الشارقة: محمدو لحبيب

عناية الله المستمرة تلازمنا فنتعود عليها بحيث تبدو أحيانا عند الغافلين عن ذكر الله، كالهواء الذي يتنفسونه لحظياً، وهم لا يبصرونه، ولا يفكرون في مدى أهميته، وكونه يعادل الحياة نفسها.

تلك العناية الإلهية هي التي تجعل بعضنا ذا فعل يدخل من باب الرياء والنفاق، لكنه فجأة يرى نفسه وقد صحتْ بقدرة ربها، وتنبهت إلى مكامن الخلل في سلوكها، فأخلصت لربها، وآمنت بعظيم كرمه وفضله، ذلك هو جوهر ما حدث لمالك بن دينار، رحمه الله، وهو أحد أولياء الله العارفين المشهورين بالصلاح، والذين أكرمهم الله بالتوبة النصوحة، وأوصلهم بمنّه وجوده إلى مسارات العبودية الحقة، فالارتقاء بالنفس لا يحدث إلا عبر الإخلاص في العبادة.

كان مالك بن دينار رجلاً محباً للمال، ومسرفاً في طلبه، وقد سمع عن الأوقاف الكثيرة التي تتبع لمسجد معاوية بن أبي سفيان في دمشق، فرغبت نفسه في أن يتولى تسيير المسجد والإشراف عليه بغية الاستفادة من ذلك المال الكثير الذي يتبعه، فقرر أن يسكن متهجداً في المسجد، لا يبارحه إلا لماماً، علّه يلفت الانتباه إليه، فيقرر من يتولون الإشراف على المسجد توليته.

أسرف في عبادته، واعتكف في المسجد سنة كاملة، يبسط سجادته آناء الليل، وأطراف النهار، وهو يحاول إظهار كل ما يمكن أن يعطي الثقة بشخصه، وتدينه، وكان يلزم المسجد طول النهار، فإذا جاء الليل، وانقضت الصلوات المفروضة، وخفت الحركة هناك، ذهب إلى أماكن اللهو، فسهر وطرب حتى يُقارب الفجر، فيعود بسرعة إلى المسجد كي يأتي الناس فيروه في مصلّاه، وذات ليلة كان في شُغل مع أصحابه في لهوهم، فقام أحدهم إلى العود وعزف عليه لحناً، فسمعه مالك يقول: يا مالكُ، مالكَ ألا تتوب؟

فقام مالك في الحال متحيراً، وبدأ بالتفكير في أنه عبَد الله سنة معتكفاً لأجل غرض دنيوي، وهو أن يحصل على المنصب في المسجد، وقال في نفسه: لِم لا أعبد الله بإخلاص، وأبذل كل ما بذلته وأكثر ابتغاء وجه الله؟ وكان ذلك الإلهام من الله له بذلك التفكير، وتلك المعاتبة النفسية الذاتية، بداية التوبة، ومنعرجاً مصيرياً في حياته، بدأ معه بارتقاء معراج الإخلاص لله، حتى عُدّ من العابدين الأولياء المتصوفين، وحتى أصبح صاحباً للحسن البصري، رحمه الله، بعد ذلك.

وبعد توبته وإقباله على الله زهد في الدنيا، وما فيها، وأقبل على ربه يتعبد له بإخلاص في تلك الليلة، وما إن أصبح الصباح حتى جاء بعض المسؤولين عن المسجد فقالوا: لقد ظهر في المسجد بعض الخلل، ولا بد من مُتولٍ يتعهد شؤونه، ويشرف عليه، ثم اتفقوا على أنه لا شخص أصلح من مالك لأجل تلك الوظيفة، فذهبوا إليه فوجدوه يصلي خاشعاً لله، فانتظروه حتى انتهى من صلاته، فقالوا له: جئنا إليك لتقبل منا أن تتولى شؤون هذا المسجد، وتسييره، فاندهش مالك، وقال في مناجاة مع ربه: إلهي عبدتك سنة من دون إخلاص لأجل هذه التولية، فما حصلت، فعبدتك بعض ليلة بإخلاص، فبعثت لي عشرين رجلاً يسألونني قبولها، وقرر مالك ألا يقبلها، وزهد في الدنيا، واشتغل بمجاهدة النفس، وبالطاعات وبالإقبال على الله.

ومما حُكي عن زهده في أمور الدنيا وانصرافه عن ملذاتها، أنه كان في البصرة رجل ذو مال، وكانت له ابنة ذات جمال، فتوفي عنها، فأتت إلى ثابت البناني، رحمه الله، وطلبت منه أن يزوجها من مالك بن دينار، كي يكون عوناً لها على طاعة الله، فعرض ثابتٌ ذلك على مالك، فأبى، وقال له: إني طلقت الدنيا ثلاثاً والمطلقة ثلاثا لا تعود، وهي الدنيا.

مر مالك بأحوال عدة حتى استكانت نفسه إلى التسليم لله، والتفويض له، ويروى عنه في هذا الإطار عدة قصص تدل كلها على تربية الله له، حتى سمت نفسه وأسلمت أمرها إلى ربها العليم الخبير.

ومن ذلك أنه قال إنه كان يتمنى الجهاد في سبيل لله طلباً للشهادة، وحين حضر إحدى المعارك، حصلت له حمى شديدة، فانطرح على فراشه، حزيناً مكتئباً، وقال في نفسه: لو كان لي عند الله مقدار ومنزلة، لما بعث لي الحمى في هذا اليوم، فأخذته سِنةٌ من النوم، فسمع هاتفاً يقول له: يا مالك لو تركناك تحارب، لصرت أسيراً في أيدي الأعداء، فهذه الحمى لطف من الله بك، وعظيم حكمة منه، فانتبه مالك من نومه، فشكر الله، وفوّض أمره إليه.

لقد أراد مالك، رحمه الله، شيئاً محدوداً تمثل في مجرد الولاية على مسجد، فأراد الله له أكبر من ذلك وأعظم، أراد له أن ينهل من بحر المعرفة الصافي بالله، وأن يقترب من صراطه المستقيم، ويسير عليه بسوية من دون زيغ، ولا ضلالن ولا رياء، ولا نفاق، فصار حتى بعد وفاته بعدة قرون نموذجاً يحتذى في الإخلاص لله، وفي التصوف الحقيقي.