«راهب الحديقة» و «البستاني» و«الرجل المتواضع»، الذي شكل فهمنا لعلوم الوراثة، عالم كبير تم تجاهله في زمنه، على الرغم من أنه قدم إجابات عن أكثر الأسئلة إلحاحاً في علوم الأحياء، إنه «غريغور مندل» الأب الفعلي لقوانين الوراثة، توفي رجلاً وحيداً، بعد أن عاش خيبة أمل كبيرة من دون أن يحقق فرصة للاعتراف به وبأبحاثه، وبعد مرور 35 عاماً، خرجت أبحاثه إلى النور، ففاجأ الجميع، ليخلد اسمه في ما بعد من أهم الأسماء في العلوم، وأبرز وأهم رواد علم الوراثة الحديث.
ولد غريغور يوهان مندل في النمسا في بلدة هينزندورف، وذلك في 20 يوليو/تموز 1822، لأب وأم مزارعين، والداه اسمه أنطون أما والدته فهي روزين مندل، كان الوالدان يمتهنان الزراعة في أرض العائلة لنحو 130 عاماً، لمندل شقيقتان هما: فيرونيكا وتيريزيا. وفي طفولته كان بستانياً كما اهتم بتربية النحل. درس مندل الفلسفة والفيزياء بشقيها العملي والنظري في المعهد الفلسفي بجامعة أولوموك من عام 1840 إلى عام 1943 وتوقف سنةً عن الدراسة بسبب المرض. عانى دفع تكاليف الدراسة فساعدته أخته تيريزيا بعد أن باعت مهرها، وهو ما دفعه لمساعدة أبناء أخته في ما بعد لاستكمال تحصيلهم الدراسي، فتخصصا في علوم الطب.
التحق مندل في عام 1843م بدير القديس توماس في النمسا، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وانتهى به الأمر إلى أن أصبح قسيساً، ولأن الدير كان أيضاً ملتقى دينياً وعلمياً، فقد تعرف إلى الكثير من العلماء، وفي عام 1851م أُرسل في بعثة من الدير إلى جامعة فيينا لدراسة العلوم والرياضيات، وعاد مرة أخرى إلى الدير في عام 1853م، درّس الرياضيات والعلوم لمدة أربع عشرة سنة، وفي عام 1868م انتُخب رئيساً للدير، وكانت هذه فرصة له لإجراء المزيد من التجارب العلمية، في حديقة الدير..
نشر مندل أعماله في علم الوراثة في عام 1860م ولم ينتبه إليه أحد من العلماء، بسبب اهتمامهم وقتها بنظرية داروين، وفي عام 1900م عثر العلماء على تقريره، ومن هنا بدأت أبحاثه في الوراثة تعرف على نطاق واسع.
وفاته
توفي العالم مندل في عام 1884م عن عمر 62 سنة بعد معاناته من التهاب مزمن في الكلية، وأُجريت له جنازة، وحُرقت جميع أوراقه بعدها.
قوانين الوراثة
وضع مندل قانونين مهمين في الوراثة الأول: قانون الفصل وينص على أنّ أي فرد يحمل زوجاً من الجينات لكلّ صفة، وأنّ الأبوين يورثان أحد هذه الجينات بطريقة عشوائيّة، ويحدد الجين السائد الصفة السائدة في النسل بأكمله مثل لون النباتات، ولون فرو الحيوانات، ولون عيون الإنسان. هناك قانون التوزيع المستقل، وينص على أنّ الجينات المسؤولة عن الصفات المنفصلة تورث للأجيال الجديدة بشكل مستقل؛ أي أنّ اختيار الجين المورث لصفة ما لا يؤثر في اختيار الجين المورث لصفة غيرها، فمثلاً جينات لون القطط تختلف عن جينات طول الذيل.
في الكتب
عندما توفي غريغور مندل في عام 1884، لم يكن أي باحث يعترف بإسهاماته في علم الأحياء. حتى تم اكتشاف «دير أوغسطينوس» في برنو (في جمهورية التشيك الحالية) في مطلع القرن، عندها صُعق العلماء حين علموا أن أبحاث علم الوراثة قام بها راهب غير معروف قبل ثلاثة عقود. كان مندل باحثاً متخصصاً قضى كل ساعة من عمره في دراسة العلوم الطبيعية، ابتكر مندل سلسلة من التجارب البسيطة الرائعة باستخدام نبات يزرع بسهولة في أرض الدير، هو البازلاء الذي زرعه في الحديقة. خلال بضع سنوات فقط، قام باكتشافات مذهلة أصبحت فيما بعد محور علم الوراثة.
