التاريخ علم خطير، وفيه قبس من روح المغامرة، ركوب متنه، وتحليل معطياته، والتعامل مع رواياته العديدة المكتوبة منها والشفوية، تتطلب عقلاً حصيفاً بالغ التجرد من الذاتية، وقادراً على استعمال المناهج العلمية بوعي كامل لكل المؤثرات التي يتعرض لها من كتبوا التاريخ في الماضي، ومن يكتبونه في الحاضر. تلك هي الخلاصة التي يتحدث عنها المؤرخ والأكاديمي الذي يُدرّس التاريخ القديم في جامعة الإمارات، الدكتور حمد بن صراي، حيث يقول معبراً عن ذلك: «التاريخ لا يكتبه المنتصرون، كما يشاع، بل يكتبه المتخصصون، ذلك وحده هو التاريخ الحقيقي، كذلك لا بد من فصل السياسي عن التاريخي، ولا بد من التعامل بوعي ودراية كافيتين أثناء البحث في وثيقة معينة، مع ميول كاتبها، وارتباطاته الأيديولوجية، وأخذ ذلك في الحسبان أثناء تحليلها، أنا شخصياً أحب الحيادية جداً في التاريخ».
لقد سكن الشغف بالتاريخ نفس ابن صراي المولود سنة 1963، في رأس الخيمة، ومنذ طفولته الأولى، كانت التفاصيل التي أحاطت به حين نشأ وتربى في كنف جده، رحمه الله، من أهم أسباب ذلك الشغف، الذي تطور ليصبح سيرورة حياة كاملة فيما بعد، كان الجد صانع سلاح قديم، فكان لكل سيف، أو بندقية قديمة، أو خنجر، قصة تحمل معها حمولة تاريخية لفتت انتباه الصبي حمد، وجعلته ينفتح على تراث الإمارات مبكراً، وعلى حكايات البطولات فيها، والعادات، والتقاليد، وغير ذلك من مفردات الحكاية التي تتم عبر الزمن، ويفسر ذلك لنا قائلاً: «كان جدي من المعمرين، عاش 115 سنة، وهو أهم شخصية تأثرت بها في حياتي، فقد زرع فيّ الاهتمام بالتاريخ في صغري، بحكاياته عن الأسلحة وتاريخها، وما يرتبط بها، لقد عمل جدي في تلك الصناعة لمدة تناهز ال80 عاماً، فتشكلت لديه ذاكرة ثرية يمكن أن تكون ذاكرة لتاريخ الناس هنا».
ولم يكتف الجد بتعليم حفيده عبر الحكاية وسردياتها المختزنة للتاريخ، بل دفعه مبكراً للمدرسة ليتعلم، رغم أنه هو نفسه لم يكن متعلماً، ويرى الدكتور ابن صراي في ذلك ذكاء، وعمقاً صاحب معظم الآباء والأجداد في تلك الفترة القديمة من التاريخ الإماراتي، يقول عن ذلك: «الآباء لم يتعلموا لكنهم ضحوا من أجل أن يتعلم أبناؤهم، لأنهم اكتشفوا مبكراً أهمية التعليم، ذلك لأنهم كانوا يسافرون كثيراً للتجارة، ووصلوا مناطق عدة، واحتكوا بثقافات مختلفة».
واستمرت، وتعمقت علاقة ابن صراي بالتاريخ في مرحلة الدراسة الثانوية، ثم في الجامعة، حين شجعه أستاذه بعد ما رأى قدرته الفائقة على إنجاز البحوث التاريخية، على أن يتخصص في التاريخ، وأن يواصل حتى يحصل على الدكتوراه، فاتجه إليه في جامعة الإمارات العريقة، وانتهت عنده مرحلة الحكاية، لتبدأ مرحلة التوثيق المكتوب، يقول عن ذلك: «في مرحلة الجامعة انتقلت من طور الحكايات إلى طور دراسة التاريخ عن كثب، فدرست تاريخ المسلمين، وتاريخ أمريكا، وآسيا، وغيرها، ومن يومها بدأت علاقتي المستمرة حتى الآن مع التاريخ، عُينت بعد تخرجي معيداً في الجامعة سنة 1986م، ثم بعدها سافرت إلى بريطانيا للحصول على الدكتوراه فكانت المحطة التي غيرت هي أيضاً كثيراً من نظرتي للتاريخ ودراسته».
