ولد الجنيد ببغداد في العقد الثالث من القرن الثالث للهجرة، ولا يعرف له يوم مولد على وجه الدقة والتحديد، وأصله من نهاوند، ولذلك يكنى بالنهاوندي البغدادي. أما لقب القواريري، فأخذه عن أبيه لأنه كان يبيع الزجاج. وقد صحب خاله سري السقطي، وتفقه على يدي أبي ثور، صاحب الإمام الشافعي وراوي مذهبه وكان لتلك الصحبة أثر بالغ في تشكيل شخصية الجنيد العلمية والفقهية، فقد بلغ مبلغاً عظيماً في الدين وعلومه، وذاع صيته مبكراً في الأوساط الفقهية، وقد رفض الجنيد حياة الاعتزال والانكفاء على الذات والهروب عند الصوفية، بل رفض أن يكون ذلك الأمر مقترنا بها، فقد كان يشارك في الحياة العامة وهو صاحب تأثير فيها، وكان له مجلس خاص يلقي فيه الدروس ويفتي، ويعين الناس على دينهم ودنياهم، فتخرج على يديه كثير من العلماء في ذلك الوقت ربما كان أبرزهم: أبو بكر الواسطي وعمر بن عثمان المكي وغيرهم.
والواقع أن الجنيد عرف بالتدين في مرحلة سابقة لدخوله في التصوف، ولأنه كان يخالط الناس ولم يعتزلهم؛ فقد جنبه ذلك غضبة العوام التي طالت غيره من المتصوفة، فهو لم يتهم بالزندقة ولم يكفر كما حدث مع غيره من المتصوفين، فقد كان معتدلاً عارفاً للإسلام، وقد أورد أبو نعيم الأصفهاني في مؤلفه «حلية الأولياء»، قول الجنيد عن منهجه:«علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه، لا يقتدى به». وهو كذلك يقول معرفا بالتصوف: «التصوف هو اجتناب كل خلق دني واستعمال كل خلق سني، وأن تعمل لله ثم لا ترى أنك عملت». وقد اعترف العديد من رجال الدين بهذا النهج الذي خطه الجنيد في التصوف، ومنهم: الحافظ الذهبي الذي يقول عن الجنيد في كتابه «تاريخ الإسلام»:«كان شيخ العارفين وقدوة السائرين وعلم الأولياء في زمانه، رحمة الله عليه». وكذلك ابن المنادي والذي قال عنه:«سمع الكثير وشاهد الصالحين وأهل المعرفة، ورزق من الذكاء وصواب الإجابات في فنون العلم، ما لم يُر في زمانه مثله عند أحد من أقرانه، ولا ممن أرفع سناً منه، في عفاف وعزف عن الدنيا وأبنائها».
مواقف
اشتهر الجنيد بأسلوبه البديع في الخطابة ودعوة الناس إلى التدين وترك ملذات الدنيا والتجهز للموت والآخرة، فكان يقول:«واحذر الحسرة عند نزول السكرة فإن الموت آتٍ وقد مات قبلك من مات» وظل ذلك ديدنه في الحياة، وطريقته في التصوف، فكان يحرض الناس على الزهد لكونه يهذب الأنفس ويجعلها مهيئة لتلقي المعارف والأنوار الربانية والحكمة، فكان يقول:«اتق الله وليكن سعيك في دنياك لآخرتك، فإنه ليس لك من دنياك شيء، فلا تدخرن مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ولكن تزود لِبُعْدِ الشُّقَّةِ، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، صاحِب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما سلف بين يديك من العمر وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه، فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزِدك إعجاب أهلها زهداً فيها وحذراً منها فإن الصالحين كذلك كانوا»، ومن مواعظه كذلك التي يحذر فيها من اتباع الدنيا والشهوات والغرور بما في الحياة من مطايب، قوله:«أعلم يا ابن آدم أنّ طلب الآخرة أمر عظيم لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله، وأخلِص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنّ أنجى الناسِ من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء».