الشارقة:عثمان حسن


تتنفس شعراً وعذوبة، ذلك أن الشعر هو ما يمنحها ألقاً، وحرية، وإبداعاً، فهو لغة الجمال والرؤيا، ونافذة لطرح الأسئلة القلقة والوجودية، نحو بوابات الكشف والمعرفة والجمال.
إنها الشاعرة الهنوف محمد التي من ألقابها «سفيرة الإبداع الفكري والثقافي بدول مجلس التعاون الخليجي»، ووصفها الناقد العراقي ناظم ناصر القريشي بقوله «تمتلك الهنوف محمد وعياً استثنائياً لذاتها، وللغتها الشعرية التي تمارس من خلالها هذا الوعي، من الناحية الفكرية والجمالية بنص صوفي، يشعرنا بالروحانية والقداسة، وهذا الجانب الأكثر روعة في نتاجها الأدبي، كما أن صوتها الصديق القديم للبراءة يتجاوز أوهام اللغة، وينمو كشجرة بالحكمة من خلف الجدران، يحمل إرادتها لبلوغ ضوء الشمس، ليصل سليماً إلى سمع الجمهور، فتتردد أصداؤه في أرجاء النفس القريبة والبعيدة...».
تؤمن الهنوف، بالشعر إيماناً يتجاوز الصنعة الأدبية، نحو مرتبة من العرفان، كأنها تعي بأن الكون والكائنات والطبيعة، أوعية تختبر جلد الإنسان ومقاومته، والشعر يحمل هذه الحساسية، ويلقي بها على تخوم المعرفة، هي فلسفة خاصة بالهنوف التي تدرك، كإنسانة، قبل أن تكون شاعرة، أن ثمة حكمة، بل فلسفة، في كل ما هو موجود وشاسع على مد البصر، والشعر يحمل هذه المعاني، ويضخها في نسغ الحياة، بل لعله يحملها على جناحيه، نحو نوافذ المعرفة والفلسفة والجمال، يعانق الوجود في موازاة ما هو كلي، أو روحي، هو نور من المعاني السامية التي تفتح أبواب الكون من دون استئذان.. هكذا علمها الشعر، ففاضت من خلاله لغة، ومعنى، ودلالة، وتكثيفاً، وحرية استثنائية.
مثل هذه المحمولات الروحية، والفلسفية، عبرت عنها الهنوف في لقاءاتها الصحفية فكشفت عن ولعها بالفلسفة والحكمة والإنسان والوجود، وأكدت على أهمية أن يتأمل الشاعر في كل ما خلقه الخالق.، فتقرأ الحياة وتعيش تفاصيلها.
والهنوف تؤمن إيماناً راسخاً، بأن قصيدة النثر المعاصرة، تتفوق في أحايين كثيرة عند بعض الشعراء، بلغتها الشعرية الموحية، إذ إن الأصل في القصيدة أن تكون ذات بنية محكمة، وقادرة على جذب الجمهور، لكمالها بموضوعها وفكرتها ووزنها، ومعاصرتها للواقع.
وبهذا المعنى، فإن ما تتيحه هذه القصيدة من صور وتكثيف لغوي، هو الأقرب إليها، وعبر عقدين وأكثر شكلت القصيدة بالنسبة إليها متنفساً تعبر من خلاله عما يجول في خلدها، وهو الذي تقول في شأنه «يمنحني هيبة ووقاراً وحكمة».. وتضيف «يجب أن نعيش الشعر حتى نشعر بطعم الحياة، ويجب أن نصبر على المرارة حتى نجني ثمار الحكمة».
والهنوف لا تكتب الشعر بوعي الأنثى، فهذا لا يوجد في قاموسها الشعري، الشعر عندها يبقى شعراً، طالما كان معبراً عن الحالة الشعرية التي يعيشها المرء، هنا، تعبر الذات المبدعة عن رؤيا خاصة بها، لا مجال فيها للمنافسة، أو الجنسوية.
بهذا المعطى الإنساني، تفهم الهنوف الشعر وتعترف بمساهمة المرأة الإماراتية في التجربة الشعرية، فلها -أي المرأة - رصيد وافر في هذه التجربة جنباً إلى جنب مع الشاعر الإماراتي، أما المقارنة بين هذا وذاك، فيجب أن تخضع لقوانين الشعر والذائقة، وقدرة الشعر على الكشف والتجلي.
تخرجت الهنوف في تخصص الأدب الإنجليزي، من جامعة الإمارات، كما واصلت دراستها وأنهت مؤخراً رسالتها في تخصص الترجمة التحريرية من جامعة «سانت جوزيف» في لبنان، وهي تحضر الآن لرسالة الدكتوراه، وقد أولت اهتماماً خاصاً بهذا الجانب الإبداعي، وقد سبق لها أن قدمت إسهامات في ترجمة القصائد الشعرية، ومن ذلك على سبيل المثال مشاركتها مع المترجمين الدكتور شهاب غانم والمترجم الدكتور غانم السامرائي في برنامج خاص بترجمة القصائد تحت عنوان «شموع ذات ألوان» وهو برنامج جديد وفريد، ولم يسبق أن طرح من قبل، ذلك أنه يستخدم وسيلة التواصل الاجتماعي من خلال تطبيق «واتس آب» وقد أصدر الثلاثة ديواناً شعرياً بعنوان «شموع ذات ألوان» باللغة العربية، إضافة إلى ترجمته إلى الانجليزية، وشارك في هذا التطبيق نحو 33 شاعراً وشاعرة من العالم العربي، ناقشوا من خلاله أبرز التحديات التحديات التي واجهوها في ترجمة الشعر.

