الشارقة:علاء الدين محمود

شديدة هي غواية المسرح، ومن بين مقاعد المتفرجين تتحرك في نفوس كثيرين رغبة كبيرة في خوض التجربة، خاصة أولئك الذين يتلصصون على كواليس العروض المسرحية، فيقتربون أكثر فأكثر من تلك العوالم المدهشة بدافع الفضول، وسرعان ما يتحول الأمر إلى هوس وولع بالمسرح. ولعل المخرج والمؤلف المسرحي د. فيصل الدرمكي، هو واحد من الذين استهوتهم لعبة العروض بتلك الكيفية.
كان المسرح في كلباء يقع خلف منزله تماماً، حيث كان يتفرج على الأعمال التي تقدم من أعلى سور البيت، ويقول: «نشأت في بيت يفصله عن مسرح كلباء الشعبي المكشوف، سور متواضع ومتهالك، هذا السور كان بمثابة مقعدي منذ المراحل الأولى لدخولي المدرسة، فقد كنت أتابع البروفات المسرحية، التي تجريها فرقة مسرح كلباء الشعبي لا كممثل ولا مخرج أو فني؛ بل كمتفرج، ولا أنزل من حافة السور حتى تنتهي حصة التمارين المسرحية بالكامل، مستمتعاً بأجواء المسرح وتفاصيله وكيفية إدارة الفريق على الخشبة»، ومن هنا بدأت حكاية عشق جميل لهذا الفن الراقي، ولعل مقولة شكسبير التي ألقاها على لسان «هاملت»، أحد أبطال مسرحياته: «أكون أو لا أكون» قد حلقت في ذهنه فحسم أمره بالانتماء الفعلي للخشبة ممثلاً ومخرجاً ومؤلفاً مسرحياً.
على الرغم من أن كثيرين يرون أن الجماهير صارت تبتعد عن المسرح، فإن الدرمكي يحمل رؤية مختلفة تجاه هذا الأمر، فهو يرى أن أهم ما يميز المسرح الإماراتي اليوم هو تلك النخبوية؛ إذ إن الفنان الإماراتي يرفض المتاجرة بفنّه وأن يجعل منه سلعة رخيصة، وليست صحيحة تلك المقولة التي ترى ضرورة أن ينزل المسرح إلى قناعات الجمهور؛ الأصح أن يرتقي المسرح بذائقة الجمهور وفكره، ورغم صحة مقولة «إن المسرح للجمهور»، فإنه في الوقت ذاته لابد أن يقدم المسرحيون فناً راقياً ويبتكرون وسائل وأدوات ترغب المتلقي لحضور المسرح؛ بل حتى الكوميديا على الرغم من شعبيتها الكبيرة، فإنه يجب أن تكون هادفة وتحمل معنى.

