عادي

إيفانجيليستا تورشيللي المؤسس الفعلي لقوانين الديناميكا المائية

قمم خالدة
04:00 صباحا
قراءة 7 دقائق

إعداد: عثمان حسن

تورشيللي.. عالم فيزيائي ورياضي إيطالي .. مكتشف الباروميتر الزئبقي، نادى بوجود «الفراغ»، وهو صاحب أول دليل تجريبي حول التركيب الذري للمادة، طور في حسابي التفاضل والتكامل، وقدم أطروحات مهمة حول المقذوفات وحركة السوائل.

كان اكتشافه في القرن السابع عشر ثوريا بمعنى الكلمة فهو أولا شكل إضافة علمية على صعيد المعرفة، وثانيا، لأنه أسهم في تغيير القناعات السائدة حينذاك بالنسبة لمفهوم الطبيعة.

ولد إيفانجيليستا تورشيللي في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1608 في روما، هو الابن البكر لغاسبار تورشيللي، وكاترينا أنجيتي، عاش في عائلة فقيرة، لأب عامل في النسيج؛ بسبب موهبته المبكرة قام والداه بإرساله لتلقي التعليم في فاينزا تحت إشراف عمه جياكومو، وهو من رهبان الكامالدول، والذي تكفل بأن يحصل ابن أخيه على تعليم أساسي سليم، بعدها التحق تورشيللي في الكلية اليسوعية في فايينزا في عام 1624.

في عام 1626، أرسل تورشيللي إلى روما؛ لدراسة العلوم في كلية «ديلا سابينزا»، وهناك التقى بمعلمه الراهب «بينيديتو كاستيلي» الذي كان بدوره أحد تلاميذ «جاليليو»، وهناك أجرى تجارب على المياه المتدفقة، كما قام البابا أوربان بتمويل تجاربه في علم السوائل المتحركة.

في عام 1632، كتب تورشيللي إلى «جاليليو» يقدم له التهنئة على دعمه لمنظور «كوبرنيكان» للنظام الشمسي، الذي أدخله في متاهة الخلاف مع الفاتيكان، وحكم عليه أي «جاليليو» بالإقامة الجبرية. في هذه الفترة درس بطليموس، والأهم أنه ناصر جاليليو في محنته مع الفاتيكان، وهي المناسبة التي جعلته يعلن نفسه صراحة بأنه «كوبرنيكيا» في إشارة إلى كوبرنيكوس.

في روما أصبح تورشيللي طالب رياضيات بإشراف عدد من الأساتذة، الذين كانوا ينتفعون من منحة ممولة من البابا أروبان الثامن، وفي هذه الفترة، توسع بدراسة الأشكال الهندسية.

في عام 1641، أرسل «كاستيلي» ورقة تورشيللي حول المقذوفات إلى «جاليليو» الذي أعجب بها، ودعاه لزيارته.

بعد وفاة «جاليليو» في 8 يناير/كانون الثاني 1642، طلب الدوق الأكبر «فردينانو دي ميديسي» من تورشيللي أن يركز على العلوم الرياضية، ويرأس كرسي «الرياضيات» في جامعة بيزا، قام تورشيللي في عام 1644 بنشر كتابه المهم «أوبرا جيوميترا» الذي قدم حلولاً لأكبر المشكلات الرياضية المستعصية في عصره، كما قام بتصميم العديد من المجاهر والتلسكوبات، وأيضاً العدسات الكبيرة التي يمكن مشاهدتها في فلورنسا.

أجرى التجربة الشهيرة؛ لتوضيح تأثيرات الضغط الجوي، وطور كذلك مهارة بارعة في نحت عدسات التلسكوب. كانت عدساته من نوعية ممتازة، وبعد وفاته تم إجراء عمليات بحث مضنية -ولكن دون جدوى- لاكتشاف أساليبه في إنتاج عدسات بلغت درجة من الكمال لا نظير لها.

توفي في 1647؛ جرّاء إصابته بحمى التيفوئيد، ودفن في كنيسة سان لورينزو.

تورشيللي الفيزيائي والرياضي

جاء في الكتاب الذي حررته موسوعة «بريتانيكا» هو عالم فيزيائي ورياضي إيطالي، ساعد عمله في مجال الهندسة على تطوير حساب التفاضل والتكامل، استلهم من كتابات جاليليو، مقالة كتبها في علم الميكانيكا، بعنوان: «فيما يتعلق بالحركة»، والتي أثارت إعجاب جاليليو.. في عام 1641، تمت دعوة تورشيللي إلى فلورنسا؛ حيث خدم تحت إمرة الفلكي المسن «جاليليو» كسكرتير ومساعد خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياة جاليليو، تم بعد ذلك تعيينه خلفاً لجاليليو كأستاذ لمادة الرياضيات في أكاديمية فلورنتين.

«أوبرا جيوميتركا»

هو الكتاب الذي وضعه إيفانجيليستا تورشيللي، واشتمل على تجاربه التي أسست

لتطور قوانين الفيزياء، بما في ذلك النتائج التي توصل إليها حول حركة السوائل وحركة القذيفة، واكتشاف ال «بارومتر»، الذي مكن من قياس الضغط الجوي.