محطة بريطانيا، وتحديداً دراسته في جامعة «درم»، وعلاقته بأستاذه الدكتور جون هيلي، ثم حصوله على الماجستير والدكتوراه من جامعة مانشستر، كان لها أبلغ الأثر في حياته حتى الآن، حيث تعلم المنهج التاريخي بشكل دقيق كما يقول: «لقد كان الدكتور هيلي أبي، وأخي، وصديقي، لقد جعلني أكثر شغفاً بدراسة التاريخ، وعلمني مناهجه، إضافة إلى أنه علمني خمس لغات مهمة جداً لكل من يريد دراسة التاريخ القديم وفق أصوله، ومرجعياته التي كتب بها، ومن بينها: اللاتينية، واليونانية، والتدمرية، ثم أشرف على رسالتي للماجستير في مانشستر، وكان معي حتى حصلت على الدكتوراه، إنني أدين له بالفضل، وهو واحد من أكثر الأشخاص تأثيراً في حياتي، وفي علاقتي بالتاريخ، خصوصا التاريخ القديم».
ومن مانشستر، حتى جامعة الإمارات في رحلة العودة إلى الوطن، قرر ابن صراي أن يتخصص في التاريخ القديم للإمارات، وللمنطقة، فعمل في «قسم التاريخ والآثار» في الجامعة، وتحديداً التاريخ القديم، وتاريخ دولة الإمارات، وبدأ باستعمال منهج توثيق الروايات الشفاهية، متخذاً منها منصة لتجميع عدد هائل من المعلومات عن كل جوانب الحياة القديمة في البلد، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها، وأصبحت لديه نظرة خاصة لدور «الراوي» في التاريخ، وتوثيقه، مبنية على جملة مؤلفاته التي وصلت حتى الآن إلى 30 كتاباً في التاريخ والتراث، ويشرح ابن صراي مفاهيمية فكرة الراوي في الحكاية التاريخية فيقول: «الراوي الذي يحكي شفاهياً يعطيني معلومات أحياناً أشمل من الوثيقة المكتوبة، الراوي معاصر للحادثة التاريخية، ويسردها بكل تفاصيلها، وشخوصها، ويحدد بدقة أسماءهم، وأماكنهم، وغير ذلك من التفاصيل، وهو ينقلني بالتالي إلى جو ما حدث بالضبط، من دون نقصان، أما الوثيقة فهي تكتفي أحياناً بالإشارة إلى بعض التفاصيل من دون ذكر البعض الآخر، ولو أخذت مثلاً إحدى الوثائق البريطانية التي تتحدث عن حادثة تاريخية هنا، لوجدتها تذكر مثلاً: قام ثلاثة رجال بكذا وكذا، الراوي يعطيني أسماءهم بدقة، ومناطقهم، فتكتمل الصورة، ويكون التحليل التاريخي أكثر دقة».
ولأن التاريخ مرتبط بالحركية، لا يقف ولا يجمد، فقد تأثر المؤرخ الدكتور ابن صراي بتلك السمة الفيزيائية، حتى على مستوى عاداته الكتابية، فبات عاشقاً للحركة، ولا يكتب إلا في مكان يضج بالصوت، وبالحركة، ويقول: «أنا لا أكتب في الهدوء، أحب أن أكتب في المقاهي أحياناً، حيث الضجيج، وحركة الناس، وحتى في البيت، وحين أكون وحدي أرفع صوت التلفزيون كي أتمكن من الكتابة، وإذا انشغلت بقضية بحثية تتغلغل معي حتى في أحلامي».
اللهجة الأصيلة
الرواية الشفاهية عند ابن صراي لا تقف عند ذلك الحد المتمثل في الدقة، بل هي في الوقت نفسه تمثل وعاء لذاكرة متدفقة بالتفاصيل عن اللغة وتطوراتها، إذ يرى أن تلك الرواية تحفظ للأجيال اللهجة الإماراتية الأصيلة، التي لم تعد مستخدمة في كثير من الأحيان عند الأجيال الجديدة، ويقول موضحا ذلك: «اللهجة الإماراتية الأصيلة، أو ما تعرف باللهجة البيضاء، لم تعد مستخدمة عند الكثيرين حالياً، لذلك فالتسجيلات التي تحصلت عليها من الرواة تحفظ تلك اللهجة، لقد استطعت التسجيل مع 170 شخصاً من الناس الذين عايشوا الماضي القديم،وحكاياته، وحفظوا لهجته».