حين يذكر اسم العالم البريطاني جون دالتون، فنحن أمام نابغة، وعالم حقيقي ظل حتى وفاته حديث الأوساط العلمية، والنخب الأكاديمية في بريطانيا، والعالم، شملت أبحاثه مجالات الغازات، والغلاف الجوي، وعمى الألوان «الدالتونية»، غير أن إنجازه الأهم كان في مجال تطويره النظرية الذرية، هذا المجال الذي أحدث فيه ثورة علمية حقيقية، أدت إلى تقدم الكيمياء العضوية بشكل خاص.. هو مبتكر النظام الجديد للفلسفة الكيميائية، و«الأب الفعلي للكيمياء» عن جدارة واستحقاق.
ولد العالم البريطاني جون دالتون في 5 سبتمبر/ أيلول 1766، إيجلزفيلد، كمبرلاند، إنجلترا - وتوفي في 27 يوليو/ تموز 1844، مانشستر، وهو عالم أرصاد جوية وكيميائي، ورائد في تطوير النظرية الذرية الحديثة.
الحياة المبكرة والتعليم
ولد دالتون لعائلة من طائفة الكويكرز، وهي طائفة دينية من التجار. كان جده جوناثان دالتون، صانع أحذية، وكان والده جوزيف حائكاً. تزوج جوزيف من ديبورا جرينوب في عام 1755، وهي أيضاً من الكويكرز. كان دالتون أصغر أبنائهما الثلاثة، وقد التحق في طفولته بمدرسة جون فليتشر، وعندما بلغ من العمر 12 عاماً، قام جون فليتشر صاحب المدرسة بتسليمها إلى شقيقه جون الأكبر «جوناثان» الذي دعا دالتون الأصغر إلى مساعدته في التدريس. وبعد عامين، اشترى الأخوان مدرسة في كيندال، حيث علّما نحو 60 طالباً، ومارس التدريس كما أدى اختلاطه بمرشدين بارزين في المدرسة، هما: إليهو روبنسون، وجون جوف، إلى تعلم المهارات الأساسية للتذوق العلمي، خاصة الرياضيات، واليونانية، واللاتينية. وكان روبنسون وجوف من خبراء الأرصاد الهواة في مقاطعة ليك، ومنهم اكتسب دالتون معرفة عملية في مجال إنشاء واستخدام أدوات الأرصاد الجوية، وكذلك كيفية الاحتفاظ بسجلات الطقس اليومية. الأمر الذي استمر مع دالتون بقية حياته.
شغف العلوم
في عام 1793 انتقل دالتون إلى مانشستر لتدريس الرياضيات في أكاديمية جديدة، وحمل معه أوراقه التي تؤلف مادة كتابه الأول وهو بعنوان «ملاحظات في الأرصاد ومقالات»، جراء خبرته في الملاحظة، واستفادته من ملاحظات صديقيه جون جوف، وبيتر كروستهويت. نُشر هذا العمل في 1793، ولكنه لم يثر أي اهتمام، مع أنه تضمن أفكاراً أصلية متميزة إلى جانب مقالات متطورة نقلت مفهوم الأرصاد الجوية من سقفها الفولكلوري والشعبي إلى مستوى المادة العلمية والبحث الجاد.
وبعد وقت قصير من وصوله إلى مانشستر، انتخب دالتون عضواً في جمعية مانشستر الأدبية، والفلسفية. كانت مساهمته الأولى هنا، تقديمه وصفاً لعيوب الرؤية عنده، وعند شقيقه، وكانت هذه الورقة هي أول مطبوعة عن عمى الألوان، التي كانت تعرف لبعض الوقت باسم ال«دالتونية».
في علم الأرصاد
ولد دالتون وترعرع في مقاطعة ليك الجبلية في إنجلترا، التي منحته إطلالة جيدة لمراقبة مختلف الظواهر الجوية. وكان من أهم ما أكده في هذا المجال، تأييده لفكرة أن الغلاف الجوي كان عبارة عن مزيج مادي من نحو 80 في المئة من النيتروجين، و20 في المئة من الأوكسجين، أكثر من كونه مركباً من مزيج من العناصر المحددة، هذا التفصيل مكّن دالتون من قياس قدرة الهواء على امتصاص بخار الماء، وتغير ضغطه الجزئي مع درجة الحرارة. وقام دالتون بتعريف الضغط الجزئي بوصفه قانوناً فيزيائياً على النحو التالي: الضغط الكلي لمزيج من الغازات يساوي مجموع الضغوط الجزئية للغازات المكونة لهذا المزيج.. وهو أحد قوانينه المهمة في الغازات.. وأشاد أحد معاصريه به وهو العالم البريطاني «جون فريدريك دانييل» الذي وصفه لاحقاً ب «أبو الأرصاد الجوية».
