عادي

سلطان يضيء على فترة حيوية من تاريخ زنجبار

حقق مخطوط سجِلّ مكاتبات السلطان برغش في إصدار جديد
04:07 صباحا
قراءة 8 دقيقة
الشارقة: «الخليج»

صدر عن منشورات القاسمي كتاب «سجِلّ مكاتبات السلطان برغش سلطان زنجبار.. ومنها ما هو بخطه 1296ه- 1878م» لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وجاء الكتاب في 269 صفحة، وضم مخطوط السلطان برغش.

وفي مقدمة الكتاب يقول صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي: «لقد عثرتُ على مخطوط (سجلّ مكاتبات السلطان برغش، سلطان زنجبار، ومنها ما هو بخطه)، بدار الوثائق المصرية بالقاهرة، وقد أرختها دار الوثائق المصرية بتاريخ أول مكاتبة تم تسجيلها بذلك السجل»، وأضاف سموه قائلاً: «في عام 2012م قمتُ بنشر رسائل لسلاطين زنجبار، قد جمعتها من المكتبة البريطانية، وهي في صورة رسائل واردة وأخرى صادرة لسلاطين زنجبار، بعد تحقيقها، وكانت من ضمن تلك الرسائل، رسائل خاصة بالسلطان برغش، وهي الرسائل المتبادلة بين السلطان برغش والمسؤولين البريطانيين.

أما (سجل مكاتبات السلطان برغش)، فهي خاصة بالشأن الداخلي، وقد تم التسجيل فيها على الطريقة الغربية، حيث يتم تسجيل محتويات الرسائل في السجل، وإذا غاب المسؤول عن السجل يقوم السلطان برغش بتسجيل تلك المكاتبات بخطه».

ويوضح سموه بعد ذلك سمات شخصية السلطان برغش، والتي تظهر من خلال دراسة تلك المكاتبات فيقول: «وبدراسة سجل تلك المكاتبات تتبيّن لنا شخصية السلطان برغش، فقد كان مثقفاً يطلب الصحف الأجنبية والكتب العربية القيّمة، وكان حازماً في حكمه، فبعد النصيحة يأتي القرار الحازم، وكان يكتب لولاته: (الرعايا يستحقون المسايرة والاحتمال). كان يتتبع القضايا الاجتماعية، ويقوم بالعمل على إنهائها، وينزل العقوبة بكل مخالف أو معتدٍ، فكان يزود ولاته بالأختام والمهور؛ حتى تصبح رسائلهم رسمية، ويزودهم بالمرتبات والمخصصات والمؤونة، ويزود رؤساء القبائل بالأسلحة لحماية قبائلهم».

ويبين سموه كذلك في مقدمة الكتاب حرص السلطان برغش على تطوير سلطنته، وتدخله في أدق التفاصيل المتعلقة بذلك فيقول: «ويتدخل في أدق التفاصيل بالنسبة لتعمير وتطوير السلطنة، خاصة في البر الأصلي (ساحل شرق إفريقيا)».

ويبرز سموه أهمية تلك المكاتبات الواردة في الكتاب بالنسبة للدارسين فيقول: «لذلك قمت بتحقيق تلك المكاتبات؛ لينتفع بها الدارسون والباحثون في قضايا شرق إفريقيا».

من بين الرسائل التي أوردها صاحب السمو حاكم الشارقة في الكتاب بنصها وصورتها (ص 2) من المخطوط والتي ضمت كما يبدو أربع رسائل يقول السلطان برغش في أولاها: «خط إلى سليمان بن حمد وبعد فشبغوه (اسم شخص) عثمان وأهل براوة (ميناء على الساحل الصومالي إلى الجنوب من مقديشو)، واصلين إليك وسايرهم بالإحسان هم وغيرهم لأن الرعايا يستحقوا المسايرة والاحتمال في الذي لا يصدر منه ضرر ونحن مع وصولنا إن شاء الله لنحضركم ولنعرف العايل منكم، وقد طلب منا شبغوه عثمان أن التنه (جماعة من الناس تدعى التنه) أهل براوة مرادهم يسكنوا في الجب، مثل السابق فأرخصناهم بشرط أن يسكنوا ويبي (منطقة واقعة بين مقديشو والجب)، يكون حامين أنفسهم والعسكر وورائهم إن صح شي والسلام..9 شوال 1296»

