عادي

جاليليو الرجل الذي عدّل مسار علم الفلك

خليفة كوبرنيكوس واجه التزمت الديني وخالف الرأي السائد
03:20 صباحا
قراءة 6 دقائق
إعداد: عثمان حسن

Eppur Si muove كلمات إيطالية تمتم بها حين أجبر على «التوبة» عن الهرطقة أمام المحكمة البابوية.. «لكنها تتحرك»، هكذا كان يتمتم، وهكذا كان ينادي، دفاعاً عما قرره كوبرنيكوس من قبل.
وهو خليفة كوبرنيكوس العظيم، وحامل لوائه في وجه المتزمتين.. دافع عن نظرية مركزية الشمس، مضحياً بسنوات من عمره أجبر فيها على الاعتكاف في منزله، ومُنعت كتبه وأفكاره.. فمات وأصبح حديث التاريخ، وأيقونة العلم المتنور، والفكرة الثورية. إنه جاليليو، الفلكي والفيلسوف والفيزيائي، ابن «بيزا» الإيطالية، ذات البرج المائل، الذي عدّل مسار علم الفلك.
ولد جاليليو فينسينزو جاليلي في الخامس عشر من فبراير عام 1564 في مدينة بيزا الإيطالية، المعروفة ببرجها الشهير.
بدأت رحلة جاليليو مع العلم بدافع من أبيه، الذي كان بدوره مهتماً بالرياضيات والموسيقى، وكان يريد لابنه أن يكون مميزاً في علمه وعمله.
وهكذا، التحق جاليليو بجامعة بيزا لدراسة الطب، وتمكن بعد وقت قصير من تحقيق خطواته الأولى على طريق الاكتشاف العلمي، من خلال ما تميز به من قدرة على البحث والتفكير ومناقشة الآراء السائدة وإخضاعها للتجريب، الذي كان يؤمن به بشدة طريقاً للمعرفة الحقيقية.
في الحديث عن اكتشافات جاليليو الأولى خلال مرحلة الدراسة، يذكر الدارسون أنه تمكن من إثبات عدم وجود علاقة بين حركات «البندول» وما يقطعه من مسافة في عملية تأرجحه.
سريعاً، تجاوزت اهتمامات جاليليو مجال الطب، لتمتد أولاً إلى الهندسة، وهو الميدان الذي برع فيه مسجلاً إنجازات لافتة، ما أهّله لإلقاء محاضرات أظهرت مبكراً قدراته العلمية والبحثية.
كما فعل في تغيير الفكرة الشائعة عن حركة البندول، بدأ جاليليو يؤثر في كثير من الأفكار العلمية الشائعة، ويصحح المغلوط منها من خلال منهج علمي تجريبي.
من ذلك أنه أثبت خطأ الاعتقاد الشائع بين العلماء آنذاك، أن إلقاء جسمين مختلفين في الوزن من ارتفاع، يعني أن يصل الأثقل منهما إلى الأرض قبل الآخر.
لتأكيد وجهة نظره، قام جاليليو بإلقاء جسمين من فوق برج بيزا، ليصلا إلى الأرض معاً رغم اختلاف وزنيهما.
وعلى هذه الطريقة التجريبية تمكن جاليليو من بيان الخطأ في نظريات رياضية أخرى عديدة كانت شائعة بين العلماء في عصره.

