عادي

العرض السوري «كيميا»..الحب الهدف الأسمى للحياة

ثلاث مسرحيات في ثاني أيام «المسرح العربي»
04:16 صباحا
قراءة 4 دقائق
عمّان: محمد إسماعيل زاهر

«على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، بكلمات محمود درويش افتتح العرض السوري «كيميا»، عروض اليوم الثاني من مهرجان المسرح العربي في دورته ال12 بالعاصمة الأردنية، عمّان، العمل مأخوذ عن نص «مجالات مغناطيسية» للكاتب الروسي ألكسندر ابرازتسوف، ومن إعداد وإخراج عجاج سليم، لفرقة المسرح القومي في دمشق.

بداية «كيميا» بشعر لدرويش يحمل الكثير من الأمل، يضع المتلقي في حالة استعداد نفسي، وهو يشاهد عرضاً سورياً يتوقع منه أن يطرح فكرة تتماس مع الأحداث المأساوية التي يشهدها هذا البلد، وتتجاوز المحنة وتشيع التفاؤل؛ لكن صنّاع «كيميا» كانوا أكثر نضجاً، ولم يتورطوا في المباشرة، ونقلوا رسالتهم بذكاء وبطريقة مؤثرة، فالعرض يدور حول الحب فقط، وكأنه الهدف الأسمى من تلك الحياة التي يستحقها كل من يعيش على هذه الأرض.

يبدأ العرض بالعروس ضياء وهي في طريقها إلى صالون التجميل، وبنور المتزوج والذي يسرع ليعود إلى منزله مبكراً؛ حيث يجدا نفسيهما فجأة في مكان لا يعرفانه، منطقة تمتلك مجالاً مغناطيسياً يجذبهما معاً في دائرة قطرها 3 أمتار، ويعجزان عن الخروج منها بعد الكثير من المحاولات، تضايقهما تلك الحالة الغرائبية، وتدفعهما للعراك، وبعد فترة يدركان أنهما لابد أن يتعاونا، الأمر الذي يدفعهما إلى التعارف، ليبدأ كل طرف في سرد حكايته.

ضياء لا تحب خطيبها، ونور يخشى زوجته؛ بل يخاف في الحقيقة من أشياء كثيرة، وتنتابه هواجس وكوابيس، وبعد أن تصل أسرة ضياء إلى المكان، يثور خطيبها ويشرع في الاعتداء على نور؛ لكن يكتشف الجميع عجزهم عن إخراج الطرفين من تلك الدائرة، ويضطرون إلى أخذ نور معهم إلى المنزل حتى يصلون إلى حل، وهناك نكتشف تعاسة الأب وهيمنة والدة ضياء عليه، ورويداً رويداً، وببقاء الشابين معاً ينمو الحب بينهما؛ لكن هناك الكثير من العقبات، الأم تريد الخطيب الغني، والذي على الرغم من ذلك يحب ضياء من أعماق قلبه، أما هي فلا تبادله المشاعر نفسها، والأب يتمنى السعادة لابنته، ويأمل ألا تكرر تجربته؛ ولذلك يفكر في التمرد على زوجته، ونور بدوره ضعيف أمام زوجته التي تحبه بالفعل، ولا تجد الأمان إلا معه، أي أن حب ضياء ونور فجر أزمات الجميع.

يتحول الحب بين الطرفين إلى عشق، وهنا ينتهي تأثير المجال المغناطيسي الذي يجمعهما، وحان الوقت لاختبار الإرادة والقدرة على الخيار، فتعلن ضياء رغبتها في الارتباط بنور فوراً، أما هو فيتردد قليلاً؛ حيث تؤثر فيه دموع زوجته؛ لكنه لا يلبث أن يحزم أمره، ويقرر الزواج من نور.

العرض يؤكد أننا صنّاع الحياة، أو صنّاع الفرح على وجه الدقة، علينا أن نختار طريقنا ونفكر في خطواتنا؛ لنعيش في سعادة، وأن نصغي إلى صوت القلب، حتى لا نكرر مأساة الآخرين.