وفي ثانية الرسائل يقول سلطان زنجبار: «خط إلى عمر بن سالم وكيل السركار في مقدشوه، وبعد، فقد كتبنا إلى سالم بن عوض أن يعطي القبطان علي المهدلي أربعمائة قرش والمهدلي ليقبضهن محمد عبد الله المرزوقي في دار شيخ (اسم مكان)، ليشتري لنا بهن غنم فإن كانت لا شيء دراهم عند سالم ووصلك سالم يريدها منك فأعطه مائة قرش والسلام...9 شوال 1296»

وفي ثالثة الرسائل في تلك الصفحة يقول: «سالم بن عوض نقدم منا لك تعريف عساه وصلك والآن الواصل مركبنا وأمرنا القبطان يسير إلى دار شيخ فإن كانت عندك دراهم فأعطي القبطان علي 4 مائة قرش ليقبضهن محمد عبد الله المرزوقي ليشتري لنا بهن غنم للعيد وإن كانت لا عندك دراهم فواصلك بروة (ورقة فيها أمر) لعمر بن سالم وكيل السركار في مقدشوه خذ منه وقبضهن القبطان علي والذي حاصل من السمن معك حمله في المركب وواصلك خطوط أرسلها إلى إخوة أحمد بن يوسف عمر ومحمود، وعرفنا عن أخبار أطرافكم والسلام..9 شوال 1296».

وفي رابعة الرسائل يقول: «سالم بن عوض واصلك خطين ومهرين» (المهر: الختم) «أرسلهن إلى محمود بن يوسف وعمر بن يوسف إلى محمد عبد الله المرزوقي محبك في خير نرجو أن أطرافكم ساكنة الحركات وفي زيادة التعمير والواصل مركبنا وفيه القبطان علي لمطالعتكم والبندر، وواصلك بيد القبطان 4 مائة قرش فاشتري لنا بهن غنم للعيد، وحملهن في المركب ولا تحجر» (حجّر: أخّر) «به من يوم إلى يوم حتى يرجع إلينا سريعاً والسلام..9 شوال 1296».

وفي ص 5 من المخطوط نجد كذلك أربع رسائل أولها وجهها السلطان برغش إلى الوالي ناصر بن سلمان، يقول في الأولى: «خط إلى الوالي ناصر بن سلمان جواب وربع أنيونجو (اسم زعيم إفريقي) خذ لهم للفجازية 42 قرش من كانجي سراج (اسم هندي) واتركهم يسافرون والسلام..13 شوال 1296».

والثانية موجهة للوالي حمد بن سعيد ويقول فيها: «خط للوالي حمد بن سعيد جواب والعرضة التي هي من نمبر (رقم) 48 إلى 51 وصلت وذكرت أن وكيل أهل بيت زيرام حمَل قرنفلاً من بندر موجازة (ميناء) وهذا البندر متعلق ببندر كشكاش (ميناء) لكنه كلفكم على الكتابة لأجل مراده يدرك (يلحق) الميل (السفينة التجارية) ففي الماضي ما من خلاف وفي المقبل كل أحد (واحد) يأخذ شيء من البندر الذي حمل منه أو محسوب على أحد من الذي يكتبوا الشتاتي (جمع شتي، كلمة هندية بمعنى وصل) حتى لا يصبح إشكال في شيء من الغرض والنمبر الذي كتبته لأهل بيت زبرام هو نمبر 48، وقد وصل نمبر 48 قبله، لكن الآن لا تغيره اتركه على ما كتبت، وإن كان متكرر فما من خلاف وما ذكرته عن الجح (البطيخ الأحمر) فهمناه ومع نضاجه نرجو إن شاء الله، وواصلك بذر بطيخ ازرعه، لكن لا يكون في مكان واحد ازرعوه في أمكنة متفرقة واترك أحداً (واحد) من الخدام يعاينه ونوخذا (ربان) أهل بيت زيرام أرسله إلينا والسلام....13 شوال 1296».

