لا نبالغ لو قلنا: إن عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي الشهير بيير بورديو يشبه إلى حد كبير «دون كيشوت»، ذلك الفارس الذي جاء في عصر أعقب أزمنة الفرسان وبطولاتهم في العصور الوسطى، وكان يركب حصاناً ويعلن الحرب على عدو يظنه الكثيرون متخيلاً بينما هو حقيقي مقيم، إن بورديو يمضي كفارس باسل مستبسل في الكشف عن حقائق الأشياء وتعرية الأوهام والبطولات الزائفة، والرموز التي تتحول إلى سلطة غاشمة لها سطوتها وضحاياها.
يقدم بورديو نقداً متكاملاً للمؤسسات الاجتماعية بسلاح علم «السيسيولوجيا»، والتي تتمثل عنده في تحويل مشكلات ميتافيزيقية؛ وأسطورية غير مفهومة، إلى مشكلات قابلة لأن تعالج معالجة علمية، وبالتالي سياسية، فبورديو مهتم بالعلاقة بين علم الاجتماع والسياسة والثقافة والاقتصاد، ويعلن عن ذلك الاهتمام، ويمارسه عبر الانفتاح على عوالم وفلسفات كارل ماركس وميشيل فوكو، وعلى الرغم من تأثره بهذين الفيلسوفين الكبيرين؛ إلا أنهما لا يسلمان من نقده الذي يكاد لا يبقي شيئاً على حاله.
إن الدخول في عوالم بورديو المعقدة تبدأ من خلال عتبات لعل أهمها كتابه الشهير «الرمز والسلطة»، الصادر عن دار «توبقال» للنشر، بترجمة عبد السلام بنعبد العالي، وعلى الرغم من أن الكتاب صغير في حجمه؛ إذ يقع في 80 صفحة من القطع المتوسط، إلا أن بورديو قدم فيه عصارة تجربته وفلسفته ورؤيته، ليس ذلك فحسب؛ بل إن الرجل يعيد من خلاله تعريف علم الاجتماع عبر الكشف عن سلطة الكلمات كأداة للهيمنة والعنف الرمزي وذلك عبر النقد، فالعمل عنده يزداد قوة كلما زاد النقد العلمي صرامة؛ أي كلما ازدهرت الصبغة العلمية للأدوات التي هي في متناول المثقف، وسادت ضرورة استخدام أسلحة العلم وأدواته وحدها من دون الأدوات الأخرى، فالميدان العلمي هو كذلك ميدان صراع كبقية الميادين الأخرى، إلا أنه يتميز بكون المواقف الانتقادية التي تبعث عليها المنافسة، لا تجد تحقيقها إلا إذا استطاعت أن توظف مجموع ما تراكم من ثروات علمية، فالكتاب يركز على أهمية النقد بصفته سلاحاً في يد وعقل المثقف، الذي عليه أن يقبل بكل صرامة على البنى والمفاهيم التقليدية في الاجتماع والسياسة والثقافة والحضارة، ويهوي عليها بمطرقة النقد حتى تئن من ثقل وطأتها، فتلك هي وظيفة أو مهمة المثقف في كل المجتمعات، فهو الشخص الذي يراقب الكلمات واللغة والمؤسسات، ويقاوم سلطتها الرمزية.
والمؤلف يتناول مسألة العنف الرمزي في كافة المجالات، مع التركيز على الاجتماعي والسياسي، ويتعمق في قضية السلطة السياسية وكيفية ممارستها للعنف الرمزي عبر أدواتها ووسائلها السياسية المتعددة، خاصة عبر الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة التي تصبح آليات عند السلطة لتزييف القضايا أو تمييعها بالقدر الذي يسهم في عملية تكريس وإحكام السيطرة على الواقع والمجتمع، فالقضية المعينة قد تكتسي بإطار غير حقيقي يرسخ في ذهن المتلقي، وهذا نجده واضحاً في البرامج المتخصصة في التلفاز والتي يراد منها تشكيل رأي عام حول مسألة محددة بطريقة معينة، بحيث تخدم السلطة السياسية، وكذلك في المحيط الاجتماعي، وفي مجال التعليم، والذي يصبح بهيئته الحالية تقليدياً في نظر بورديو، حيث إن المدرسة أو الجامعة تصبح حيزاً لممارسة السلطة التعليمية، والتي تأخذ أشكالها عبر التمايزات والتفاوتات التي ينتجها المجتمع نفسه.
يقيم الكتاب مقاربة بين الفلسفة وعلم الاجتماع، ويزيح في البدء كل الأقوال والمفاهيم التي تقيم تعارضاً بين الحقلين، ويستدعي مقولة الفيلسوف الألماني هيجل، التي أوردها في مؤلفه «دروس في تاريخ الفلسفة»، حيث يقول: «بما أن هؤلاء المؤرخين يفتقرون إلى الفكر الفلسفي، فكيف يمكنهم أن يدركوا التفكير المعقول ويستعرضوه»، ويخضع بورديو هذا القول للتحليل، ويرى أن: «المنزلة الاجتماعية للفلسفة تنطوي على فلسفة بكاملها».
الكتاب يقدم للقارئ فائدة معرفية عظيمة، خاصة في مجال التفكير على نحو نقدي، وعلى الرغم من أن أسلوب المؤلف شديد الصعوبة ويحتاج إلى عملية تأويل وتفسير وتفكيك للكثير من الآراء الواردة فيه؛ يعتبر مرجعية مهمة لفهم منطلقات بيير بورديو.