النظرية الذرية
إلى حد بعيد، كان عمل دالتون الأكثر أهمية في الكيمياء، هو نظريته الذرية. لقد بنى نظريته عن الضغوط الجزئية على فكرة أن الذرات في مزيج من الغازات، تتنافر مع بعضها بعضاً، على عكس ما قيل إنها موجودة في حالة تفاعل، وأوضح هذا التصور لماذا يتصرف كل غاز في خليط بشكل مستقل؟ ورغم أن هذا الرأي ظهر لاحقاً أنه خاطئ، إلا أنه كان مفيداً لدالتون، حيث سمح له بشطب الفكرة التي نادى بها علماء آخرون، كالفيلسوف اليوناني «ديموكريتوس» إلى عالم الرياضيات والفلكي «روجيرو جيوسيبي بوسكوفيتش»، في القرن الثامن عشر. فقد ادعى دالتون أن ذرات العناصر المختلفة تختلف في الحجم، والكتلة، وهذا الادعاء هو السمة الأساسية لنظريته الذرية. وكانت حجته القائلة إن لكل عنصر نوعاً خاصاً من الذرات مفاجئة للكثيرين ممن اعتقدوا أن وجود الكثير من الجزيئات الأساسية المختلفة من شأنه أن يدمر بساطة الطبيعة، لكن دالتون رفض اعتراضاتهم على أنها خيالية. وبدلاً من ذلك، ركز على تحديد الكتل النسبية لكل نوع مختلف من الذرة، وهي عملية يمكن تحقيقها، حسب زعمه، فقط من خلال النظر في عدد ذرات كل عنصر موجود في مركبات كيميائية مختلفة.. وعلى الرغم من أن دالتون قام بتدريس الكيمياء لعدة سنوات، إلا أنه لم يقم بإجراء أبحاث فعلية في هذا المجال.
تطوير النظرية
وفي النص الإنجليزي للجمعية الأدبية والفلسفية الإنجليزية في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1803، ادعى دالتون: «إن البحث في الحقائق النسبية النهائية للجسيمات هو موضوع، جديد تماماً؛ وقد وصف طريقته في قياس كتل العناصر المختلفة، بما في ذلك الهيدروجين والأوكسجين والكربون والنيتروجين، وفقاً لطريقة تم من خلالها دمجها مع بعضها بعضاً بكتل ثابتة.. وقانون حفظ الكتلة بالنسبة لدالتون ينص على أن مجموع كتلة المادة يبقى ثابتاً، قبل، وبعد حدوث التغير الكيميائي، أما قانون النسب الثابتة فينص على أن النسب بين كتل العناصر المكونة لمركب ما، تبقى دائماً ثابتة، مهما كان مصدر ذلك المركب، على أن يكون نقياً.
أخذ دالتون النسب الثابتة كأمر مفروغ منه، متجاهلاً الجدل المعاصر بين الكيميائيين الفرنسيين»جوزيف لويس بروست«و»كلود لويس بيرثوليت«حول هذا الاقتراح بالذات. وسمحت له قياساته بصياغة قانون النسب المتعددة الذي ينص على: إذا اتحد عنصران وكوّنا أكثر من مركب، فإن النسبة بين الكتل المختلفة من أحد العنصرين التي تتحد مع كتلة ثابتة من العنصر الآخر، تكون نسبة عددية صحيحة بسيطة.
مواصلة التجارب
واجهت دالتون مشكلة تتمثل في أن معرفة النسب، ليس كافية لتحديد العدد الفعلي للذرات الأولية في كل مركب. على سبيل المثال، وجد أن الميثان يحتوي على ضعف كمية الهيدروجين التي يحتوي عليها الإيثيلين. وباستمرار البحث ثبت صحة نظريته ففي عام 1858 وبعد أن أشار الكيميائي الإيطالي»ستانيسلاو كانيزارو«إلى فائدة فرضية»أماديو أفوجادرو«في تحديد الكتل الجزيئية، ظهر للكيميائيين أن النظرية الذرية لدالتون أصبحت عاملاً أساسياً في تحقيق مزيد من التقدم في هذا المجال، حيث تقدمت الكيمياء العضوية بشكل خاص، وبمجرد أن حصلت نظرية دالتون على القبول، فقد صار بحق«الأب الفعلي للكيمياء».
