الشارقة: علاء الدين محمود

نظم اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في مقره بقناة القصباء في الشارقة أمس الأول، أمسية استضاف فيها الروائي إبراهيم الكوني، بعنوان: «أدب الصحراء... الهوية والرؤية والاستشراف»، أدارها الإعلامي شاكر نوري.

بدأ الكوني حديثه بالرد على سؤال مدير الأمسية حول نظرة المستشرقين لأدب الصحراء وكيف تعامل الغرب مع ثقافتها؟ واستعاد في هذا السياق قصة ذهابه إلى الاتحاد السوفييتي السابق لدراسة الأدب في معهد جوركي عام 1970، حيث فوجئ بنظرية تدرّس للطلاب مفادها أن العمل الروائي سليل «مديني»، فهو الابن الشرعي للمدينة، وكان ذلك بمثابة صدمة للكاتب الكبير الذي جاء إلى موسكو بحلم أن يروي عن الإنسان الذي عاش في الصحراء فسكنها وسكنته، فقد أراد أن يكتب نصاً روائياً عن الصحراء لا عن المدينة، وقد استمر معه ذلك الهاجس إلى أن التقى في خريف 1972، بالروائي العراقي غائب طعمة فرمان، والذي اطّلع على مجموعة الكوني القصصية «الصلاة خارج نطاق الأوقات الخمسة»، فأعجب بها فرمان أيّما إعجاب وطلب منه الاستمرار في الكتابة عن الصحراء لكونها ليست مكاناً فقط، بل قضية روائية يغترب عنها المكان، وولد هذا الموقف سؤالاً وتحدياً لدى الكوني يتمثل في كيفية أن يوفق بين ما ذكره فرمان، وما لقنوه له في معهد جوركي الذي كان يستند إلى نظرية «جورج لوكاتش»، في الأدب، والتي تشدد على أن الرواية جنس مديني، وقد استمر هذا الصراع داخل الكوني، لفترة طويلة امتدت لنحو 16 عاماً تنقل خلالها في دول أوروبا، ليكتب بعدها رواية «البئر»، التي تحولت إلى رباعية، وكانت بمثابة عمل تجريبيي كان الغرض منه قبول التحدي.

وذكر الكوني أن تجربته مع معهد جوركي، قد علمته أن مركز الرواية هو الإنسان وليست المدينة أو الصحراء، وأن في داخل أي فرد تسكن ملحمة، لذلك عمل على الكتابة عن الصحراء وتعامل مع الإنسان باعتباره الناطق الرسمي باسم المكان، فالإنسان بالنسبة للكوني هو غاية الوجود، بالتالي هو مركز الرواية فكان أن استنطقه في أعماله الأدبية باعتباره مشبعاً بروح المكان؛ أي الصحراء.

وأوضح الكوني أن الهدف الذي سعى إليه المستشرقون في نظرياتهم وكتاباتهم عن الصحراء، هو خدمة وتلبية طموح الطبقة البرجوازية في أوروبا في السيطرة على العالم وثرواته، حيث سعت هذه الطبقة نحو الهيمنة الاقتصادية والثقافية، فكان أن بدأت عملية «تسفيه الصحراء»؛ أي إلغاء تاريخها فقدموها للإنسان الأوروبي عارية من الروح، وتعاملوا معها كعالم عجائبي حتى يسهل عليهم اغتنامها.

وشدد الكوني على أن الصحراء في بُعدها التاريخي هي أم الحضارات، وذلك اعتماداً على ما ذكره المؤرخون والفلاسفة اليونانيون عن الصحراء ودورها في حضارة العالم، وبصورة خاصة المؤرخ الشهير هيرودوتس، الذي أكد أن اليونانيين يدينون في كل ممارساتهم الحضارية ورموزهم لصحراء ليبيا، وقد ظلت تلك الحقائق مطموسة وملغاة في الغرب.

وعقد الكوني مقارنة بين البرّية والحياة المدنية، وأكد أن كل القيم النبيلة موجودة في الإنسان البرّي، لأنه يتخلق بالعرف.

وطاف الكوني بالحضور في عوالم ساحرة، عندما سرد تجربة ظلت عالقة بذهنه، شكلت مساره الأدبي، وذلك عندما تاه في الصحراء وهو طفل عمره 5 سنوات، وقضى فيها قرابة اليومين إلى أن تابع أثر «خف البعير» فأوصله إلى الواحة، ويصف الكوني تلك التجربة بالمميتة، لكنها فتحت له ما أسماه بالباب المغلق، حيث صار يتحدث عنها وعن إنسانها، وقال الكوني: «لقد اختارتني الصحراء في تلك الليلة لأقول كلمتها التي لم يقلها أحد».

وفي ختام الأمسية كرمت الهنوف محمد رئيس اتحاد الكتاب بالإنابة صحبة محمد بن جرش الأمين العام للاتحاد الكوني ونوري.