وفي رسالة ثالثة يقول: «خط إلى سعيد بن سيف السهيبي كتابك الشريف المؤرخ 12 رمضان سنة 1295 وصل وفهم محبك ما ذكرت من طرف الطلب الذي عليك للشيخ علي بن عيسى ذكرت أنك مع تاريخ كتابك ما عندك عاج، والذي كان معك أرسلته لتتعوض (يتعوض: يأخذ البدل) به وقد وصلك العوض، ومن تلك المدة إلى الآن لا وصله منك شيء فأرسل له الذي حاصل معك، وبعد مدة أرسل له غيره، فعلى هذا الترتيب لتخالص عن نفسك وأما كونك أنت في المونري (اسم بلد) والذي يطالبك في زنجبار وتعرفنا أنه له باب يرضيه ولا من ذلك عمل فلا يمكن ذلك، وما ذكرته أن يأخذ علي بن عيسى أملاكك من زنجبار يستغلها فذلك غير ممكن، لا سيما أنك تريد من الغلة ما يقيم والدتك وأولادك فأي غلة في زنجبار الآن تكفي لمقابلة هذا من وفاء دينك وقيام أهلك، فافعل له ترتيب بإرسال عاجا كما ذكرنا لك في هذا الخط والسلام...13 شوال 1296».

وفي الرسالة الرابعة من يقول سلطان زنجبار: «خط إلى محمد بن جمعة ومسعود بن سيف جواب وعرضه الجمادار عن عسكره أنهم 43 نفراً نظرناها وهو ينكر ذلك ويقول إن ربعه 48 نفراً وحمود بن سالم الجرادي يعطيه فريضة رجلين ليكونوا الجميع 49 نفراً و3 أنفار أسقطهم عن قوله لزيادة ربعه بزعمه أن جملة فرايضهم زائدة والعرضة التي كتبها بأسماء ربعه واصلة إليكم انظر هؤلاء الذينهم (الذين هم) في العرضة ( العريضة) «الورقة المعروض عليها الحال» موجودين أم لا وصرحوا لنا كل واحد بفريضته (الفريضة:المرتب) وإذا كان أحد في العسكر يصلح يكون عقيداً (رئيس على عسكر محليين) عوضه فكذلك عرفونا لأننا إن كان لاعنده إلا 43 نفراً كما في العرضة التي أرسلتموها فلتعزله ونرجو الجواب سريعاً والسلام..15 شوال 1296».

جهد كبير

ويمكن ملاحظة أن تلك الرسائل، قد كتبتْ بلغة محلية عامية، وأحياناً ترد فيها كلمات من أصل غير عربي، لكن صاحب السمو حاكم الشارقة في تحقيقه للكتاب، بذل جهداً كبيراً في توفير شرح فصيح وتبيان للكلمات المحلية والمصطلحات التي قد تكون غريبة على القارئ ومستعصية الفهم عليه، وذلك عن طريق شروحات أوردها في حاشية مع كل صفحة وردت فيها بعض الكلمات التي تحتاج للشرح، وهذا جهد علمي وتوثيقي أسهم في جعل القارئ ينتقل بسلاسة مع صفحات الكتاب، ويطلع من خلاله على تاريخ وسمات ذلك السلطان الذي حكم زنجبار، كما بإمكان القارئ انطلاقاً مما قدمه سموه في الكتاب تحليل الحياة في تلك المنطقة وفي تلك الحقبة التاريخية، من خلال المخطوطات والرسائل الواردة فيه.