مركزية الشمس

تعد محنة جاليليو مع نظرية مركزية الشمس، الحدث الأشهر في حياته العلمية والأكثر تأثيراً في حياته الشخصية كذلك، رغم أن جاليليو ليس أول من قرر هذه الحقيقة.
كان عالم الفلك نيكولاس كوبرنيكوس (مؤسس علم الفلك الحديث الذي عاش بين عامي 1473 - 1543)، هو أول من وضع نظرية مركزية الشمس، التي تقرر أن الأرض ليست إلاّ جِرماً يدور في فلك الشمس، محدثاً بذلك ثورة في علم الفلك ومشجعاً على تحدي القوانين السائدة.
تبنى جاليليو نظرية كوبرنيكوس الثورية، وكما كان كوبرنيكوس راهباً، فقد كان جاليليو كاثوليكياً متديناً، ورغم ذلك فقد خالف الاثنان ما تبنته الكنيسة في ذلك الوقت بشأن مركز الكون.
تولى جاليليو الدفاع بقوة عن نظرية كوبرنيكوس، على أسس فيزيائية، وبدأ قبل ذلك بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة. ويؤكد العلماء أن جهود جاليليو - ومن قبلها نظرية كوبرنيكوس الثورية - كان لها دور رئيسي في هدم نظريات لأرسطو صمدت قروناً عديدة.
واصل جاليليو بحثه التجريبي، واستغل منظار التلسكوب الذي قام بتطويره، ليقوم بالمزيد من الملاحظة والبحث، مؤكداً في النتيجة أن الأرض تدور حول الشمس، كما قال كوبرنيكوس.
وجد جاليليو نفسه في مواجهة مع المؤسسة الدينية، حيث كانت الكنيسة آنذاك تتبنى مركزية الأرض، زاعمة أن هذا يعود إلى أساس ديني لا يمكن المجادلة فيه.
ومما فاقم من أزمة جاليليو، أن الكنيسة كانت قد مكنت لنفسها سلطة سياسية قوية، إلى جانب السلطة الدينية، الأمر الذي وضعه تحت تهديد حقيقي.
لجأ جاليليو إلى الحوار، فأجرى مناقشات مع البابا أوربان الثامن، تمكن من خلالها من إقناعه بما ينادي به، فأصبح البابا أوربان الثامن من داعمي جاليليو، لكن خصومه الكثر في الكنيسة تسلحوا بسلطتهم الممتدة وفرضوا رأيهم في وجه جاليليو، فانتهى الأمر إلى أن تقضي محاكم التفتيش الرومانية بعد سنوات من المشاورات مع الكنيسة وعلماء فلك ورجال دين، بأن جاليليو وقع في «الهرطقة»، فحكم عليه بالسجن أولاً، ثم خفف الحكم إلى الإقامة الجبرية، فضلاً عن منع كتبه أو تداول آرائه.

مرحلة الاعتكاف

قضى جاليليو السنوات اللاحقة من عمره معتكفا في بيته، ومكتفياً ببعض الكتابات والأبحاث، دون أن يتمكن من المجاهرة بآرائه المعارضة للكنيسة.
خلال هذه المدة، اهتم جاليليو بدراسة حركة أقمار المشتري، وحاول أن يصل من خلال ذلك، إلى وضع أداة لقياس الزمن يمكن بها حل مشكلة خطوط الطول، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى التفسير الذي سعى من أجله.
ومن جهوده في هذه المرحلة أيضاً إجراء عملية مراقبة بجهاز الميكروسكوب، الذي قام بتحويل التلسكوب إليه، لكنه لم يصل إلى وضع أي اكتشافات في هذا المجال.
لكن جاليليو وضع في مدة اعتكافه كتاباً أسماه «علمان جديدان»، وهو عن «الكينماتيكا»، أي علم حركة الغازات، وكذلك «صلابة المادة».
عانى جاليليو الأرق وأصيب بالعمى آخر عمره، كما كان يعاني «الفتق» بشدة ،رغم السماح له بمغادرة معتكفه من أجل تلقي العلاج. وتوفي في الثامن من يناير عام 1642.

الكنيسة تعترف

لم يكتب لجاليليو أن يرى ثمرة جهده العلمي خلال حياته، تاركاً للأجيال بعده أن تخوض نقاشات طويلة ما بين العلم واستبداد بعض رجال الدين، وهو ما أثمر أخيراً بالاعتراف بصواب ما قرره جاليليو - ومن قبله كوبرنيكوس - وتأكيد مركزية الشمس وخطأ القول إن الأرض هي مركز الكون.
تجسد ذلك في تصريح من البابا بنديكت الرابع عشر عام 1741 بطباعة كل كتب جاليليو. كما صدر تصريح آخر في عهد البابا بيوس السابع عام 1822، بطباعة كتاب عن النظام الشمسي لكوبرنيكوس، وإقرار أن ذلك هو «الواقع الطبيعي».
البابا بيوس الثاني عشر وصف جاليليو عام 1939 بأنه «أكثر أبطال البحوث شجاعة».
لكن عام 1992 شهد الحدث الأبرز بتقديم الفاتيكان اعتذاراً رسمياً على ما تعرض له جاليليو أثناء محاكمته عام 1623. وبذلك صدرت براءة رسمية وصريحة من الكنيسة لجاليليو عما نسب له، وتعبيراً عن ذلك تقرر لاحقا إقامة تمثال لجاليليو بين جدران الفاتيكان.