الهواء والزئبق

وفي القرن السابع عشر ذاته، تحقق للبشرية منجز علمي جديد، يعد أول دليل تجريبي للتركيب الذري للمادة. على يد العالم الإيطالي تورشيللي، الذي قال إن الهواء يمكن أن يسند عموداً من الزئبق يبلغ ارتفاعه حوالي 30 بوصة. اكتشف تورشيللي أيضاً ال «بارومتر»، وهو جهاز يقيس ضغط الهواء.

في عالم اليوم، من الصعب فهم ما ينطوي عليه اكتشاف تورشيللي، وهو ما يسميه إدينجتون «قراءات مؤشر» إضافية. ولكن بالقياس إلى القرن السابع عشر، فقد كان هذا الاكتشاف ثورياً بمعنى الكلمة. وأي اكتشاف يمكن أن يؤدي إلى انعكاسين متميزين: الأول تقديمه لإضافة علمية على صعيد المعرفة، وثانياً: تغيير الآراء السائدة التي تعد أساسية لمفهوم الطبيعة. وبالتأكيد، فإن هذا الاختراع قد أضاف شيئاً مهماً لسلسلة علوم المعرفة.

لقد رحب البحارة بهذا الاكتشاف؛ لأنه منحهم فرصة للتنبؤ بالطقس، وتجنب الكوارث، وحماية السفن الباذخة والبضائع. كان النبلاء ورجال الدولة بدورهم من المفتونين بهذا الاكتشاف، ويمكن الحكم على أهمية هذا الاكتشاف من المقطع التالي المستخلص من تقرير اللجنة البريطانية لحطام السفن لعام 1843.

«أعتقد أن إهمال استخدام الباروميتر قد أدى إلى فقد العديد من السفن.. ونتيجة لهذا الاحتياج الاحترازي، فقدت السفن فجأة؛ بسبب سوء الأحوال الجوية، وهو ما كان يمكن تجنبه لو تم توجيه الاهتمام إلى تلك الأداة البسيطة للغاية».

تورشيللي والباروميتر

بعد مرور عامين، وأثناء مرافقته لجاليليو وبعد اقتراح منه، ملأ أنبوباً زجاجياً طوله 4 أقدام (1.2 متر) بالزئبق وأدار الأنبوب نحو طبق. لاحظ أن بعض الزئبق لم يتدفق وأن المساحة الموجودة فوق الزئبق في الأنبوب كانت عبارة عن فراغ. أصبح تورشيللي أول رجل يخلق فراغاً مستداماً. بعد الكثير من الملاحظة، خلص إلى أن التباين في ارتفاع الزئبق من يوم لآخر ناجم عن التغيرات في الضغط الجوي. ومع ذلك، لم ينشر النتائج التي توصل إليها؛ لأنه كان منهمكاً في دراسة الرياضيات البحتة، بما في ذلك حسابات الدائرة، وهو منحنى هندسي تم وصفه بنقطة على حافة عجلة الدوران، كما جاء في كتابه «جيوميتركا».. ضمن تورشيللي النتائج التي توصل إليها حول حركة السوائل وحركة القذيفة، تم نشر هذا الكتاب في الأصل قبل عام 1923، وهو يمثل نسخة من عمل تاريخي مهم مع المحافظة على ذات النسق الذي جاء في الأصل.

إيفانجيليستا تورشيللي، هو كتاب آخر لماري جونسون سلطت الضوء فيه على حياة هذا العالم، ووصفته بالتلميذ الجليل لجاليليو، وأيضاً المؤلف الذي يعود إليه تعريف «مفهوم الغلاف الجوي».

في فلورنسا

في السنوات التي قضاها في فلورنسا، قام تورشيللي بالكثير من الأنشطة العلمية، كما ارتبط بصداقات بعدد من الفنانين والعلماء المعروفين في عصره؛ لكن إسهامه الأهم كان اختراعه للباروميتر الزئبقي، الذي تمكن بواسطته من قياس الضغط الجوي، كما كانت له تجارب واكتشافات حول السوائل، وفي مجال الرياضيات، حاول سد الفجوة بين حساب التفاضل والتكامل والهندسة اليونانية.

له أطروحة معروفة باسم «دي موتو» لها علاقة بالميكانيكا، وهي في الأساس مطورة عن نظرية جاليليو في الحركة.

بعد وفاة جاليليو، عُين تورشيللي أستاذاً للفلسفة والرياضيات وهو المنصب الذي أخلاه جاليليو بعد وفاته.

كتب تورشيللي عدداً من الأفلام الكوميدية التي كشفها أمام أصدقائه المقربين، غير أنه لم يتم إنتاج هذه الأفلام، وهذه الأفلام وجدت في مذكراته التي أملاها على صديقه «لودوفيكو سيريني» وهو على فراش الموت.

