الشارقة: علاء الدين محمود
كانت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها زوجة النبي الكريم، تترقب مولودا لمولاتها وخادمتها «خيرة»، فلما جاءها خبر أن مولاتها قد وضعت حملها وأنجبت ذكرا غمرتها الفرحة، فأرسلت في طلبها هي وطفلها لتقضي عندها فترة، كانت أم المؤمنين في شوق شديد لرؤية الطفل، وعندما جيء به حملته بين يديها وقد امتلأ قلبها حبا له، وكان الصبي جميل المحيا حسن المنظر بهي الطلة، فاستبشرت به أم المؤمنين فأطلقت عليه اسم الحسن.
كان ذلك الصبي هو الحسن البصري الأمام الأشهر، المولود في عام 21 هجرية في المدينة المنورة، وقد عرّفه فريد الدين العطار في سفره القيم «تذكرة الأولياء»، ب«ربيب النبوة ومعتاد الفتوة، هو كعبة العمل والعلم، وخلاصة الورع والحلم، هو السابق إلى صاحب الصدارة»، وهو كذلك الإمام صاحب البراهين والمقولات الراسخات والأعمال المنتهجة لنهج النبوة والممتثلة لبيان الحق الذي جاء به الإسلام، ويبدو أن أم المؤمنين قد تنبأت للصبي بشأن عظيم من الصلاح والورع، فتعلقت به ودعت له، ويبدو أن الفرحة بمولد الحسن قد عمت وفاح طيب عبيرها، فالبهجة ذاتها كانت حاضرة في بيت آخر من بيوت المؤمنين، فها هي دار الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه يغمرها السرور؛ إذ كان والد الحسن «يسار»، مولى من موالي الصحابي الجليل، ولقد غشيته كذلك محبة الطفل، فكان زيد شديد الفرح به، ولم تكن تلك الأفراح التي غشيت بيوت المؤمنين إلا بشرى بصبي سيكون له شأن ومستقبل عظيم وقد كان.
لقد نسجت تلك الحكايات تفاصيل صبي مختلف، وشخصية كان لها دورها الكبير في الدين والمعرفة به، فلم يكن مولده عاديا، فقد نشأ في بيت النبي صلَّ الله عليه وسلم، وعلى يد أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وقد شكلته تلك الأحداث فكان لبقا في الحديث شديد التهذيب والحياء.
رجل الحق
وبمثلما كانت سيرته صبيا عامرة بكل تلك البشرى؛ فقد كانت حياته راشدا تحكي عن رجل من الأبرار الذين غمرتهم محبة الله سبحانه وتعالى، فزهدت أنفسهم وتخلت عن ما في الدنيا رجاء ما عند ربهم، فكان البصري من أعمدة الفقه والسنة النبوية الكريمة، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك. وقد سكن البصرة، وعظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، لا يخاف في الحق لومة لائم، وكان أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة. وكان غاية في الفصاحة، ينطق فمه بالحكمة، ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه: إني قد ابتليت بهذا الأمر فانظر لي أعوانا يعينونني عليه. فأجابه الحسن: أما أبناء الدنيا فلا تريدهم، وأما أبناء الآخرة فلا يريدونك، فاستعن باللَّه، ثم أنه تولى القضاء في ذات عهد عمر بن عبد العزيز في مدينة البصرة، فقد كان الخليفة يحبه لورعه وعدله وحكمه بكتاب الله، وكان الحسن لا يأخذ أجرا عن ذلك.
الحزين الباكي
وقد عرف عنه أنه كثير الحزن، عظيم الهيبة، حتى أن أحد رفاقه قد قال عنه: «ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة»، ولم تكن تلك الحالة التي عليها إلا من خشية الله سبحانه وتعالى، ومخافة الزلل والخطأ والمعصية، وكان يقول: «نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا. فقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم، هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إن من عصى الله فقد حاربه، والله لقد أدركت سبعين بدرياً، لو رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رؤوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق، ولو رؤوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب»، هكذا بلغ به الورع والتقوى، فكان يسمع بكاءه ونحيبه، وقد روى حمزة الأعمى: «كنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فاسمع بكاءه ونحيبه، فقلت له يوما: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني! ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة، فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل لعله تعالى أن يرحمك، فتنجو من النار»، وقد سأله حفص بن عمر عن سبب بكائه فأجابه: «أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي»، وهكذا كان البصري في بكاء وحزن دائم مخافة يوم اللقاء فكان يقول: «يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه»، وهذه سيرة الأخيار الذين يخشون ربهم في كل أوقاتهم، وقد قدم لنا البصري ذلك النموذج الفريد لمن عرف مقام ربه، فأزداد ورعا وتقوى ومحبة. لقد هيأ الحسن نفسه لذلك فباعد بينها وبين الخطايا، كما أنه كان قويا في أمر الدين مدافعا عنه فوقف في وجه الطغاة لا يخاف بطشهم، فالله أولى أن يخشى، فكان له صولات وجولات مع الحجاج الثقفي عندما طغى وتجبر، ولم يجد الحجاج أمام قوة إيمانه إلا أن يصمت عنه.