جاليليو في الكتب

ابنة جاليليو هذا الكتاب عبارة عن مذكرات تاريخية تجمع بين العلوم والإيمان والحب، كتبه دافو سوبيل، بالاستناد إلى الرسائل التي تركتها ابنة جاليليو، والكتاب يستكشف العلاقة بين جاليليو وابنته، وقد رشح لجائزة البوليتزر عام 2000 بوصفه يمثل نوعاً من السيرة الذاتية.
فرجينيا جاليلي «1600 - 1634» هي أول طفلة لجاليليو وزوجته ولدت في بادوفا، إيطاليا، وهي كشأن أخويها الآخرين نتاج زواج غير شرعي، وقد أرسل جاليليو ابنتيه فرجينيا وأختها وهما في سن الثالثة عشرة والثانية عشرة للعيش في دير سان ماتيو لبقية حياتهما.
وقد ارتدت فرجينيا الحجاب عام 1616، وغيرت اسمها إلى سور ماريا سيليستي، وقد حافظت على تواصلها مع والدها طوال حياتها من خلال الرسائل، وعلى الرغم من أنه لم يعثر على رسائل من طرف والدها جاليليو، إلا أن نحو 120 رسالة كتبتها فرجينيا تم العثور عليها وهي تصور الفترة ما بين 1623 إلى 1634، وتكشف عن امرأة غاية في الذكاء والصدق والإحساس المرهف وأيضاً حبها العميق لوالدها.
كتاب رسالة فلكية عبارة عن أطروحة فلكية قصيرة تم نشرها باللاتينية في 13 مارس 1610، وهو أول عمل علمي منشور لجاليليو ويحتوي على نتائج ملاحظاته المبكرة حول القمر غير المكتمل، ومئات النجوم التي لم يكن بالإمكان رؤيتها في درب التبانة، وكذلك النجوم التي تدور حول كوكب المشتري.
عنوان الكتاب تمت ترجمته إلى الإنجليزية تحت عنوان «لالرسالة الفلكية» وهو يحفل بالتطورات الجديدة في علم الفلك في عهد جاليليو، والترجمة الصحيحة بالإنجليزية للعنوان هي «رسالة النجومية».
الطبعة الأصلية من الكتاب وهي نادرة، بيعت في ديسمبر/ كانون الأول 2010، بمبلغ 666.500 دولار أمريكي.

كتاب العلوم الجديدة

كتب جاليليو هذا الكتاب سنة 1638 وهو عبارة عن نقاشات وعروض رياضية لعملين جديدين، وهو المؤلف الأخير في سلسلة كتبه، ويمثل شهادة علمية تغطي الكثير من أعمال جاليليو الفيزيائية على مدى ثلاثين عاماً. وقد حظرت محكمة التفتيش الرومانية نشر أي من أعمال جاليليو، ومنعته من تأليف أي عمل في المستقبل، فشل جاليليو في نشر بحثين علميين في فرنسا وألمانيا وبولندا، غير أن عمله الجديد هذا، نشر في هولندا، حيث كان قرار محكمة التفتيش هناك أقل عقوبة، في عام 1939، وصل هذا الكتاب المهم إلى كافة مكتبات روما بعد الانحسار الجزئي لمحاكم التفتيش وقد بيعت جميع نسخ الكتاب (قدرت بخمسين نسخة) بسرعة هائلة.
ما يميز هذا الكتاب، هو الأسلوب الحواري، حيث ناقش ثلاثة علماء هم: (سيمبليسيو وساجريدو وسالفاتي)، كان دور جاليليو هو الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها هؤلاء،
كان سيمبليستو على وجه الخصوص هو الأكثر شراسة في طرح الأسئلة، بما تمتع به من عقل جدلي، فيما كان سالفاتي أكثرهم مرونة والأقرب إلى عقل جاليليو.

جاليليو في النظام العالمي

ألف جاليليو هذا الكتاب في سنة 1632 بعنوان وهو عبارة عن حوار مع نظامين عالميين جديدين «البطلمية» نسبة إلى بطليموس، والكوبرنيكية نسبة إلى كوبرنيكوس، والكتاب قدم له «موريس فينوتشيارو» وهو يعرض لما سبق وجادلت فيه محاكم التفتيش حول مركزية الأرض، ودورانها حول الشمس، والكتاب يدحض ما قالت به محاكم التفتيش، ويقدم من خلال الحوار العلمي والعقلي رؤية جاليليو النقدية، وهو كتاب يمثل نقلة نوعية تنتصر للعلم ويعتبر وثيقة مهمة من آثار جاليليو.
قام انتونيو فافارو، بتحرير المادة الأساسية في الكتاب الذي عرضت له ترجمات أخرى بالإنجليزية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"