تورشيللي والفراغ

كان تورشيللي أول عالم يخلق فراغاً مستمراً، وقد اكتشف مبدأ البارومتر. في عام 1643، اقترح تجربة، أجراها في وقت لاحق زميله «فينتشنزو فيفياني» والتي أظهرت أن الضغط الجوي يحدد ارتفاع السائل في أنبوب مقلوب فوق السائل نفسه. أدى هذا المفهوم إلى تطوير البارومتر. كان تورشيللي في فلورنسا؛ حيث كتب في 11 يونيو/حزيران 1644 خطاباص إلى صديقه «مايكل أنجلو ريتشي» الذي كان في روما

وكان مثله طالباً عند كاستيلي، يقول: «لقد سبق أن وجهت الانتباه إلى بعض التجارب الفلسفية التي يجري تنفيذها ولها علاقة بالفراغ، والتجربة لا تتعلق فقط بإثبات وجود فراغ؛ بل أيضاً بصنع أداة من شأنها أن تظهر التغييرات في الغلاف الجوي، والتي تكون في بعض الأحيان: أثقل، وأكثر كثافة، وفي أوقات أخرى، أخف وزناً وأرق».

جادل الكثيرون بأن الفراغ غير موجود، وادعى آخرون أنه موجود بصعوبة على الرغم من مقت الطبيعة؛ بالنسبة لتورشيللي، لا يمكن لأي كان أن يدعي أنه موجود بسهولة من دون أي مقاومة من الطبيعة، هذا الفراغ كان موجوداً، وقد كان هناك جدال استمر لعدة قرون، كان أرسطو قد ادعى ببساطة أنه لا وجود للفراغ، وأن الطبيعة عنده تخشى الفراغ. ودليله على ذلك، في الأجسام التي تتحرك بسرعة لانهائيّة في وجوده، ولكن حركتها، تحتاج لوقت، كان هذا بالنسبة لأرسطو يعد «تناقضاً منطقياً»؛ لكن صعوباته دفعت علماء عصر النهضة إلى تعديل هذا، والادعاء بأن «الطبيعة تمقت الفراغ» وهذا ما لاحظه جاليليو الذي قدم دليلاً تجريبياً على أن مضخة الشفط، يمكنها فقط رفع الماء بنحو تسعة أمتار، ولكنها قدمت تفسيراً غير صحيح على أساس «القوة الناتجة عن الفراغ». قام تورشيللي بعد ذلك بتوضيح إحدى التجارب، ويعطي لأول مرة تفسيراً صحيحاً:

لقد صنعنا العديد من الأوعية الزجاجية، كأنبوبين بذراعين طويلتين، كانتا مملوءتين بالزئبق، أغلقت الطرف المفتوح بالإصبع، ثم قمنا بقلب الأنبوبين في وعاء يوجد به زئبق.. رأينا أن مساحة فارغة قد تشكلت، وأن شيئاً لم يحدث في الوعاء الذي تشكلت فيه هذه المساحة.. أنا أزعم أن القوة التي تمنع الزئبق من السقوط، هي قوة خارجية، وأن القوة تأتي من خارج الأنبوب.. على سطح الزئبق الموجود في الوعاء يستقر وزن عمود من خمسين ميلًا من الهواء. كان مفاجئاً أنه في الوعاء، الذي لا يوجد فيه حد أدنى من الزئبق، دخل فيه فراغ، يكفي ليوازن الهواء الخارجي الذي يضغط عليه.

حاول تورشيللي فحص واختبار ما إذا كان الصوت ينتقل في الفراغ. كما حاول أيضاً معرفة ما إذا كانت الحشرات يمكن أن تعيش في الفراغ.

في كتابه «دي موتو غرافيوم» الذي هو جزء من «أوبرا جيوميتركا» أثبت أيضاً أن تدفق السائل من خلال فتحة يتناسب مع الجذر التربيعي لارتفاع السائل.. وهي النتيجة التي تعرف اليوم باسم نظرية «تورشيللي».. والتي جعلت البعض يؤكد أنه المؤسس الفعلي

لالديناميكا المائية..كما قدم نظرية حول مسار المقذوفات المطلقة من زوايا مختلفة، وابتكر طاولات رقمية تساعد الرماة في العثور على الارتفاع الصحيح لبنادقهم.

صديق جاليليو

كتب د. أسيس كومار شودوري في أغسطس/آب 2017 في تاريخ العالم، يُعرف القرن السابع عشر باسم عصر الثورة العلمية، إن ظهور العلم الحديث الذي رافقته تطورات مذهلة في الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وعلم الفلك، والبيولوجيا، قد غير نظرة العالم إلى الطبيعة والمجتمع. بطبيعة الحال كان كتاب كوبرنيكوس.. دوران الأجرام السماوية، الذي نشره في عام 1534، قد استقر في ذهن العلماء على أنه يمثل البداية الحقيقية للثورة العلمية، إلا أن النقاش العلمي، قد استمر مع نشر جاليليو في عام 1632 لكتابه المثير للجدل،: حوار مع نظامين عالميين جديدين، الذي يعرض لما سبق، وجادلت فيه محاكم التفتيش حول مركزية الأرض، ودورانها حول الشمس، وهو الذي مثل في حينه رؤية نوعية تنتصر للعلم، واعتبرت وثيقة مهمة من آثار جاليليو، والذي انتهى مع نشر مبدأ نيوتن في عام 1687.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"