أدب الرحلات.. اليابان نموذجاً

تتعدد إسهامات الهنوف في الحقل الثقافي والإبداعي، لتتجاوز الشعر نحو بوابات إبداعية أخرى، فقد كانت الشاعرة الإماراتية الأولى، التي اختارتها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، في عام 2015 ضمن مبادرة «برنامج دبي الدولي للكتابة» عن فئة «تبادل الكتّاب» فواتتها الفرصة للسفر إلى اليابان، والارتقاء بالكتابة المحلّية للوصول إلى العالمية، وتقول هنا: «سنحت لي فرصة جديدة ومغايرة لنوع من المعايشة الثقافية تعرفت من خلالها في اليابان إلى أشكال جديدة في الأدب، واقترن ذلك مع معايشة من نوع خاص، معايشة ثقافية وفكرية وسلوكية ترصد حياة الشعب الياباني، وهو الذي ضمنته كتابي الذي يندرج تحت عنوان»أدب الرحلات«، وهو بعنوان»الطريق إلى اليابان«وصدر عن دار قنديل للنشر والتوزيع في دبي»، الذي يرصد هذه المعايشة بأسلوب سردي، يقارب بين الثّقافتين العربية واليابانية في حقول المسرح والشعر والأزياء التقليدية والهوية، مع فصل خاص في الكتاب يتحدث عن علاقة الشعر بتفاصيل الحياة اليابانية وثقافتها وفنونها.
من قصيدة «في الأخبار» /‏ ديوان «ريح يوسف»:
في الأخبار سمعنا /‏ أن التاريخ يعيد نفسه /‏ في فلسطين /‏ في العراق /‏ في لبنان /‏ في الأخبار سمعنا /‏ أن التاريخ يحلق لحيته /‏ ليبدو في حلّة أجمل /‏ في الأخبار سمعنا /‏ عن طلقة في جبين التاريخ /‏ في الأخبار سمعنا /‏ أن التاريخ قد استشهد /‏ في الأخبار سمعنا /‏ أننا قد دفناه ولكن /‏ نسينا في أية بقعة وارينا ثراه.