عادي
الطريق إلى القلب

أبو الحسن سمنون.. الحب منهج الزاهد

04:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

الشارقة: علاء الدين محمود

«بكيت ودمع العين للنفس راحة/‏ ولكن دمع الشوق ينكى به القلبُ. وذكرى لما ألقاه ليس بنافعي/‏ ولكنه شيء يهيج به الكرب»؛ بسبب هذه الأشعار التي تفيض رقة وعذوبة، وتتدفق شوقاً ووجدا، لُقب أبو الحسن سمنون بن حمزة الخواص، بسمنون المحب، وهو من أحد علماء أهل السنة والجماعة، ومن أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري، توفيّ سنة «297ه- 910م»، وأصله من البصرة، واستقر به المقام في بغداد، وقيل إنه كان يصلي في كل يوم وليلة خمسمئة ركعة، عرف بمصاحبة كبار العلماء وأشهر المتصوفين في بغداد، وأبرزهم الجنيد، وأبو الحسن سري الدين بن المغلس السقطي، وأبو العباس القلانسي، وقد ذكره فريد الدين العطار في مؤلفه «تذكرة الأولياء»، فقال عنه: «كان رحمه الله وحيداً في شأنه، فريداً في أوانه، مقبولاً لأهل زمانه، وهو في المحبة آية، والأكابر أقروا بكماله واعترفوا بفضائله».

جعل سمنون لنفسه منهجاً خاصاً في التصوف، انقلب به على ما هو سائد عند أعلام التصوف، فقد قدم المحبة على المعرفة، وكان يقول في ذلك: «أصل الطريق إلى الله تعالى والقاعدة فيه، إنما هي المحبة، وغير المحبة إنما هو هباء منثور»، لقد انصرف كل هم سمنون نحو الله تعالى ، فكان عاشقاً متبتلاً زاهداً عن كل شيء من ملذات الدنيا، لم يسع وراء منصب منذ أن صار من السالكين في طريق الله تعالى ، وعمل على تهذيب نفسه وروحه ومجاهداتها على ترك المعاصي، وعاش عابداً محباً ملك الحب قلبه تماماً، وسار من خلال هذه المحبة نحو الله تعالى ، فسعى بقلب المتصوف نحو إدراك أعلى المراتب والدرجات في التقرّب من الله عز وجل ، فقد كانت المحبة بالنسبة له تعد مقاماً تستريح عنده العبادة؛ من أجل الوصول إلى مقام المقربين، لقد طرز من تلك المحبة أجنحة تحلق به نحو نور الحق سبحانه وتعالى ، فانفتحت عليه من السماء بركات المعرفة، وأنوار الحقيقة، والمدد الروحي، ينشد قائلاً:

وقد كان قلبي خالياً قبل حبكم

وكان بذكر الخلقِ يلهو ويمزحُ

فلما دعا قلبي هواك أجابَهُ

فلستُ أراهُ عنْ فنانكَ يبرحُ

اتخذ سمنون من الشعر والنظم وسيلة وأداة يعبر فيها عما يجيش بنفسه من لواعج الحب والشوق، ولئن كان ذلك شأن كل المتصوفة؛ إلا أن سمنون بلغ به ذلك الحب مبلغاً عظيماً، فكان نظمه الشعري أقرب إلى الغزلي، فتجد فيه مفردات الشوق وتباريحه، والحب وجنته، والقرب ونعيمه، والبعد وشقاءه، وغيرها من دفقات شعورية صاغها في نظم فريد، فهو في حال لن يشفى منه إلا بنيل رضى المولى عز وجل ، فقلبه لغير الله لا يصلح كما قال ذات مرّة، وعلى الرغم من اشتهار الكثير من شعراء المتصوفة؛ أمثال: جلال الدين الرومي، وابن الفارض، ورابعة العدوية، والجنيد، وابن عربي، وغيرهم من الأفذاذ؛ إلا أن سمنون كان حالة خاصة في العشق والشوق، وقد تقلب في تلك الأحوال حتى قيل إن خطبه في الحب كانت شديدة التأثير على مستمعيه، وفي ذلك الكثير من الحكايات، ومنها ما رواه فريد الدين العطار؛ «إذ ذكر أن سمنون كان يعظ يوماً ويتكلم عن المحبة؛ إذ جاء طيرٌ، ووقع على رأس سمنون، ثم نزل على يده، ثم جلس على حجره، ثم نقر بمنقاره على الأرض، إلى أن جرى منه الدم، وخر صريعاً»، والقصة تشير إلى قوة تأثير خطب سمنون في مقام الحب والمحبة، وهو أشهر أقوال ذلك الصوفي العاشق في المحبة: لا يعبَّرُ عن شيءٍ إلا بما هو أرقُّ منه، ولا شيءَ أرقُّ من المحبّة فما يعبر عنها؟، وتلك الكلمات الرقيقات تفصح تماماً عن شخصية الرجل، فقد كان يدعو إلى المحبة، خلّدَ نفسَهُ بالحبّ، وسُمِّيَ بالمُحبّ.

المتصوف الزاهد

وعرف عن سمنون حسن العبادة دون تعب أو ملل، كما عرف عنه ورعه وزهده في الحياة الفانية كشأن السالكين الصادقين الذين ما فتنوا في الدنيا، وما زاغوا عن طريق ربهم، ومن أشهر مقولاته: التصوّف ألا تملك شيئاً وألا يملكك أي شيء، وظل زاهداً لا يرى في الحياة ما يستحق من متع سوى محبة الله تعالى، وروى الإمام القشيري قصة تشير إلى زهد سمنون فقال: فرق رجل ببغداد على الفقراء أربعين ألف درهم، فقال لي سمنون: يا أبا أحمد، ألا ترى ما قد أنفق هذا، وما قد عمله؟ ونحن ما نجد شيئاً، فامض بنا إلى موضع نُصلِّ فيه بكل درهم أنفقه ركعة. فمضينا إلى المدائن، فصلّينا أربعين ألف ركعة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"