القاهرة: «الخليج»

أصدر المركز القومي للترجمة «تاريخ الفلسفة في الإسلام» للمستشرق الهولندي «ت. ج. دي بور»، ترجمة عبد الهادي أبو ريدة، وهذا الكتاب ذاعت شهرته في بداية القرن العشرين، وسرعان ما ترجم من الألمانية إلى الإنجليزية، فقد كان كما وصفه مؤلفه «أول محاولة لبيان تاريخ الفلسفة الإسلامية في جملتها، بعد أن وضع الأستاذ مونك عام 1859 في ذلك مختصره الجيد بالفرنسية: أمشاج من الفلسفة اليهودية والعربية»، وهو كتاب يدل عنوانه على أن مؤلفه قد اختار أن يتناول فيه بعضاً من أعلام الفلاسفة اليهود الذين نبغوا في العصر الوسيط في ظل الحضارة الإسلامية، وعلى الخصوص في الأندلس، وبعضاً من فلاسفة العرب.

لم يزعم دي بور، أنه أحاط بكل ما كتب في هذا الميدان من قبل، كما أنه لم يستطع الانتفاع بالمخطوطات إلا نادراً، وكان قد نشر منها حتى ذلك الوقت النذر اليسير، ولما كان قصد المؤلف أن يؤرخ لفلاسفة الإسلام فإنه لم يذكر فلاسفة اليهود إلا عرضاً، وعذره في ذلك أن المؤلفات التي وضعت من قبل عن فلاسفة اليهود كثيرة، على حين أهمل فلاسفة الإسلام إهمالاً شديداً.

وبرغم انقضاء زمن طويل على هذا الكتاب المهم في لغته الأصلية، فقد ظل ملخصاً جامعاً يغطي جوانب الفلسفة الإسلامية بأعلامها الكثر، وبتياراتها العديدة، وبيئاتها المنوعة، كما يكشف أيضاً عن صلة هذه الفلسفة ببقية العلوم العربية التي نبتت في تربة الحضارة الإسلامية، كما لا يغفل عن الأدب الفلسفي الناصع بها، ولا عن الرؤية التاريخية الناضجة فيها، وعرض لذلك كله من منظور حضاري شامل يراعي عوامل التأثير والتأثر التي شكلت هذا الفكر في البداية، والتي تحددت بموجبها أصالته، وصولاً به إلى القرن الرابع عشر الميلادي، وسيطرة الفكر الإسلامي على دوائر الفكر الأوروبي في نهاية العصور الوسطى خاصة في فرنسا وإيطاليا.

ومع حرص المترجم على التزام الحيدة في نقل آراء المؤلف، إلا أنه توقف في مواضع مهمة من الكتاب فاستدرك في هامشه على بعض ما ورد من آراء بدت له متسرعة وخاطئة، من ذلك مثلاً ما جاء في كلام المؤلف ، حينما أرجع بواكير العلم العقلي إلى مؤثرات مسيحية ترتبط بالفلسفة اليونانية في طورها الشرقي وإلى مؤثرات فارسية فأغفل بذلك ما أثاره القرآن من مشكلات كان لا بد أن تدعو إلى النظر العقلي، ونشأت الفرق والأبحاث الكلامية فتأثرت بعوامل دينية نظرية.