بداية

كانت كلباء بداية التشكل الحقيقي للدرمكي كمسرحي، وكلباء ذاتها كانت عبارة عن مسرح للإبداع في شتى المجالات، وكان الحراك الثقافي في قمته، وبرز عدد من المسرحيين هناك، ومن خلال أنشطة أحد الأعياد برزت موهبة الدرمكي، فكان يقدم بعض الاسكتشات البسيطة على خشبة المسرح بنادي فتيات كلباء عام 1997، بالاشتراك مع رفيق دربه الفنان جمعة علي، ونالت الاسكتشات استحسان الجمهور، الأمر الذي دعاه لتكرار التجربة في العيد الذي تلاه، وأتبعها بالعديد من المسرحيات المخصصة للعيد، وحملت توقيع «ابن كلباء فيصل الدرمكي»، فكانت تلك هي البداية لإبداع مسرحي مازال متواصلاً حول المسرح وقضاياه، ليشكل علامة فارقة في مسيرة المسرح الإماراتي، فقد فاق إنتاجه عشرين عملاً، وبرز بشكل خاص في مجال مازال يحمل كثيراً من الأفكار والرؤى، ألا وهو مسرح الطفل والمسرح المدرسي، وقد كان ضمن المشاركين في معظم المهرجانات التي أقيمت في داخل الإمارات وخارجها.
وإضافة إلى كونه عضواً في جمعية كلباء للفنون الشعبية، فقد أسهم في العمل داخل جمعية المسرحيين الإماراتيين، وشارك في تأسيس مسرح بني ياس / أبوظبي، وقد كلل تلك المسيرة بحصد العديد من الجوائز في مهرجانات المحترفين في الإمارات، خاصة مسرحية «الظمأ» التي تُوجته بجائزة الإخراج في مهرجان الأيام المسرحية عام 2006، الأمر الذي زاد من توهجه في المشهد المسرحي الإماراتي، وقد شارك دولياً بالعرض نفسه بمهرجان دمشق المسرحي، وحصل على جوائز في المسرح الموجه للأطفال، يرى الدرمكي أن «مهرجان أيام الشارقة المسرحية» له مكانته الخاصة التي أسهمت في تطوره كمخرج، ويقول: «كانت (الشارقة المسرحية) بمثابة ورشة كبيرة في فنون المسرح، تتيح مشاهدة مسرحيات من العيار الثقيل لمخرجين محترفين مثل: ناجي الحاي، وحسن رجب، وأحمد الأنصاري، وحبيب غلوم، وعبدالله صالح، ومحمد العامري، ومحمد سعيد، وعمر غباش، وعلي جمال؛ لذلك يعتبر المهرجان مدرسة في كل فنون المسرح».
لقد كان الإخراج هو اللعبة المفضلة للدرمكي، فأتقنه بفاعلية كبيرة حظيت بإشادة النقاد وزملائه الفنانين، وكان اختياره للإخراج بعد تجربة في التمثيل من خلال عرض «تناقيش» عام 1994، من إخراج صديقه المسرحي الكبير علي خدوم، ولكن هذا العرض على الرغم من التمارين الكثيرة، لم ير النور، فتوقف قبل عرضه أمام الجمهور، وهذا الموقف حرك العناد داخل الدرمكي، فقد خدمته فرصة التمارين المسرحية للتعرف أكثر إلى عوالم الإخراج المسرحي وتفاصيله، فكان أن اقترب منه واختاره ليكون مساره وطريقه في دنيا المسرح.
استفاد الدرمكي من عمله إلى جانب مخرجين بقامة حسن رجب وجمعة علي، وبشكل أساسي الرائد عبدالله المناعي الذي كان دور في بلورة الأسلوب الإخراجي عند الدرمكي، مع المناعي اشتغل الدرمكي في عرضين أثرا في تكوين شخصيته المسرحية، في الأولى ساعد الدرمكي في إخراج «جياد» التي تعتبر نقطة تحول في مسيرته المسرحية. كما عمل مساعدا مع المخرج علاء النعيمي في «موسيقى صفراء» وأيضا «بهلول» و«سيد القبو» مع حبيب غلوم، و«الحب المستحيل» مع اللبناني عصام أبو خالد، وشارك كممثل في «قشور القلب» مع عمر غباش.

رؤية خاصة

يحمل الدرمكي فلسفة خاصة عن المسرح ودوره في الحياة، فهو يجب أن يعبر عن المجتمع في عاداته وتقاليده وتفاصيله اليومية، وولا بد أن يواكب التطور، ولا بد أن يحمل العرض المسرحي فكرة ورؤية عن هذه التقاليد الاجتماعية وموقفها من التطور والحداثة.
ويعتبر الدرمكي من القامات المسرحية الكبيرة في الإمارات، ولد عام 1974 بكلباء في الشارقة، ودرس المراحل الابتدائية والإعدادية في مدرسة أبو عبيدة، ثم المرحلة الثانوية في مدرسة سيف اليعربي. أما الدراسة الجامعية فكانت في جامعة بيروت، ونال درجة الدكتوراه في ماليزيا، وعمل موظفاً بالقوات المسلحة، ثم في وزارة التعليم التي مازال يعمل فيها بمجال المسرح المدرسي، نال عدة جوائز وتم تكريمه خلال مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة عام 2018.