القاهرة: الخليج
تعد فكرة التناص من الأفكار المركزية للنظرية الأدبية والثقافية المعاصرة، وقد برزت هذه الفكرة في أواخر الستينات من القرن العشرين، ويعود الفضل في ذلك إلى «جوليا كريستيفا» التي قدمت تأطيراً مفهومياً لهذه الفكرة، في مقال لها عن باختين، صدر في عام 1966 بعنوان «الكلمة والحوار والرواية»، وفي مقالات أخرى، وعلى الرغم من أن هذه المقالات لعبت دوراً معرفياً مهماً في تدشين المصطلح والفكرة معاً، وألهمت عدداً هائلاً من الدراسات في مجالات معرفية مختلفة، فإن المصطلح والفكرة قد تم استخدامهما بطريقة سيئة للغاية، وبصورة تستدعي الاستغراب أحياناً، ما دفع الناقدان «مينهوف»، و«سميث» في كتابهما عن «التناص والوسائل الإعلامية من الجنس الأدبي إلى الحياة اليومية» إلى اتهام مقالات كريستيفا بأنها لم تؤسس أي معنى دقيق، أو واضح لتعريف المصطلح، أو تطبيقه.
د. مصطفى بيومي عبد السلام في كتابه «التناص النظرية والممارسة» يؤكد أن أطروحات كريستيفا كانت دقيقة، وواضحة، ويعود عدم الدقة والوضوح إلى تأويل هذه الأطروحات من ناحية، وإلى الاستخدامات المفرطة لمصطلح التناص من ناحية أخرى، ويضاف إلى ذلك أن مصطلح التناص ينطوي على تعقيد نظري، وهو كما يرى جراهام ألن، ليس مصطلحاً شفافاً، ومن ثم على الرغم من استعماله المطمئن من قبل العديد من المنظرين والنقاد، لا يمكن استدعاؤه بطريقة بسيطة، وغير معقدة.
يعاني مصطلح التناص إذاً، من إشكال، أو التباس مفهومي، يجعل منه مصطلحاً فاقداً دلالته أحياناً، أو أن دلالته مرتبطة بتوظيف الناقد له ورغبته في أن يكون ما يريد، هذا الالتباس المفهومي لمصطلح التناص يكمن في إحالته إلى مصطلحات أخرى تهتم بتوصيف العلاقة بين النصوص، ولا يتم تحديد الاختلاف النوعي بينه وبين تلك المصطلحات، فعلى سبيل المثال يصف هاوثورن في معجمه عن النظرية الأدبية المعاصرة «التناص» بأنه: «علاقة ما بين نصين أو أكثر لديها (أي تلك العلاقة) فاعلية على الطريقة التي تتم من خلالها القراءة.
ويوضح مؤلف هذا الكتاب أن ما أقلق كريستيفا هو الممارسات المبتذلة من قبل النقاد التي أحالت التناص إلى مجموعة من نقد المصادر والتأثيرات، ودفعها إلى استبداله بمصطلح النقل، أو التحويل. إن التناص في عبارة موجزة يشير إلى تحويل الأنساق أو الأنظمة إلى أنساق أو أنظمة جديدة تدمر الأنساق القديمة، وتتجاوزها، وربما اعتقد البعض أن النقد العربي المعاصر لم يكن أحسن حالاً من النقد الغربي، فقد تلقف النقاد المصطلح منذ نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن العشرين على وجه التقريب، محاولين تطبيقه على الأدب العربي، والتأسيس له نظرياً، والبحث عما يوازيه في التراث النقدي والبلاغي من مفاهيم تضع النص في علاقة مع نصوص أخرى، لكن عدداً كبيراً من محاولات النقاد التطبيقية والنظرية وقع أسيراً لنقد المصادر والتأثيرات، وأصبح التناص رطانة لمفاهيم تقليدية مثل الاقتباس، والتضمين، والسرقة، وغيرها، لذلك كثر الادعاء بأن التراث النقدي أدرك جوهر فكرة التناص، ووضعها تحت مسميات بديلة.