في رواية مسلية وفيها قدر وافر من المعرفة العلمية، يتتبع إدوارد إيدلسون حياة مندل من أصوله المتواضعة إلى شهرته بعد وفاته، ما يوفر لنا مقدمة موجزة لعلم الوراثة، ورصيداً ملهماً لما يمكن أن يحققه رجل متواضع بإخلاص وإبداع.
تجمع هذه السير الذاتية المصوّرة بين المادة العلمية الرصينة والقصص الشخصية الجذابة لعلماء شكلت أبحاثهم آفاق فهمنا للعالم الطبيعي.
«مبادئ الوراثة عند مندل»
يتضمن هذا الكتاب شرحاً لتطور المبادئ الأساسية لعلم الوراثة من واقع دراسات مندل على نبات البازلاء، كما يتطرق إلى أساس نظرية الوراثة، بالرجوع إلى قانون مندل الذي ينص على أنّ أي فرد يحمل زوجاً من الجينات لكلّ صفة، وأنّ الأبوين يورثان أحد هذه الجينات بطريقة عشوائيّة، ويحدد الجين السائد الصفة السائدة في النسل بأكمله مثل لون النباتات، ولون فرو الحيوانات، ولون عيون الإنسان. ومن القوانين ما ينص على أن الجينات المسؤولة عن الصفات المتنحية تورث للأجيال الجديدة بشكل مستقل؛ أي أنّ اختيار الجين المورث لصفة ما لا يؤثر في اختيار الجين المورث لصفة غيرها، تتضمن النظرية نقل وحدات منفصلة أو متنحية، أو جينات الصنف الواحد من الآباء والأمهات إلى ذرية جديدة.
وجد مندل أن خصائص الناتج الجديد من البازلاء كانت إما سائدة وإما متنحية. وعندما كانت النباتات الأصلية نقية، نتجت صفات سائدة في السلالة، لم يكن مندل على دراية بالجينات، لكنه توقع أن هناك عاملين لكل صفة أساسية، وأن هناك عاملاً واحداً موروثاَ من كل والد.. في اللغة الوراثية اليوم، يعتبر نبات البازلاء النقي التكاثر متماثلًا، له نسختان متطابقتان من نفس الأليل، في الكتاب شرح لخواص البازلاء، حيث اكتشف مندل أن هناك خاصية وراثية واحدة في البازلاء، كما أسفرت أبحاثه على هذا النبات عن ظهور 7 صفات سائدة، وتضمن الكتاب تفصيلاً حول الصفات المتنحية في الجيل الثاني، بالإضافة إلى تجاربه حول فصل العوامل المورثة «الأليلات» وغير ذلك مما يتعلق بآليات التلقيح والإخصاب في الحيوانات، وتوريث الجينات الموجودة على الكروموسومات المختلفة بشكل مستقل عن بعضها البعض.
لاحظ مندل أنه عندما تم تلقيح البازلاء مع أكثر من خاصية واحدة، فإن السلالة الناتجة لم تكن دائماً مطابقة للآباء والأمهات. وذلك لأن الخصائص المختلفة موروثة بشكل مستقل.
بعد ست سنوات من إعلان تشارلز داروين نظريته عن التطور في العالم، بدأ مندل في دراسة وراثة خصائص نباتات البازلاء. وأدت أبحاثه إلى اكتشاف الصفات المهيمنة والمتنحية وغيرها من حقائق التطور، والتي أعلن عنها في بحثه الرائد لعام 1865،«تجارب في تهجين النبات».
«أبو علم الوراثة»
في هذا الكتاب يروي روجر كلير تجارب مندل على نبات البازلاء، ويورد أن أبحاثه استغرقت نحو ثماني سنوات ما بين (1856-1863) كما قام بنشر نتائجه في عام 1865. وخلال هذا الوقت، أجرى مندل أكثر من 10000 تجربة على نبات البازلاء، والمثير للغرابة أن قوانين الوراثة التي خلص إليها لم تكن محل تقدير في زمنه، حتى عام 1900، حيث أعاد العلماء الاعتبار لهذه القوانين التي أسست لعلم الوراثة الحديث.
الوراثة المندلية
الوراثة المندلية هي أحد أنواع الوراثة البيولوجية التي أُعيد اكتشافها في عام 1900. أثارت قوانين مندل الجدل في البداية. وأصبحت النظريات التي اقترحها جوهر علم الوراثة الكلاسيكية بعد أن لخصت من قبل توماس هانت مورغان مع نظرية بوفيري- ساتون للكروموسوم.
