الشارقة: علاء الدين محمود

الشائع في خبر وفاة الأديب الكبير أبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري الملقب بالجاحظ، أنه مات نتيجة تساقط الكتب والمجلدات عليه من رفوف مكتبته، وقد قيل إنه قد وجد ميتاً والكتاب على صدره. وهناك رواية أخرى متعلقة بوفاته ذكرتها مصادر أخرى، تقول إن الرجل أصيب بداء الفالج فاعتزل الكثير من الناس، وظل في فراشه سنين طويلة حتى توفي، إلا أن خبر موت الجاحظ تحت أنقاض الكتب ظل يردد بصورة أكبر. ولسنا في مقام ترجيح رواية على أخرى، ولكن يبدو أن المؤرخين والناس عامة قد اقتنعوا بهذه الرواية؛ لأنها تشبه الجاحظ وولعه بالكتب، فهي الأقرب لشخصية الأديب والعالم الذي لم يفارق عالم القراءة والكتابة حتى وفاته؛ لذلك فإن الناس يميلون إلى تصديق قصة موته في المكتبة أكثر، ولذلك أطلقوا عليه لقب شهيد القراءة. ولعل ما يعزز صدقية موت الجاحظ وسط أكوام المؤلفات والمراجع، أن للرجل عادة غريبة في القراءة، فقد كان يضع المؤلفات قائمة في صفوف حوله، بحيث تحيط به من كل جانب، ويجلس هو في الوسط فيقرأ ويدون ملاحظاته، وكذلك الأمر عندما يهم بكتابة مؤلف.

لا معرفة بالنسبة للجاحظ إلا بالتحصيل والقراء المتعمقة، فذلك هو غذاء العقل عنده، فكان من أجل ذلك يحض الناس ويحرضهم على استخدام عقولهم بالتفكير المنطقي فكان يقول: «لا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل». ومن شدة تعلقه بالقراءة تحول الرجل نفسه إلى مكتبة شاملة، فقد كان يلقب ضمن ألقابه الكثيرة بالموسوعي، وذلك لاطلاعه على علوم ومعارف وفلسفات متعددة، فقد قال عنه ياقوت الحموي: «لم أرَ قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فقد كان موسوعة تمشي على الأرض، حتى استطاع أن يكتب كتباً في كثير من العلوم التي كان يهتم بها»، ولعل ذلك ما انعكس على مؤلفاته التي جاءت في شتى ضروب الأدب والفكر، فمؤلفاته تعكس تأمله العميق في الواقع اليومي والحياة والوجود والأدب، فقد كتب عن المغفلين والمجانين؛ بل له مؤلفات تهتم بعادات الحيوانات وأصنافها وقصصها، كما كتب في الفكر وكان ينتمي إلى أحد التيارات الفكرية، وكانت له فتوحات في مجال اللغة، وألف كذلك في الحب والعشق وكثير من القضايا الإنسانية، وقد ترك العديد من المؤلفات بعد رحيله، حتى قيل إنها قد وصلت إلى 350 كتاباً ورسالة في الجغرافيا والطبيعيات والرياضيات والبيئة والحيوان والفلسفة والاجتماع والأدب، أبرزها كتابا «البيان والتبيان»، و«البخلاء».

إقبال

أقبل الناس على كتب الجاحظ بشغف، وعمد السياسيون والأمراء إلى استمالة قلمه ومنهم الخليفة المأمون الذي خصص له راتباً، لكنه ظل شديد الحذر من التورط في السياسة، وكان الرجل شديد التأثير في من جاء بعده من علماء وأدباء، فمنهم من كانوا يحاكونه ويقلدونه في أسلوبه، وهنالك من يستوحون أفكاره العامة في كتاباتهم، ولذلك دلالة كبيرة على الموقع الفكري الذي احتله الرجل في قلوب المثقفين والأدباء.

قصة الجاحظ مع الكتب هي حكاية فريدة من نوعها، فلا الفقر ولا المرض نالا من همته في تحصيل المعارف، وقيل إنه حول بيته إلى مكتبة كبيرة. ويروى أن أمه ضاقت بذلك الأمر، فقد فطلب منها يوماً طعاماً، فجاءته بطبق مملوء بكراريس أودعها البيت، وقالت له: «ليس عندي من طعام سوى هذه الكراريس»، فقد كان شديد السعي إلى طلب العلم، وتعلم على أيدي علماء كبار في البصرة من أمثال الأصمعي، وغيره.وقد نشأ الجاحظ فقيراً يتيماً، فكان يقضي سحابة نهاره في بيع السمك، بينما كانت المكتبات «دكاكين الكتب»، وجهته عندما يحل الليل، وكان يثير الدهشة في وجوه الناس وهم يرون إقباله الكبير على المؤلفات، فقد عرف ك«دودة كتب»، بلغة اليوم، حيث كان يقرأ في شتى المجالات العربي منها والفارسي؛ بل وحتى الهندي واليوناني وكان ينهي كتاباً أو اثنين في يوم واحد، حتى قال عنه المبرد، وهو من كبار علماء اللغة والنحو: «كان الجاحظ إذا وقع كتاب في يده قرأه من أوله إلى آخره، أي كتاب كان». وذكر إسماعيل بن إسحاق القاضي أنه ما دخل على الجاحظ إلا رآه يُطالع كتاباً أو يقلب الكتب أو ينفض الغبار عنها. وقال أبو هافان، وهو أحد علماء البصرة: «كان الجاحظ يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر»؛ أي كان يتمتع بالنظر في منظر المؤلفات؛ بل كان الجاحظ يلتمس المعرفة خارج المكتبة، حيث كان يقوم برحلات عدة، يجمع خلالها نوادر الكتب والمؤلفات، ويجالس الشعراء والعلماء، وإلى جانب الكتب فقد كان يجمع الطرف والحكايات والقصص من المجتمعات التي يقوم بزيارتها.

الشاعر

وقد كان الجاحظ يتبع منهجاً صارماً في القراءة والكتابة، فعملية التأليف عنده تأتي بعد قراءة بحثية متعمقة في الموضوع الذي يريد أن يتناوله، فكان لا يستسلم أبداً لفرضيات ومسلمات الكتاب الذي يقرأه، حيث يخضعه لمنهج الشك والتدقيق في المعلومات التي احتوى عليها.ولعل كثيرين لا يعلمون أن الجاحظ قد اتجه نحو الشعر، وكان شعره يعكس تماماً اهتمامه بالقراءة والعلم، فقد اتخذه وسيلة لمحاربة الجهل، ومن ذلك قوله:

يَطيب العيش أن تلقى حكيماً

غذاه العلم والظن المصيب

فيكشف عنك حيرةَ كل جهل

ففضل العلم يعرفه الأديب

سَقام الحرص ليس له دواء

وداء الجهل ليس له طبيب.

كان الجاحظ بالفعل شهيد الكتب والمكتبة، فمحاصرة الأمراض له بدءاً من النقرس إلى الشلل، جعلته يعتزل الناس، لكنه لم يترك شغفه بالقراءة وظل على حاله تلك حتى تجاوز التسعين من عمره قبل وفاته في البصرة عام 255ه/‏869م.