القاهرة: «الخليج»

في شهر مايو عام 1840 ظهرت في المكتبات ببطرسبرج رواية «بطل من زماننا» ومؤلفها شاب في الخامسة والعشرين من عمره، هو ميخائيل ليرمنتوف الذي كان قبل أن يصدر هذه الرواية شاعراً شهيراً، ونجحت الرواية نجاحاً كبيراً فنفدت جميع النسخ، وكان كل قارئ يريد أن يعرف من هذا الشخص الذي يسميه الكاتب «بطل من زماننا» إن الصورة تحاكي بطلاً، وتأخذ منه مثالاً، والعنوان نفسه يثير البلبلة، الرواية عبارة عن خمس أقاصيص، نشرت ثلاث منها في إحدى المجلات، لكن أحداً ممن قرؤوا تلك الأقاصيص المنفصلة لم يلاحظ أنها تؤلف كلاً واحداً، إنها ترتبط بالشخصية الرئيسية «بتشورين» الضابط المنفي إلى جيش القفقاس.

يصور لنا ليرمنتوف بطله في أول الأمر، كما يراه رئيس في الجيش، متواضعاً، بسيطاً، ينتمي إلى بيئة اجتماعية مختلفة عن بيئته، وفي الأقصوصة الثانية يعلم القارئ أن بتشورين قد مات، ويطلع على يومياته، وتتكشف شيئاً فشيئاً الجوانب المختلفة من الطباع المتناقضة في هذه الشخصية، وبتشورين شاب جميل غني، يتمتع بملاحظة قوية، وذكاء حاد، وينعم بثقافة واسعة، لكن ليس له أي هدف، ولا رغبة، ولا يجد السعادة في الحب أو الصداقة، وحياته تنقضي بلا عمل، والقوة الكبيرة التي يحسها في نفسه مهدرة، إنه وحيد شقي، يحمل الموت والعذاب، إلى من تضعهم المصادفة في طريقه.

ما الذي جعله يشيخ قبل الأوان؟ لأنه في عهد الإمبراطور نيقولاي الأول سحقت ثورة يقودها مواطنون كرماء، ثوريين من طبقة النبلاء، وقد حطم ذلك اليوم آمال جيل بأكمله من الشباب المفتونين بالحرية، وكان جيل بتشورين يومئذ أصغر من أن يشترك في المؤامرة، ولم يتسع الوقت خلال السنوات العشر التي أعقبت ذلك لأن «يشيخ هذا الجيل، لكنه كان محطماً، يعيش حياة ذابلة في مجتمع غريب، مجتمع ذليل» وجاء وقت كان بتشورين يتألم فيه حين يفكر في هذا العار، عار استعباد ملايين البشر، وانقضت السنون ودفن بتشورين عواطفه في أعماق نفسه، ودب إليه اليأس نتيجة شعوره بالعجز، ثم تعود ألا يؤمن بشيء، وأصبح مشلول الروح، ومن هذا المشلول خلق ليرمنتوف بطل زمانه.

كان القارئ يتساءل: أهذا بطل؟ وعلى هذا أجاب ليرمنتوف في مقدمة روايته: «إن «بطل من زماننا» هو حقاً صورة، لكنه ليس صورة شخص واحد، بل صورة مؤلفة من عيوب جيلنا بأسره» إن هذه الرواية سيكولوجية واجتماعية في نفس الوقت، صادف ظهورها نقمة جديدة: نفي الشاعر مرة ثانية إلى القفقاس التي كانت مسرحاً لحرب دامية، حيث أرسل أول مرة عام 1837 بسبب قصيدته «موت الشاعر» المخصصة لبوشكين، إن ما اتصف به ليرمنتوف من طبع مستقل حر، ومن احتقار للأرستقراطية، وكذلك روح مؤلفاته التي تندد بعيوب المجتمع تنديداً جريئاً وتشيع فيه حرارة النضال ومحبة الحرية، كل ذلك سبب له كراهية نيقولاي الأول ومن يحيطون به، وفي عام 1840 استطاع أعداء ليرمنتوف أن يدبروا مبارزة للشاعر، ولم يعد ليرمنتوف من المنفى، إذ قتل في المبارزة يوم 27 يوليو عام 1841 ولما يكمل السابعة والعشرين من عمره.

كان النقد الديمقراطي الثوري الروسي يرى في الرواية تمثيلاً لواقع اجتماعي منتشر جداً، وتجسيداً لآفات وعيوب كان يتصف بها جيل بكامله، لقد دخل بتشورين الحياة بعد ثورة الديسمبريين ومات قبل أن يظهر إلى حقل التاريخ الجيل التالي من الثوريين الروس، إن بتشورين هو بطل فترة انتقال، تتميز بحالة نفسية، تهدم فيها كل ما هو قديم، ولم يحل محله شيء جديد بعد، حالة ليس فيها الإنسان إلا إمكانية شيء واقعي في المستقبل، ومجرد شبح في الحاضر.