في الواجهة
أُعيد اكتشاف عمل مندل من قبل ثلاثة علماءٍ أوروبيين: هوغو دي فريس، وكارل، كما أظهر العمل اللاحق الذي أنجزه علماء الأحياء والإحصاء مثل: رونالد فيشر أن علم الوراثة المندلية متوافق مع الانتقاء الطبيعي.
دمج توماس هانت مورغان ومساعداه في وقت لاحق النموذج النظري لمندل مع نظرية كروموسوم الوراثة، حيث كان يعتقد أن كروموسومات الخلايا تحتوي على المادة الوراثية الفعلية، وهو الذي خلق ما يسمى الآن «علم الوراثة الكلاسيكية» الذي خلد اسم مندل في التاريخ.
ملخص
استخدم مندل نبات البازلاء لمعرفة من أين تأتي الصفات، لأن أزهاره قابلة للتلقيح الذاتي، بواسطة عدد قليل جداً من حبوب اللقاح الذي ينتقل من زهرة إلى أخرى. وقد وجد أن للبازلاء العديد من الصفات المنفصلة التي لها صلة بلون الزهرة، (بيضاء أو بنفسجية) وموقع الزهرة، ولون البذرة (خضراء أم صفراء) وشكل البذرة، وشكل الثمرة وطول النبتة (قصيرة أو طويلة) وقد لاحظ أنه إذا ترك النبات دون تدخل، فإن النباتات الطويلة تُنتج دائماً نباتات طويلة، وتُنتج البذور الخضراء بذوراً خضراء.. وهكذا بالنسبة للصفات المتنحية، ونتائج التجارب على نباتات طويلة وقصيرة، ومدى الدهشة حول اختفاء أو تنحي بعض الصفات، عندما زاوج مندل النباتات التي تتميز بصفات متقابلة، وجد أن كل الذرية في الجيل الأول أظهرت صفة واحدة (طويلة القامة) بينما اختفت الصفة المقابلة (قصيرة القامة)، وافترض من هذه التجربة أننا نرث صفة واحدة فقط من أحد الوالدين.
إن أكثر الأشياء إثارة للدهشة في عمل مندل أنه وضع القوانين الأساسية للوراثة قبل أن يتم التوصل إلى أي معلومات حول الكروموسومات أو الجينات أو الحمض النووي.
استمر مندل في تجاربه، كإنبات بذور حصل عليها من نباتات الجيل الأول، فظهرت في الجيل الثاني صفات اختفت في الجيل الأول، لكن ظهورها كان بنسب مختلفة. فقد وجد أن الصفات تظهر بمعدل ثلاثة أرباع للصفة التي ظهرت في الجيل الأول وربع للصفة التي لم تظهر في الجيل الثاني.
أطلق مندل على الصفة التي ظهرت في أفراد الجيل الأول«الصفة السائدة» والصفة التي اختفت في الجيل الأول ثم عادت للظهور في الجيل الثاني«الصفة المتنحية».
راهب الحديقة
بات معظمنا يعرف الآن أن مندل قد شكل فهمنا لعلم الوراثة، هذا الذي تم تجاهله في زمنه، على الرغم من أنه تضمن إجابات عن أكثر الأسئلة إلحاحاً، بالإشارة إلى ما أثاره كتاب تشارلز داروين الثوري، حول أصل الأنواع، الذي تم نشره قبل بضع سنوات فقط. فشلت فرصة مندل الوحيدة للاعتراف به، وتوفي رجلاً وحيداً مع خيبة أمل كبيرة، وبعد خمسة وثلاثين عاماً، خرجت أبحاثه إلى حيز الوجود، عندما قام ثلاثة علماء من ثلاث دول مختلفة في وقت واحد تقريباً بالكشف عن ورقة مندل الرائدة في علم الوراثة وأقروا أخيراً بأهميتها العميقة. إن الصمت المحير الذي استقبل اكتشاف مندل وإعلانه النهائي كأب لعلم الوراثة يشكل قصة فيها قدر كبير من الغيرة، حيث يروي روبن هينغ، قصة لم يسبق لها مثيل من قبل، هي رواية مثيرة للإعجاب وغنية بالتفاصيل، حول أبحاثه وحياته، ومصير أفكاره، الكتاب هو جولة أدبية حول عالم شق طريقه المحفوف بالمخاطر نحو ضوء النهار.