يذكر أن منشورات القاسمي قد أصدرت كتاب «مراسلات سلاطين زنجبار» جمع وتحقيق الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، تناول سموه فيه الرسائل الواردة والصادرة للسلطان سعيد بن سلطان، إمام عمان (مسقط وزنجبار)، مع الحكومة البريطانية، والخاصة بزنجبار، وكذلك الرسائل الواردة والصادرة للسلاطين: ماجد بن سعيد بن سلطان (سلطان زنجبار)، وبرغش بن سعيد بن سلطان (سلطان زنجبار)، وخليفة بن سعيد بن سلطان (سلطان زنجبار)، والمتبادلة مع الحكومة البريطانية، وأخرى متعلقة بزنجبار - القسم الإفريقي من الإمبراطورية العمانية، والذي عملت بريطانيا على فصله عن حكامه في عمان، كما بين الشيخ القاسمي في كتابه (تقسيم الإمبراطورية العمانية).

وتكشف الرسائل في هذا الكتاب الجديد عن كثير من المعلومات الخاصة بسياسة بريطانيا في الساحل الشرقي لإفريقيا، والذي كان تابعاً لسلطان زنجبار، بإثارة الفتن في الولايات التابعة له، وإبعاد ولاته وإنزال علمه ورفع العلم البريطاني على تلك الولايات.

لقد جمع سموه هذه الوثائق من المكتبة البريطانية، وهي في صورة رسائل واردة وأخرى صادرة لسلاطين زنجبار، عددها (234) رسالة، ورتبها في أربع مجموعات. لكن جمال وقيمة الرسائل الخاصة ببرغش هما في الشأن المحلي مما يفسر علاقات وصلات بين الحاكم وطبقات الملاك والتجار والأعيان وشيوخ القبائل في القطاع الشرقي الإفريقي لسلطنة عمان وإمبراطوريتها الإفريقية.

النهوض بالبنى التحتية

السلطان برغش بن سعيد آل بوسعيد السلطان الثاني لزنجبار بعد أخيه ماجد بن سعيد وهو الابن السابع للسلطان سعيد بن سلطان، ولد عام 1252 ه/ 1837م، وتولى الحكم منذ يوم الاثنين 14 رجب 1287ه / 10أكتوبر/تشرين الأول 1870 حتى وفاته ليلة الخميس 14 رجب 1305ه / 26 مارس/آذار 1888م.

ينسب الفضل له في بناء وتطوير البنى التحتية لزنجبار، وتطوير شبكات المياه، والحمامات العمومية، و قطاع الشرطة والطرق والحدائق العامة والمستشفيات والمباني الحكومية الضخمة مثل «بيت العجايب» أو قصر العجائب عام 1883، وقد شجع شركة الملاحة البخارية البريطانية الهندية (British India Steam Navigation Company) على القيام برحلات بخارية ما بين عدن وزنجبار كل شهر، وتلك الخدمة النوعية نقلت بريد زنجبار إلى أنحاء متعددة من العالم، وبعد افتتاح قناة السويس عام 1869 اتفق مع شركة التلغراف الشرقية (Eastern Telegraph Company) على مد (كيبل) تحت البحر من عدن إلى زنجبار مقابل التنازل عن جزيرة بيو، وقد تم الانتهاء من مد الكيبل عام 1879، وافتتح مكتباً محلياً للبرق، وجلب الفنيين من لندن وغوا وبومباي، كما أنشأ في زنجبار مطبعة عربية لطباعة الكتب الدينية والأدبية، وأصلح بعض طرق زنجبار بالحصى، وجلب ماكينة كهرباء لإنارة الشوارع والبيوت.

ويعتبر برغش آخر سلطان في زنجبار يحافظ على قدر من الاستقلالية الحقيقية عن الهيمنة الأوروبية، وكان له دهاء دبلوماسي في التعامل مع كل من بريطانيا وأمريكا وألمانيا وفرنسا والبرتغال، واشتبك مع الألمان في نزاع، وفي عام 1885م أعلنت ألمانيا ضمها ما يقرب من ستين ألف كيلومتر مربع من ممتلكات السلطان برغش في إفريقيا، وقد خضع السلطان للأمر الواقع، ووافق على الاستيلاء، ثم صدر تصريح ثلاثي من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بتحديد ممتلكات سلطان زنجبار عام 1886م، وعلى إثر ذلك سلم السلطان إدارة بلاده إلى شركة شرق إفريقيا البريطانية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"