دونكيشوت العصر

مع العرض المغربي «النمس»، المقتبس عن نص «هوت ماروك» لياسين عدنان ومن إعداد وإخراج أمين ناسور لفرقة المسرح المفتوح، ندخل إلى عوالم الواقع الافتراضي من زاوية نظر ساخرة، يبدأ العرض بالبطل النمس يتحدث إلى الجمهور مباشرة؛ حيث استطاع الفرار من رواية عدنان، ليعيش في الواقع الافتراضي الذي كان يحسبه أكثر رحابة من عوالم روايات المثقفين النخبوية، مشكلة النمس أنه إنسان بسيط، تخرج في الجامعة، ولم يجد عملاً، ولم يستطع الزواج، فهرب من مؤلفه إلى عالم الإنترنت.

ولكن هل يجد نفسه هناك؟، ينطلق العرض بعد ذلك في تقديم نقد كوميدي بطابع لاذع للشبكة العنكبوتية، التي تمتلئ بحوارات بلهاء، وزيف يميز جميع الرواد، وأفكار ساذجة ومسطحة، ولا وقت إلا للنميمة، ولا يوجد شيء حقيقي أو أصيل. يتوقف العرض مراراً ليخاطب الممثلون الجمهور بوصفهم هم أيضاً يعيشون على الأرض، واقعهم الكاذب، هنا يمتد أفق الفكرة لتقول إن وجودنا نفسه ما هو إلا سلسلة من الحيوات المتوازية والافتراضية.

لا أمل للنمس، هزم في الرواية وفي الإنترنت، وهو في الأصل مهزوم في العالم الواقعي، ففي النهاية البطل يعبر عن مئات الآلاف من الشباب العربي، لقد فشل النمس في كل معاركه، هو نسخة معدلة من دونكيشوت؛ ولكنها أكثر تعقيداً، فالنمس لا يحارب أوهامه وأساطيره في طواحين الهواء؛ ولكنه يصارع واقعاً يرفضه على المستويات كافة.

خففت المواقف الكوميدية من سوداوية العرض، واتسمت السينوغرافيا بجمالية لافتة؛ من خلال الملابس الخلابة، والأطر المعدنية المربعة التي احتلت مساحة كبيرة من الخشبة، وكأنها تؤكد استيلاء الشاشات على حياتنا، أما المكياج وتبادل الممثلين للملابس والأدوار فهو دعم لفكرة العرض، ففي الواقع الافتراضي وربما الحقيقي نحن لا نمارس إلا الكذب.

غياب المعنى

يطرح العرض التونسي «خرافة»، عن نص للعراقي علي الزيدي، ومن إعداد رضوان عيساوي وإخراج أيمن نخيلي لفرقة «كرنف-آر»، جملة من الأفكار التي تحيل إلى وعينا بالحياة والموت والبحث المحموم عن الذات.

البطل في سباق مع ذاته؛ للعثور على معنى لحياته، وفي صدام مستمر مع المحيطين به؛ من أجل تحقيق العدالة بمفهومها الوجودي الأشمل؛ لكنه يفشل على الجانبين، وبعد الموت تتفاقم مأساته فهو لا يجد المعنى أيضاً، ويشعر بالاغتراب، مما يفجر الأسئلة: أين تكمن الحقيقة؟، ومتى نتحقق ونشعر بذواتنا؟، وهل من مفهوم واضح للعدالة؟، البطل يعيش مفارقة قاسية، ففي العالمين هو أشبه بالميت الحي.

واختتمت فعاليات اليوم الثاني من المهرجان بندوتين تطبيقيتين ناقشتا العرضين المتنافسين في المسابقة الرسمية؛ حيث قدم محمد بهجاجي «المغرب» تعقيباً نقدياً على «خرافة»، وحليم زدام «الجزائر» تحليلاً ل«النمس»، وأدار الندوتين د. آمنة الربيع «عمّان».

قيَم هذا المقال
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yxqg8kxu