكلاسيكيّين، وعلى رغم بلوغها منتصف الأربعينات من عمرها، إلّا أنّها تظلّ مكبّلة بتلك التعليمات التي تقيّد حياتها مع زوجها، وتثقل عليهما طوال عشرين سنة من زواجهما، فهو زواج بائس.
قصة الرواية ذات ارتباط بالعصر الراهن الذي نعيشه حيث التشظي الإنساني، فالمؤلف يتابع ذلك الرجل العجوز في كل حركاته وسكناته، ولأنه مسنّ ويائس ووحيد، حتى بوجود زوجته، فهو يعمل على تدوين كل المشاعر التي يتعرض لها في مذكراته، ويغوص المؤلف عميقاً في نفس ذلك الرجل العجوز وكيفية تفكيره اليومية وهو يقترب من حافة الموت، ويزداد جنوناً.
أعمال «تانيزاكي»، تجد اهتماماً في العالم العربي، فقد ترجمت كتاباته السردية الروائية والقصصية إلى العربية، لذلك وجدت الرواية الكثير من التناول في المواقع القرائية المتخصصة، وقد تباينت الآراء حولها، ويشير قارئ إلى براعة الكاتب في تقصي حياة الذين تقدمت بهم السن، وكشف أساليب تفكيرهم، ويقول «قوة الوصف عند الكاتب، تجعل القارئ مشدوداً تماماً، فهو قد قدم وصفاً مبدعاً للتقلبات النفسية والروحية في حياة الكبار، والأشياء التي تخيفهم، وتلك التي تمتعهم، والانتكاسات التي يتعرضون لها»، فيما تابع قارئ آخر مسألة الغرابة في الموضوع نفسه، فقال: «ربما أكثر ما يميز الرواية تلك العوالم الغريبة التي أدخلنا فيها الكاتب، هي غريبة فعلاً لكن من الضروري الاطّلاع عليها ومتابعتها حتى النهاية، وذلك لأن كل شخص سيمر بهذه المرحلة العمرية التي تحدث تغييراً كبيراً في الإنسان، ولقد برع تانيزاكي في وصف جنونها وتفاصيلها الغامضة».
ويتوقف قارئ عند الخصائص الفنية والإبداعية للأدب الياباني، والتي بدت واضحة في هذا العمل، فيقول: «احتشدت الرواية بكل خصائص السرد الياباني من دقة الوصف، وجمال البناء، وتواصل الأحداث ودقتها الزمنية»، ولئن ذهب بعض القراء إلى مدح الأساليب الفنية وتكنيكات السرد؛ فإن آخرين وجدوا أنها خاوية من أي مضمون، كما أن القارئ يشعر بالملل نتيجة السرد المتمهل البطيء.
نبض المواقع
«مفكرة رجل عجوز مجنون».. متعة منمنمات السرد الياباني
26 ديسمبر 2019 01:27 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 ديسمبر 01:27 2019
شارك
الشارقة: علاء الدين محمود