يا ساحر الأحلام / آن لك الهوى/ أن ترتوي /بلهاث ساحرة الغرام/ وتغزل الأنات دفئاً / عابق اللحظات / فتان الحضور/ يا ممعناً في خاطري/ وسناً تغالبه العيون/ ألقا../ يطارده الخيال /تولهاً / يا مسرفاً في البعد / احتاج العيون.
المقطع الشعري السابق من إبداع الشاعرة الإماراتية كلثم عبدالله، وهي من قصيدتها «ملامح الماء» تلك القصيدة المفعمة بالصور والمعاني، والتي تمتاز برقتها، عدا عن لغتها القوية الموحية والسهلة أيضاً، فأفضل الشعر ما كان قريباً من الناس، وبعيداً عن الحدة والغموض واللبس، وهذا شأن كلثم عبدالله في جميع ما كتبت من دواوين، وطرزت من قصائد في مختلف أغراض الشعر ومراميه، سواء كان شعراً وجدانياً وعاطفياً أو وطنياً.
هو الشعر إذاً، حيث لا رهان سوى على قوته، ولا رهان سوى على شموخه وجبروته، هو الشعر، حين تنسدّ المسافات، وتغلق الأمكنة، وتضيق الأرض على ساكنيها، فلا يرون بصيص أمل إلا صوته، وصمته، وخفوته وهسيسه، وهمسه وتخفيه، ولا يجدون سوى صهيله، واضطرابه، وشدة وقعه، وصراخه وتعاليه، هو الشعر في حالاته كلها، كائن يسمو، ويخف، ويشف، ويعلو ويتجلى.
وفي الشعر، تحبذ أن تقول كلثم عبدالله: «في قصائدي أمثّل الإنسان بكل حالاته النفسية الوجدانية والعاطفية، كما أحاول أن أعكس ثقافة مجتمع كريم وأصيل..».
هكذا، تفهم الإماراتية كلثم عبدالله الشعر، تفهمه فناً ولغة وثقافة، وتفهمه حاضنة إنسانية، وسياقاً ومعنى، كما تفهمه لغزاً، ودلالة متوارية في التكثيف والصورة، وفيما يحمل من جذوة، تؤدي إلى النقاء، وإلى التصالح والأخوّة الإنسانية، ذلك ما تعلمته في الصغر، حيث نشأت كلثم عبدالله على حب وتذوق وسماع القرآن الكريم، فقرأته، وحفظت بعض سوره، وتماهت، بل تفاعلت مع خشوعه، ورقة معانيه، وجزالة ألفاظه، وما تحمله سوره من معانٍ خالدات على مر التاريخ.
تقول كلثم عبدالله: «ختمت القرآن الكريم وأنا صغيرة، وتم تسجيلي في المدرسة في عمر السابعة، وأصبحت متفوقة، ذلك أني كنت بارعة في إعراب الجمل، وحينذاك شعرت بأن لديّ ميلاً نحو الكلام المسجوع، وهو الذي بدأت أحفظه، بل تسجله ذاكرتي».
تضيف كلثم عبدالله: «من حسن حظي، أني نشأت في هذه البيئة المحافظة، المفعمة بالحب والود، وقراءة القرآن ورواية القصص والحكايات والأمثال، فوالدتي كانت تقول الشعر وتردده، كما هو حال جدتي، وكلتاهما حافظتان للتراث ومعاني التراث، وكل تلك الأجواء أسهمت في عشقي للسماع، الذي تطور حباً وهياماً باللغة وكانت محطات طفولتي في عجمان ومن ثم دبي وتشابه الأمكنة والفرجان التي عاشت فيها عائلتي قد شكل مناخاً مشجعاً من (الحب، والأمل، والشغف، والذكريات الجميلة التي لا تنسى).
مثل هذه القدرة على الحفظ، أثّرت في الطفلة التي كبرت، فتعلمت، ودرست علم النفس، وكانت مثالاً للاجتهاد والتفوق.. كبرت كلثم عبدالله، فوجدت نفسها محاطة بالشعر، ولنقل تعيش الشعر على نحو فريد، فكتبته بأنواعه كلها.. عامياً وفصيحاً، شعراً عمودياً ومتفعلاً وحراً، إذا لا حواجز بين الشعر، بالنسبة لكلثم عبدالله سوى ما يرسخ من كلامه الجميل ومعانيه الدالة، التي تحمل الفرد على جناح كائن نوراني شفيف.
توسع نشاط كلثم عبدالله لتشارك في الأمسيات المحلية والخارجية، ذلك أنّ فترة توهجها الأدبي تزامنت مع فترة تأسيس الاتحاد الإماراتي في مطلع سبعينات القرن الفائت، وهي المرحلة التي تصفها كلثم عبدالله بالفترة الغنية بالمهرجانات الثقافية، وقد تسنى لها بعد أن أنهت الثانوية العامة فرصة ممارسة الصحافة الثقافية، حيث وجدت نفسها كاتبة في أقوى المجلات في تلك الفترة وهي «الأزمنة العربية»، وذلك رغم قصر هذه الفترة، واضطرارها للسفر إلى الكويت لمواصلة التعليم في عام 1977.
أصدرت كلثم عبدالله عدة دواوين شعرية بينها (شذى الرايح، وهو شعر شعبي، وديوان مسموع، و«نقش في زوايا الذاكرة»، وديوان «ملامح الماء» من الشعر الفصيح وصدر هذا الأخير في عام 2015.
في إطار اهتمامها بتنويع العمل الثقافي، فقد بادرت كلثم عبدالله إلى تبني عدة نشاطات ومبادرات من هذا النوع، الهدف منها ترويج النتاج الأدبي الخليجي في الخارج، ومن ذلك تلك المبادرة التي تترأس من خلالها نشاطاً أدبياً بين الخليج والنمسا، فهي ممثلة نادي القلم النمساوي في الخليج، وقد أشرفت من خلال هذا التمثيل على إصدار «سيمفونية الربع الخالي» في عام 2016 لأدباء من الإمارات والخليج العربي، كما قامت في الاتجاه المعاكس بإصدار«لؤلؤة الدانوب» وهو عبارة عن كتابات أدبية باللغة الألمانية ومترجم إلى العربية.
شاركت في كثير من المسابقات الأدبية المحلية والدولية والعالمية، كما مثلت الإمارات في أمسية بجامعة الإمارات إلى جانب الشاعرة الإماراتية الكبيرة فتاة العرب، ولها مشاركة مع عدد من الشاعرات العربيات بينهن الراحلة فدوى طوقان، كما شاركت في أمسيتين بمدينة زيورخ / سويسرا في مهرجان المتنبي الأول عام 2000، حيث كان لها فرصة التعرف والمشاركة مع عدد من الشعراء العرب البارزين (محمد الفيتوري، أحمد عبد المعطي حجازي، شاكر لعيبي، فوزية السندي، مرام المصري، أمل جبوري وغيرهم الكثير).
إضاءة
فازت كلثم عبدالله بجائزة الدولة في مسابقة الشعر النبطي (زايد في عيون الشعراء) عام 1996، وهي عضو مؤسس برابطة أديبات الإمارات منذ عام 1990، وعضو مجلس أمناء هيئة المرأة العالمية للتنمية والسلام، ومسؤولة ملف التوازن بين الجنسين وتكافؤ الفرص في الشرق الأوسط.. وممثلة «دراما بلا حدود» في الإمارات.