في السنوات اللاحقة
وبعد سن ال 50، استمر دالتون في أبحاثه، ولكن بمستوى أقل نشاطاً، وعندما واجه رفض الجمعية الملكية لورقة بحثية قدمها عام 1838 بعنوان»عن الزرنيخ والفوسفات«، طبعها على نفقته مشيراً بمرارة إلى أن النخبة الكيميائية في بريطانيا،»كافنديش، ديفي، وولاستون، وجيلبرت لم تعد موجودة «. لكن، سرعان ما بدأت هذه الورقة تثبت أهميتها، وحصل مؤلفها على اعتراف واسع النطاق. وتم انتخابه في زمالة الجمعية الملكية في لندن والجمعية الملكية في إدنبرة، وحصل على درجة فخرية من جامعة أكسفورد، وانتخب في عام 1830 كأحد الشركاء الأجانب الثمانية بدلاً من ديفي، في أكاديمية العلوم الفرنسية، حصل أيضاً على معاش في القائمة المدنية من التاج البريطاني. وفي مانشستر انتخب رئيساً للجمعية الأدبية والفلسفية في عام 1817، واستمر في هذا المنصب بقية حياته.
في الكتب
كتبت روبرتا باكستر تحت عنوان»جون دالتون وتطوير النظرية الذرية«.. يعرف دالتون بأنه ذلك المدرس البريطاني المتواضع الذي كرس حياته لطلابه وأعماله التجريبية في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر، وعرف ب»أبو النظرية الذرية«. وتبدأ باكستر بتدريس موضوعها في مدارس الكويكر، حيث بدأ عند دالتون ميل مبكر لمراقبة وتوثيق العالم الطبيعي، واستنباط تجارب لمساعدته على فهمها بشكل أكمل. ويركز الكتاب على عمله كمدرس وعلى جهوده العلمية، حيث قدم مساهمات كبيرة في الأرصاد الجوية، وفهم عمى الألوان، وتصف المؤلفة كيف أدت ملاحظات دالتون للأرصاد الجوية إلى إجراء تجارب على غازات الغلاف الجوي وطبيعة العناصر..والكتاب موجه للطلاب الذين لديهم فهم أساسي للكيمياء.
ويسلط الكتاب الضوء على أسلوب حياة دالتون المتواضع وفضوله المستمر للمعرفة، كما يضيء الكتاب على بعض الأدوات التي صنعها دالتون بنفسه.
«نظام جديد للفلسفة الكيميائية» كتاب من تحرير بيكرستاف، جاء فيه: غالباً ما تكون الاستعارات المرئية ضرورية في العلوم عندما لا تستطيع رؤية ما تدرسه. وقام الكيميائي الإنجليزي جون دالتون، بتوضيح نظريته الذرية باستخدام الكرات الخشبية التي تم حفرها بفتحات للدبابيس مكنت المجموعات من الارتباط ببعضها بعضاً، بحلول ثمانينات القرن التاسع عشر، وكان الطلاب على دراية بالمجالات التي أعلن عنها، وقام بتدريسها هنري إنفيلد روسكو، واليوم يتم الكشف بشكل روتيني عن الذرات التي اقترحها دالتون في نظامه الجديد للفلسفة الكيميائية (1808) عن طريق الفحص المجهري والبلوري التي يتم ترتيبها في مصائد كهرومغناطيسية، ويتم دفعها لتدور مثل الرخام باستخدام مجاهر مجسات مسحية، حتى تتم مراقبتها واحدة تلو الأخرى في أشكال فائقة الثقل باستخدام مسرعات الجسيمات.
حياة شخصية
لم يتزوج جون دالتون، ولم يكن لديه سوى عدد قليل من الأصدقاء المقربين، بعضهم من طائفة الكويكرز، وقد عاش حياة شخصية متواضعة.
وطوال 26 عاماً، وقبل وفاته، عاش دالتون في منزل القس جورج جونز، وهو عالم نباتات في جورج ستريت، مانشستر. والطريف أنهما (دالتون وجونز ماتا في العام ذاته في 1844).
سمعة علمية
حتى قبل أن يطرح النظرية الذرية، حقق دالتون سمعة علمية كبيرة. ففي عام 1803 تم اختياره لإعطاء سلسلة من القراءات حول الفلسفة الطبيعية في المعهد الملكي في لندن، وألقى سلسلة أخرى من القراءات بين عامي 1809-1810.
ديفي ودالتون وبريسكوت
في عام 1810، طلب السير همفري ديفي من دالتون الحصول على زمالة من الجمعية الملكية، فرفض دالتون، ربما لأسباب مالية. وفي عام 1822 تم اقتراحه من دون علمه، كما تم دفع الرسوم المتعارف عليها ليحق له ممارسة الانتخاب.
وكان جيمس بريسكوت جول، الذي نشر في عام (1843) بحثاً حول طبيعة الحرارة وعلاقتها بالعمل الميكانيكي، تلميذاً لدالتون في سنواته الأخيرة.
توفي في 1844 جراء سكتة دماغية، وأقيمت ل جنازة أثيرة من قبل زملائه.