الشارقة: عثمان حسن

بدأت الفكرة كحلم، فمنذ صغرها كانت كريمة الشوملي تتوق لأن تصبح فنانة تشكيلية، حتى أصبحت واحدة من الرموز التي يشار إليها بالبنان في التجربة التشكيلية الإماراتية، وذلك على صعيد الممارسة، والتنظير، والتخصص الجامعي. وهي تشير دائماً إلى الفن التشكيلي بوصفه مجالاً خصباً وحيوياً يجسد حالة وجدانية وروحية راقية، تنفتح على الثقافة الإنسانية.
من هنا، تعتبر الشوملي الفنون ملكاً للإنسانية، وهو الذي ينعكس على فهمها للفن بشكل عام، حيث تقول «لا أستاذية في الفنون التي تعكس الحضارة العالمية، بوصفها حلقات متصلة في سلسلة واحدة، حيث يبرز الفن ككتاب عصري للبشرية ولكل الفنانين، ونحن نحاول دائماً كفنانين أن نقدم ما لدينا حتى يبقى نهر الفن التشكيلي الإنساني متدفقاً».
بدأت مسيرة الشوملي الفعلية في عام 1966، حيث التحقت بدورات في معهد الفنون التشكيلية، فاطّلعت على تاريخ الفن وتقنيات اللون، كما التحقت بدورات تخصصية أقامتها جمعية الفنون التشكيلية، وكان أن اطّلعت أيضاً على مختلف المدارس الفنية وربما تأثرت بها كالانطباعية وألوانها، والكلاسيكية وحرفيتها وأيضاً السريالية بما تحمله من خيالات وأحلام، وقد كانت المدرسة التعبيرية واحدة من المحطات التي انطلقت من خلالها لتركز على المناظر الطبيعيّة، والطبيعة الصامتة والوجوه.
في خطوة لاحقة انتقلت إلى الرمزيّة، لتعبر عن أفكارها، وفي خط موازٍ دخلت عوالم «الفن المفاهيمي» الذي منحها فرصة أكبر في التخيل والتعبير، وهي خلال هذه المحطات كما تقول «لم تخُض في الاتجاه التجريدي، حيث لم تجد فيه ما يناسب أسلوبها، أو يلبي احتياجاتها للتعبير».
المحطة الفاصلة في تجربة الشوملي، كانت في اشتغالها على موضوع القناع، «الأقنعة» هنا، مخيال خصب، ملىء بالمفردات والتعابير، والرموز، وهو ميدان أنثروبولوجي وتراثي وأسطوري، دفعها لاحقاً، لكي تنجز أول شهادة دكتوراه على مستوى العالم من جامعة «كنجستون» في بريطانيا، وهي بعنوان «البرقع الإماراتي من منظور ثقافي» وتناولت فيها جماليات البرقع الإماراتي، وما يجسده من حكايات أسطورية في الثقافة الشعبية، وباعتباره -أي البرقع- يشكل مكوّناً اجتماعياً ثقافياً أصيلاً في زي المرأة.
ومن المهم هنا، أن نشير إلى أن الأقنعة، قد سبق وأن وظفت في استخدامات عدة عند كثير من الشعوب والحضارات، حيث يقول الباحث عبد الستار عبد الله صالح في دراسة بعنوان (السحر المضاد.. دراسة أنثروبولوجية في المكونات الأولى للقناع): «تاريخياً كانت الأقنعة وسيلة ساعدت الإنسان البدائي على كشف ظواهر الطبيعة، وتطويرها طبقاً لأهدافه لكي يخضع واقعه الطبيعي والاجتماعي لمصالحه وغاياته، فهو يسعى إلى تحقيق حريته، واكتمال حريته لا يتم إلا بقدر ما يعرف الإنسان من القوانين الموضوعية المتحكمة في عالمه النفسي الداخلي، والمفسرة لحركة المجتمع والطبيعة».
في دراستها للأقنعة، لا بد من الإشارة إلى المعرض الشخصي للفنانة الشوملي، وهو بذات العنوان، وكان عبارة عن خلاصة تجربة فنية، قدمتها الفنانة في العام 2012، بالتزامن مع المعرض السنوي العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية في دورته 30، في هذا المعرض صممت الشوملي سلسلة كبيرة من البراقع التي تخفي الوجه الحقيقي للمرأة، والقناع في هذه التجربة كان بالنسبة للشوملي ليس شكلاً فحسب، وأكثر من ذلك، ليس خليجياً، بل هو يعكس مضموناً، يتماهى مع فكرة الحجب في إطارها العربي، هو إذن «برقع عربي» وحفل المعرض بصور فوتوغرافية ولوحات فنية وأعمال تركيبية مفاهيمية، عبر عن شغفها بالتجريب ومحاولة واستثمار فضاءات التقنية التي كسرت الرتابة في الفن، وقدمت تنوعاً بصرياً فيه جانب كبير من المتعة
والبرقع بالنسبة للشوملي مرتبط بزينة المرأة الإماراتية، لكنه يعتبر أيضاً وسيلة لاكتشاف سيكولوجيا النفس البشرية، وقد وظفته في أعمالها في أشكال وألوان مختلفة.
تتضمن سيرة الفنانة التشكيلية الشوملي الكثير من المحطات، فقد شاركت في عام 2008 في «سمبوزيوم» أقيم في تونس، كمحاضرة ومقدمة للعديد من الورش كما قدمت عملاً عكس رؤيتها في الواقع من حولها، كما قدمت تجربة أخرى بعنوان «حوارات لونية» ضمن المعرض العام لجمعية الفنون التشكيلية.
وفي معرض باسم «الصمت»، في العام 2006 ضمن اشتغالها على درجة البكالوريوس، صممت الشوملي أعمالاً حول الحرب اللبنانية عند دخول القوات «الإسرائيلية» إلى الجنوب اللبناني، وتألف المعرض في حينه من 3 جداريات ولوحة «بيت لبناني» استخدمت فيها تقنيات متنوعة، وحاولت من خلالها أن تدرس سيكولوجيا الصمت في كثير من المجتمعات، بين كونه يعبر عن حالة واضحة، أو دلالة على مسألة فيها الكثير من الغموض وربما التأمل.

إضاءة

الفنانة التشكيلية الإماراتية كريمة الشوملي اشتغلت على فنون التصوير والنحت والأعمال التركيبيّة المنضوية ضمن الفن المفاهيمي، وهي تعمل أستاذاً مساعداً في كلية الفنون الجميلة والتصميم بجامعة الشارقة.
جربت أشكال التعبير البصري وكافة وسائله وتقنياته واتجاهاته، بدءاً من الواقعيّة وانتهاءً بالفن المفاهيمي، دون أن تفقد الحبل السري الذي يجمع بين أعمالها، على اختلاف مراحل إنتاجها والصياغات التي اختارتها لها.
تحمل درجة بكالوريوس علوم إدارية وسياسية (اختصاص محاسبة واقتصاد). وحصلت في 2010 على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة لندن للفنون والتصميم، بعد أن كانت قد مارست الفن إنتاجاً وعرضاً نحو أربعة وعشرين عاماً كما حصلت في عام 2016 على درجة الدكتوراه من جامعة «كنجستون» البريطانية عن موضوع البرقع الإماراتي.